اغتصاب محظية ــ لوحة سريالية أدبية

اغتصاب محظية ــ لوحة سريالية أدبية

بقلم :: ليلى المغربي

بعض الروايات لا تُقرأ بسهولة كغيرها من الروايات، بل تجد نفسك تغوص في كل جملة وسطر وصفحة تتبعها بدقة لتفهم أولاً ثم تأتي متعة الصور المتلاحقة المنسوجة بلغة فلسفية بليغة اللغة سريالية الوصف.

بعد أن قرأت عدة مقتطفات من رواية “اغتصاب محظية” للأديبة الليبية “عائشة الأصفر” على صفحتها في الفيسبوك، أثارت فضولي لقرائتها وعبرت عن رغبتي هذه لأجد الرواية بعد إسبوع تقريباً بين يدي، بدأت القراءة بحماس شديد وخلال الصفحات الأولى من الرواية كنت كمن يتلمس الطريق المعتم بخطوات بطيئة، “على سطح البحر تتحرك الأجساد الحية والميتة، أما أعماقه فللأحياء فقط ” بهذه الجملة تستدرجك الكاتبة من الصفحة الأولى لتبدأ رحلة الغوص في أعماق النص رويداً، وقبل أن تبدأ الرؤية تتضح تجد ملاحظة للكاتبة تقول فيها:

” ليتني أنجح في تصوير قصتي كما هي ، فمعايشة التجربة تجعلك تختزل بعض الصور عن غير قصد فتحجب بعضها دون أن تشعر، فهل سأنجح في تصوير تجربتي كما حدثت فعلاً ؟ أرجو ألا يؤثر اهتزازي على تماسك روايتي” ص13

لرواية كُتبت في 2008 خلال حكم النظام السابق وحين تتكشف مغزى الرواية وإلى أين تأخذك ستعرف لماذا لجأت الكاتبة لهذا النوع من الأدب ” الأدب السريالي ” وهنا سأعرج قليلا على “السريالية” وهي تعني في اللغة الفرنسية مذهبَ ماوراء الواقع، والواقعُ ماهو موجود سواء في عالم المادّة أم الحسِّ أو الوعي، أي مايدركه الإنسان مباشرة في العالم الخارجي أو مايشعُر به ويعيه في عالمه النفسي، والسّرياليّة لا تهمل هذا الواقع، ولا تنكره ولكنها لا تثق به ولا تعوّل عليه ، فهو في رأي “أندريه بروتون” زعيم السريالية “معادٍ لكلّ ارتقاء فكريّ وخُلُقي”، والمدرسة السّريالية هي التجسيد الفنّي والأدبيّ لمنهج “فرويد” في التحليل النفسي القائم على العالم الباطنيّ اللاشعوري، وهذا ما يعتبره السّرياليون الواقع النفسيّ الحقيقيّ، وقد تجلّت في الأدب والمسرح والفنون التشكيليّة والسّينما، وكانت هذه المدرسة تحاول دوماً الغوصَ في الأعماق النفسيّة والاغتراف منها ومشابكتها مع معطيات الواقع الواعي، مجافيةً معطيات المنطق والعلم الموضوعي ورقابة الفكر، وغير مكترثة بالواقع الاجتماعي وما يفرضه من المواصفات الأخلاقية والنظم ومايسوده من العقائد والفلسفات.. إنّ كلّ هذه الأمور عندهم قشور يجب أن تنسف ليتفتح الانسان الحقيقي ويبني عالمه ومستقبله الجديد منطلقاً من أرضٍ نظيفة يلتقي على صعيدها كل البشر في عالم الحب والحرية والسعادة. “المعجم الغني”

وربما السؤال هنا لماذا صنفت الرواية من الأدب السريالي وهو سؤال منطقي، فبعد عدة صفحات بدأت أكتشف أن بطل الرواية إصبع زائد بتره صاحبه “بو ستة” وكان يسميه “زايد” وهو الراوي للحكاية التي جمحت فيها الكاتبة بخيالها لتحلق في فضاء سردي خيالي خلقته من شخوص تاريخية حولت بعضها لأماكن وأماكن ومدن حولتها لشخوص، ثمة من يحلم ويتأمل  وثمة من يبصر و يكتب ليوقظ ببصيرته العالم، يكتب لتصبح كتابته أحداثا تستنطق التاريخ.

هي رواية نخبوية وتحتاج لقارئ عرف تاريخ ليبيا جيداً ليتمكن من فهم الأحداث وربط الشخصيات التي قدمتها الكاتبة في خلطة عجيبة، وحين نعلم أن الرواية تنتقد النظام السابق وممارساته واستبداده واستعباده للشعب واستغلاله لسلطاته في كل شيء، ندرك لماذا اختارت الكاتبة القالب السريالي لسردها، زايد الاصبع المبتور وصاحبه بوستة ومحظية ابنة الأمير الفارس الذي قتله بوستة واستولى على الحكم ومحظية .. محظية تبدو امرأة لكنها في الواقع تمثل مكان، وهناك صاحب العصا والمتمهل والمنفي والكاهنة دهيا ” الملكة الأمازيغية التي قال عنها المؤرخ ابن خلدون فارسة الأمازيغ التي لم يأت بمثلها زمان كانت تركب حصانا وتسعى بين القوم من الأوراس إلى طرابلس تحمل السلاح لتدافع عن أرض أجدادها”

