البقاء رحيلاً

البقاء رحيلاً

  • عبد الرحمن جماعة – طرابلس

لم يكن حمد* مخطئاً عندما فات الدكاكين، فقد كان – رحمه الله – صاحب رأي حصيف ونظر ثاقب ورؤية بعيدة، فهو يعرف أن تجاوز الدكاكين لا يعني مجرد الانتقال عبر المكان، وإنما هو تجاوزٌ للزمان أيضاً.
لم تكن الدكاكين هدفاً لحمد، والدليل أنه لم يتوقف عندها، ولم يُعرها اهتماماً.
حمد لم يختر تلك البقعة التي فتح عينيه فيها، ولم يقطع عهداً أو يعطي وعداً بأنه سيبقى فيها.

لدى حمد فلسفة عميقة، ومفهوم خاص لكلمة (وطن)، فالوطن بالنسبة لحمد هو ذلك البئر الذي تحتم عليه الأخلاق – لا غيرها – أن لا يُلقي فيه حجراً؛ بعد أن ارتوى منه، وهو تلك الشجرة التي تحتم عليه ذات الأخلاق أن لا يخرأ في ظلها؛ بعد أن استظل به، لكنه لم يجد في أي بند من بنود الأخلاق، أو في أي ركن من أركان الحياة، أو في أي ناموس من نواميس الكون ما يحتم عليه الالتصاق بذلك البئر، أو التمسمر تحت ظل تلك الشجرة!.

حمد يعرف أنه لن ينمو في بيئة قاحلة حتى وإن كان قد نبت فيها، وأن النهر لا يأسن لأنه لا يتوقف عن الرحيل، وأنه لو بقي مكانه لأسن ماؤه، ولماتت أسماكه، ولما كبرت شراغيفه، ولغادرته تماسيحه.
حمد يُدرك أن المكان الذي غادره لا يمثل أي قيمة تجبره على البقاء فيه، ولا يحمل أي معنى يمكن أن يجعله يعدل عن قرار الرحيل، فكل تلك المعاني والقيم التي لقنوه إياها هي مجرد دفاعات نفسية لإخفاء الحقيقة المفجعة الصادمة، وللبقاء.. ليس على قيد الحياة، وإنما في حياة القيد!.

حمد لم يُغادر وطنه؛ وإنما اتسعت رؤيته للوطن، ولم يفارق قبيلته؛ وإنما تغير مفهومه للقبيلة، ولم يكفر بالمكان؛ وإنما آمن باتساعه، ولم يتنكر للبادية؛ وإنما اعترف بالمدينة، ولم يكن سبب رحيله لتغيير مذاق الخبز؛ وإنما لتغيير مذاق الحياة، ولم يكن يرى أي رابط بين الخبز والألفة إلا لدى العجماوات!.

حمد لم يلتفت وراءه رغم نداء المنادي، لأنه يعرف أن العدول عن القرار يبدأ من الإلتفات، وأن النظر إلى الأمام هو أهم شروط التقدم، وأن مناديه لا يملك أي حجة لإقناعه بالبقاء حيث كان إلا وجود آبائه فيه، حتى ولو كان سبب بقاء أولاءك الآباء ليس لقيمة ذلك المكان، وإنما لأنهم لم يمتلكوا الشجاعة الكافية لاتخاذ قرار الرحيل.
حمد لم يفعل شيئاً سوى أنه غيَّر الـ”هناك” فصار “هنا”، وغيَّر الـ”هنا” فصار “هناك”، لأنه يؤمن بأنه على المرء إما أن يُصلح الـ”هنا”، وإما أن يجعله “هناك”، وبما أن إصلاح الـ”هنا” مكلف جداً، ومرهق جداً.. وغالباً ميؤس منه جداً، فإن أيسر الطرق وأسهلها هي أن تجعله “هناك”.

عاد منادي حمد إلى حيث كان، ويُمكننا أن نخمن أنه عاش ومات وفياً لبقعة لا معنى للوفاء لها، ولا يُمكن وصف ذلك (الوفاء) سوى بأنه متلازمة تصيب ذلك النوع من ذكور البشر الذين يتوافرون على عدد لا بأس به من جينات السذاجة والبلاهة!.
تلك المتلازمة التي تجعلهم يمجدون الشيء لا لشيء سوى أنهم ينتمون إليه، ويقدسون الشيء لا لشيء سوى أنهم وجدوا آباءهم عليه، ويُعظمون الشيء لا لشيء سوى أنهم لم يعرفوا غيره، ويتعلقون بالشيء لا لشيء سوى أنهم عالقون فيه!.

عاد منادي حمد ولم يذكره أو يتذكره أحد، فالناس كانوا منشغلين عن ذِكره بذكر حمد، ودفاتر التاريخ لم تحمل سوى اسم حمد، والشعر لم يتغن بغير اسم حمد، وكأن المنادي لم يُخلق إلا ليكون سبباً في بقاء حمد، ليس في تلك البقعة النائية القاحلة المجدبة – كما أراد – وإنما في صفوة الوجود، وعلى صهوة الحياة!.

————————————-
* استدعاء لقصة حمد الذي سافر مع أقاربه من ليبيا، وعندما مر بمدينة دمشق بقي فيها ورفض العودة.
فقال عنه أحد رفاقه:
ناديت يا حمـد هوووه … فات الدكاكين غادي
اللي ذاق خبز المدينة … ما عاد يـالف ابَّـادي

شـــارك الخبر علي منصات التواصل

صحيفة فــــسانيا

صحيفة أسبوعية شاملة - منبع الصحافة الحرة

شاركنا بتعليقك على الخبر :