آماليزا .. بيت من كرتون لم يحترق في سعير سبها !

آماليزا .. بيت من كرتون لم يحترق في سعير سبها !

تقرير :: زهرة موسى :: ترجمة حواء عمر

آماليزا “سبعينية تفترش أرصفة الشوارع”
من قلب أثيوبيا إلى ليبيا مرورا بالعاصمة طربلس ومن ثم استقرار في مدينة سبها. تروي آماليزا المرأة ذات الخمسة والسبعين عاما قصتها التي أرصفت تفاصيلها في تجاعيد وجهها البشوش عاما بعد عام.. مظلة كرتونية وسقف من هجير ! “حياة بلا منزل لا أمان فيها”.. هكذا وصفت آماليزا شعور عدم امتلاك سكن يأويها ، معبرةً عما تكابده من عناء جراء مكوثها في الشارع ، وهي تقضي أياما تحت أشعة الشمس الحارقة دون طعام أو ماء ولا حتى سقف يظللها ، تعيش بما يتصدق به المارة من طعام و شراب عليها .
آماليزا سيدة ذات خمسة وسبعين خريفاً ، سمراء البشرة متوسطة الطول، صاحبة ابتسامة جميلة وروح مفعمة بالحياة ، هي أم لثلاثة أبناء ، عملت سابقا مدبرة منزل ، و طاهية في بيت أحد كبار رجال الأعمال بالعاصمة طرابلس ، ورغم ما تقاسيه إلا أنها لازالت تحتفظ ببهجتها ، و تنظر للحياة من زاوية إيجابية فعلا “إن القناعة كنز لايفنى”.
بدأنا حديثنا جالسين في الشارع وسط نظرات الاستغراب على وجوه العابرين ، بينما تناولت آماليزا كرتونا من منزلها لتقي به رؤوسنا من أشعة الشمس الحارقة .


صورة مبتسمة لمهاجرة مشياً في الجحيم!
Istartedmytrip. walking on my feet
تقول ” بدأت رحلتي مشيا على الأقدام عبر الصحراء في عام 1992 من أريتريا إلى ليبيا ، وتوقفت برهة لتسأل عن عمري وقالت بلطف : أتيت عند مجيئك لهذا العالم..
كانت هذه العجوز مبتسمة وسعيدة جدا بحوارها معنا ، عندما طلبنا التقاط صورة لها بحثت في منزلها الكرتوني الصغير عن مشط لتسرح خصلات شعرها القصير الذي يغطيه الشيب لتبدو جميلة في الصورة .
تروي أنا لم أكن أملك ثمن سيارة أجرة للسفر إلى ليبيا ولا حتى جواز سفر أو أي أوراق رسمية تسمح لي بالدخول الشرعي عبر أي وسيلة نقل، وفي ذلك الوقت كان يهاجر العديد من الأفارقة من بلدانهم بحثا عن حياة أفضل و كثيرون ظلوا يسافرون عبر الصحراء مشيا على الأقدام ، فالفقر يقف عائقا أمام سفرهم بطرق مرفهة.
I had got three children two boys and girl
ذكرت “كنت أمّا لثلاثة أطفال، ولدين و فتاة ، تدعى الفتاة و الابن الأكبر (أون يه). عندما قررت السفر تركتهم هناك في أريثريا ورحلت ، فقد كان من الصعب السفر مشيا على الأقدام رفقة أطفال ، رغم أني كنت صغيرة حينها و أنعم بصحة جيدة .
” فقدت الاتصال مع أبنائي منذ أعوام ، هم الآن راشدين ولكل منهم عائلته, وأتمنى أن يعيشوا حياة جيدة و أن ينعموا بصحه جيدة.
شريدة الحرب في شوارع تاجوراء!
كانت آماليزا تتحدث بلغة إنجليزية ممزوجة بلغة عربية ركيكة ، تعلمتها خلال سنوات عيشها بليبيا قالت: لقد عملت في وظائف كثيرة ، في مجال الزراعة , و عملت أيضا كمدبرة منازل ، و كذلك طاهية بمنزل أحد رجال الأعمال بالعاصمة طرابلس لسنوات طويلة ، كانت عيناها مليئتان بالحنين لتلك الأيام حين لم يكدر صفوها أي شيء ، فهي حينها لم تكن تعلم ما ينتظرها عقب انقلاب الحال خلال لحظات قليلة .
واستمرت آماليزا : ” كنت أعمل و أعيش مما أجنيه ، و لكن قبل عشرة أعوام في العام 2011 ، ومع بداية الأحداث تغير حالي كما الوضع بليبيا ككل ، فقبل الأحداث بفترة قليلة انتقلت للعمل عند سيدة تدعى عائشة ، كانت سيدة لطيفة عاملتني بطيبة، واهتمت بي ، وكانت كثيراً ما تسافر للحج ،وكنت سعيدة بعملي معها، ولكن عندما بدأت أحداث ليبيا ووصلت الحرب إلى مدينة طرابلس هجم بعض المسلحون على المنزل الذي كنت أعمل فيه ، وحطموا كل شيء داخله، وخرجنا هاربين من المسلحين ،ولم أعد أعلم إلى أين ذهبت تلك العائلة وفقدت الاتصال بهم، و منذ ذلك الحين و أنا أعيش في شوارع مدينة تاجوراء دون مأوى ،فليس لدي مكان أذهب إليه و لا شخص يأويني عنده .