انسقت مع أحداث الرواية بتمهل شديد، قد أصفها بالصعبة أو المعقدة ولكنني أفضل أن أقول متداخلة في مزيج بين التاريخ والسياسة والفلسفة، مما لا يسمح لك بتفويت جملة أو حتى كلمة، إنها خرق الجدران التي تضعها الفردية بين الماضي والحاضر والمستقبل، بين الرجل والمرأة، بين الواقع والحلم، إنها على وجه التحديد كتابة للحياة وحياة للكتابة، كتابة تهزم الحاجز المنيع الذي يقاوم الإعصار، لسفينة لا بدّ لها أن تغرق، ثمة خلط بين مبدأ الكتابة الآلية واستعمالها، غير أن الأديب يعرف أن هذا المبدأ باق وهو أعمق من المتوارث وأعمق من العادات المستحكمة في الأدب، وهو باق كمفتاح لحرية الفكر التي بدونها لا يبقى سوى العدم. في الظروف الأشد غمّاً والأكثر هوانا التي يمكن للكاتب أن يمرّ بها، هناك الصدفة والحظ، وهناك هذا التشابك العجيب بين الضرورة الطبيعية والضرورة الشخصية، ومكان للتقاطع بين الفضاء المادي وبين نقيضه، وفي كل هذه الأماكن يجوب الكاتب  بفكره ومشاعره، وفي بؤس الواقع هذا تظهر الحقيقة التي تغمر الكل ولا تفصل أي شيء، ليخلق نصاً سريالياً لا يشبه غيره من النصوص،  كصدفة ليست موضوعية و ذاتية وحسب، بل كصدفة يتسامى ما في داخل المرء فيها لنرى بالعين المجردة أخاديد أعماقه.

“أيها العقل المسكين، لماذا لا تلبس لنا جبة واحدة نعرفك بها فيراك عمي المتمرس في سلطة ولو وهمية، وأبو الجليلة في حياة قصر ولو في قبضة شيطان، وأبي وخالي في الشرف ولو علقا كقربة، في حين يراك بو وذن في خداع الرؤى”

هذه الرواية ذكرتني برواية “دابادا”، صرخة باحثين عن الحرية والانعتاق، وتعرية لأوضاع سريالية يعيشها العراق ولا زال، ولعل هذا التوق الهائل إلى الحرية المجيدة المشتهاة في زمن النخاسة الفكرية والخراب الداخلي واللهو المجاني، هو ما جعل الروائي يلجأ إلى تحطيم أسوار الرواية التقليدية، كما كرسها الأسلوب المحفوظي، بالإضافة إلى تجاوز اللغة العادية الشاحبة، واجتراح عنوان غير مألوف وغريب، وهو – العنوان- ليس سوى تهجي الطفل في بدايات النطق:(دا.. با.. دا..)، و تفتيت الحدث السردي، بحيث يصعب القبض على تفاصيل الرواية، التي تحتاج إلى أكثر من قراءة، وهي الرواية التي قال عنها في مراسلة خاصة مع عبد الهادي سعدون بأنها أتعبته ويريد أن يستريح.. ولا يرغب في الحديث عنها،( منقول من موقع قودريدز) ، وهي رواية متعبة حقاً، لكن سر حلاوتها، يكمن في تمنعها ودلالها.. وهو ما تشترك فيه مع رواية اغتصاب محظية.

” منظر رهيب .. الغبار والحطام والنيران فوق الأشلاء، أهتز أترنح في الفضاء المحموم المزحوم بين اليقظة والغيبوبة، لم تأت جليلة ، لم تلوح بيدها .. لاحت رائحة الفقدان قبلها، ليتها تظهر حية أم ميتة ، لم تزرني في المستشفى، تذكرت” كيف لنا أن نحلم تحت القنابل”

 زايد الاصبع المبتور الذي رماه صاحبه فتدحرج إلى الأعلى عكس قانون الجاذبية، لينبت في حوض دمائه لشجرة أصابع ثم رجل من هذه الشجرة ، خلال هذه الحالة السريالية يراقب ويحلل ويفكر ويحلم ويتخيل ويسرد لنا ويفسر ما خفي ويكشف الأسرار عن السياسة والحب والعشق والخيانة والاستعباد وأخيراً ثورة شعب على حاكمه المستبد في تنبأ للكاتبة بها.

الكاتبة أول ليبية تقود الطائرة وتحلق في الفضاء الواسع والشاسع لهذا العالم، وهي أيضا مجازة بالفلسفة ولها أعمال أدبية قبل هذه الرواية، لهذا خرجت هذه الرواية بلوحة سريالية أدبية من الزرقة للزرقة كما تصف ليبيا وجمعت شخصيات تاريخية من أزمنة متعددة واستحضرت عبرهم أحداث جبلتها على لوح خشبي تلك التي يستعملها الرسام ليخلط الألوان ويقدم لوحة غامضة، تشبه الألغاز أو لعبة البازل التي تحتاج لفك رموزها وإعادة جمعها في تشويق عظيم للقارئ الذي يحفزه هذا النوع الذي يستهلك الجزء الأكبر من معرفته وذاكرته وذكائه في التحليل والإلتقاط، أو هكذا بدا لي كقارئة وقد أكون مخطئة في تحليلي للنص.

ما دام الفكر قائما وقادرا على الانطلاق من إمكانيات نهاياتها غير محدودة سلفا، ومادام الإبداع قادر على توصيل رسالته، يبقى الأدب قادر على العطاء والتنوع.

ملاحظة أدرجها دوماً في كل مرة أقدم قراءة لكتاب قرأته “لست بناقدة ولا أمتلك أدوات النقد في تدويني لقراءاتي عن الكتب التي تحفزني للكتابة عنها، وإنما هو انطباع قارئة أود من خلاله أن أدعو القراء للإطلاع على عمل أدبي جدير بالقراءة”.

 

 

 

شـــارك الخبر علي منصات التواصل

صحيفة فــــسانيا

صحيفة أسبوعية شاملة - منبع الصحافة الحرة

شاركنا بتعليقك على الخبر :