- شعبان الطاهر
لا تبدو الأزمة الليبية اليوم مجرد خلاف سياسي أو صراع على السلطة، بقدر ما تكشف عن خلل أعمق يمس علاقتها بالزمن نفسه، فالبلاد تتحرك في المكان، لكن مسارها الزمني متوقف، وكأنها عالقة داخل حلقة مغلقة تعيد إنتاج الأحداث ذاتها بأسماء مختلفة ونتائج متشابهة، دون قدرة حقيقية على العبور إلى مرحلة جديدة.
ومن هذا الخلل الزمني تبدأ معضلة “الانتقال الدائم”، ففي الدول المستقرة، يقاس الزمن السياسي بالتراكم والإنجاز، وتتحول المراحل الانتقالية إلى جسور عبور نحو الاستقرار، أما في ليبيا فقد انقلبت المعادلة وأصبح الزمن أداة لإدارة الأزمة لا وسيلة للخروج منها،والتأجيل تحول إلى سياسة والانتظار إلى واقع مفروض، والمستقبل إلى وعد مؤجل يعاد إنتاجه في كل استحقاق.
وبطبيعة الحال، لم يبق هذا التعطل محصورا في النخب السياسية بل انعكس مباشرة على وعي المجتمع، فحين يفقد الزمن السياسي قدرته على التقدم ، يفقد المواطن ثقته في الغد، ويتحول من فاعل يسعى إلى البناء إلى فرد يكتفي التكيف والنجاة، وعند هذه النقطة يتغير السؤال المركزي من كيف نصل إلى الحل؟ إلى هل سيأتي الحل أصلا ؟.
في هذا السياق المأزوم، يبرز الحوار المهيكل الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا كمحاولة لإعادة ترتيب الزمن السياسي داخل إطار أكثر وضوحا.
فالحوار، من حيث الشكل والمضمون، يسعى إلى نقل الأزمة من حالة الارتجال و ردود الأفعال إلى مسار مؤسسي يقوم على مراحل محددة، وجداول زمنية معلنة، والتزامات متبادلة بين الأطراف المعنية.
غير أن التجربة الليبية مع المسارات الحوارية تفرض قدرا من الحذر، فالحوارات السابقة، رغم أهميتها كثيرا ما تحولت إلى محطات إضافية داخل زمن الانتقال الطويل، بسبب ضعف التنفيذ وغياب الإرادة السياسية، وهنا يبرز السؤال الجوهري هل سيتمكن الحوار المهيكل الحالي من كسر الحلقة الزمنية المغلقة؟ أم أنه سيضاف إلى سجل إدارة الوقت دون تغيير حقيقي في الواقع؟
وتزداد هذه الإشكالية تعقيدا إذا ما نظرنا إلى تعدد الأزمنة داخل المشهد الليبي، فالمواطن يعيش زمن الحاجة اليومية والقلق المعيشي، بينما يتحرك السياسي داخل زمن المناصب والمكاسب الآنية، في حين تتعامل الأطراف الدولية مع ليبيا وفق زمن المصالح والحسابات الباردة، هذا التضارب الزمني يجعل من الصعب تشكل مسار وطني موحد، ويهدد أي حوار بفقدان فاعليته إن لم ينجح في توحيد هذه الأزمنة داخل أفق واحد.
ومن منظور فلسفي وسياسي، يعد الزمن شرطا أساسيا للمعنى، فحين لا يترجم الحوار إلى نتائج ملموسة، يفقد معناه ويتحول إلى طقس متكرر بلا أثر.
لذلك، فإن نجاح الحوار المهيكل الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة مرهون بقدرته على تحويل الزمن من مساحة للمناورة إلى التزام واضح، ومن عامل تعطيل إلى أداة بناء.
وعليه، يمكن القول إن جوهر الصراع في ليبيا لم يعد محصورا في سؤال من يحكم؟، بل امتد ليشمل سؤالا أكثر عمقا: متى يبدأ المستقبل؟ فامتلاك القرار السياسي يعني، في أحد أبعاده، التحكم في توقيت الغد، وفي حق المجتمع في أفق زمني واضح لحياته السياسية والاقتصادية.
أخيرا، لا تحتاج ليبيا اليوم إلى حوار سياسي فحسب، بل إلى مسار يعيد للزمن اعتباره الطبيعي، ويضع حدا لحالة الانتقال المفتوح، فالدول لا تنهض فقط حين تتوقف الصراعات، بل حين يصبح المستقبل حاضرا في السياسات والقرارات، لا وعدا مؤجلا يتكرر مع كل أزمة جديدة.