ابتسمت آماليزا
كيف كنت تقضين الساعات الطويلة في تلك الشوارع؟
أجابت ضاحكة: لقد ساعدني كثيراً كوني امرأة مسنة ، ففي كثير الأحيان كان يقبض علي لجلوسي في الشوارع ، ويتم تحويلي لمركز الشرطة ، ولكن لأني عجوز ، كان يتم إطلاق سراحي دون تعرضي لأي أذى ..
نظرت آماليزا إلينا وكأنها تسترجع لحظات قديمة لازالت ذكراها تنبض في قلبها. وقالت : في شبابي كنت جميلة و كانت بشرتي بيضاء ، ولكن شمس ليبيا الحارقة جعلت بشرتي سمراء، وأصبحت عجوزاً الآن.
عشرة كلاب وفية للحنان في مكب القمامة !
واسترسلت ” بعد تلك الحادثة عشت متنقلة من شارع إلى شارع و من مدينة إلى أخرى إلى أن وصلت إلى هنا في مدينة “سبها ” منذ ثلاثة أعوام تقريبا ، عشت في الشوارع وعلى الأرصفة ، وانتقلت من مكان إلى آخر إلى أن وصلت إلى مكب القمامة بحي عبد الكافي ” عشت هناك لفترة طويلة ، وكان لدي بعض الأصدقاء و رفقاء السكن ” عشرة كلاب” أصبحت أمًا لعشرة كلاب وكنت أقتسم معهم الطعام الذي أتحصل عليه من صدقات الناس أو مما أجمعه في المكب فأنا أحب الحيوانات كثيرا. iwasbeggingthefood
كانت تتسول الطعام من أجل كلابها ، فرغم فقرها لم يكف قلبها عن العطاء”كان للحديث مع” آماليزا”لذة خاصة رغم انقضاء أكثر من ساعتين تحت أشعة الشمس في أيام أغسطس الحارقة، إلا أننا استغرقنا في متعة الحديث معها ، فقد كانت طوال الوقت مبتسمة و تملأ المكان بضحكاتها مشيرة بيدها على ما يحدث حولنا في الشارع .

الشارع كنز حكايات في عيني آماليزا !
أشارت ” أحب التنقل و الترحال كثيرا ، خاصة بعد أن عشت على أرصفة الشوارع ، ففي الشارع قصص المارين و حكايات أصحاب المحال التجارية ، وحديث العابرين ، أجلس في مكاني أتفرج على كل ما يدور، و كأن الشارع تلفاز يعرض أفلاما و مسلسلات واقعية متنوعة .
أكدت ” لم أتعرض لأي مضايقات في الليل” و قالت “Libyans people are good in the night “الليبيون أناس خيرون في الليل ، فرغم مايحدث من حروب ومشكلات ، إلا أن هناك نوعا من الأمان ، فلم يتعرض لي أحد بسوء، رغم أني قد قضيت أعواما في الشوارع بمدن مختلفة ، وحتى في مدينة سبها عندما انتقلت من المكب إلى حي المهدية منذ عدة أشهر لم يزعجني أحد ، بل على العكس ساعدني الكثير من الناس ، و يزورني البعض

و يزورني البعض و يجلبون لي الماء والطعام . بعد أن انتقلت آماليزا إلى مكانها الجديد ” افترشت أحد الأرصفة بقلب حي المهدية و بنت منزلا من الكرتون يغطي جسدها من الشمس ، وتركته مفتوحا من الأعلى لتراقب ما يحدث في الشارع ، منزلها الملاصق لحائط مدرسة عقبة بن نافع سابقا “مدرسة سبها الثانوية” حالياً ،وسط الشارع الحافل بالعديد من محال المواد الغذائية ودكاكين الخضراوات ، كما يطل على محل جزار و مكتبة لبيع القرطاسية ، في حين تكونت في منتصف الشارع برك مياه الصرف الصحي برائحتها النفاذة و المؤذية . لا بيت كالوطن ! أردفت “في بعض الأحيان تمر علي أيام دون طعام أو شراب ، و أحيانا يتوفر من الطعام ما يكفيني لأيام ، حياة الشارع جعلتني أعتاد على تقلبات الجوع و العطش و تحمل البرد القارص ، و أشعة الشمس الحارقة . نوهت ” بعد كل هذه الأعوام أريد أن أعود لموطني ، عشت كثيرا في الشوارع و تنقلت و سافرت كثيرا ،i am missing my home ولكنني أحن لمنزل يأويني ، أرغب في العيش بأمان فيما تبقى من حياتي ، والمنزل هو الأمان الذي أفتقده . آماليزا كغيرها من المهاجرين الذين يقاسون الويلات فقط لأنهم يبحثون عن حياة أفضل ، يأتون فارين من حياة الفقر و الجوع في بلدانهم ، ليجدوا أنفسهم مغتربين ومتشردين ،يكابدون أياما أقسى من تلك التي هاجروا منها وهم لا يزالون ممتلئين بأحلام لم تتحقق بعد .

شـــارك الخبر علي منصات التواصل

صحيفة فــــسانيا

صحيفة أسبوعية شاملة - منبع الصحافة الحرة

شاركنا بتعليقك على الخبر :