- مالك المانع
في الدول النامية لا يبدأ الفقر غالباً من الجيوب ، بل من القرارات الغبية
قرارات تُتخذ في غرف مغلقة ، وتُسوق للمواطنين على أنها ( إصلاحات اقتصادية عاجلة ) بينما هي في حقيقتها إعلان غير مباشر لإفقار الشعوب و عقاب جماعي طويل الأمد ..
عزيزي القاريء ان من أخطر القرارات الغير مسؤولة وأكثرها فتكًا ، هي قرارات خفض قيمة العملة المحلية في الدول التي لا تنتج، ولا تُصدر، وتعتمد كلياً على الاستيراد ..
في هذه الدول ، لا يكون خفض العملة أداة علاج ، بل سكيناً بارداً يُغرس في جسد المجتمع ببطء ، فما إن تفقد العملة قيمتها، حتى تفقد معها الرواتب معناها _ والمدخرات قيمتها _ والأحلام حدودها
يرتفع سعر كل شيء، إلا قيمة الإنسان الشريف، الذي يصبح أرخص عنصر في دائرة المعادلة الاقتصادية الجديدة.
سيُقال لكم :
[ إن خفض العملة سينقذ اقتصادكم و ينعش أمالكم ] ..
و لكن أي اقتصاد هذا ..؟
هل هو الاقتصاد الذي لا يملك مصانع، ولا زراعة كافية، ولا قدرة تصديرية؟
في الدول المستهلكة، خفض العملة لا يُنعش الإنتاج، بل يُنعش الجشع، ويكافئ الاحتكار، ويفتح الأبواب واسعة أمام المضاربة.
وهنا سيتحول السوق إلى غابة، لا قانون فيها إلا لمن يملك العملة الصعبة.
الطبقة المتوسطة، وهي صمام الأمان لأي دولة، تكون الضحية الأولى.
تتآكل دخولها ، وتتبخر مدخراتها ، وتُسحب منها قدرتها على التخطيط للمستقبل ، وبسقوطها، لا يسقط الاستقرار الاقتصادي فقط، بل يسقط التوازن الاجتماعي والسياسي أيضاً .
في هذه اللحظة ، تبدأ الثروة في إعادة توزيع نفسها ، لكن ليس بعدالة.
تنتقل من أيدي الأغلبية إلى تلك القلة التي تملك العملة الصعبة ، وتتحكم في الاستيراد، وتفرض الأسعار كما تشاء.
وهكذا، لا يعود خفض العملة مجرد إجراء اقتصادي، بل يتحول إلى آلية نهب ناعمة وممنهجة.
الأخطر من ذلك، أن هذا النموذج لم يعد عشوائياً مطلقاً .
بل هو جزء من منظومة عالمية تقودها النُظم الرأسمالية الكبرى، التي تمتلك العملة الصعبة، وتتحكم في الأسواق، وتفرض شروطها على الدول الضعيفة.
دول تُدفع نحو خفض عملاتها، ثم تُترك وحيدة في مواجهة التضخم والفقر والانفجار الاجتماعي.
ومع كل خفض جديد ، تصبح ثروات الدول النامية أرخص.
[ الموانئ – الأراضي – الموارد الطبيعية ] وحتى القرارات السيادية ، تصبح سلعة قابلة للشراء ، فالعملة الضعيفة لا تحمي وطنًا، ولا تصون سيادة، ولا تفرض احترامًا.
من هنا، يمكن القول إن خفض قيمة العملة في الدول النامية غير المنتجة ليس خطأً في التقدير ، بل جريمة اقتصادية مكتملة الأركان.
جريمة تُرتكب باسم الإصلاح ، وتُدار بأدوات مالية ، وتدفع ثمنها الشعوب وحدها.
وهي أقصر الطرق لإفقار المجتمعات، وكسر إرادتها، واستباحة مقدراتها دون طلقة واحدة.
إن الاقتصاد ، حين يُفصل عن العدالة، يتحول إلى سلاح ، وحين تُدار العملة ضد الإنسان ، لا لأجله ، يصبح الفقر سياسة ، لا نتيجة ، وفي عالم لا يرحم الضعفاء ، تبقى العملة القوية سلاح الأقوياء الأول ..














