- أ. أبوبكر بن خيلب – أستاذ القانون بجامعة سبها
تظل أزمة “الجدول الموحد للمرتبات” في ليبيا إحدى أكثر القضايا إفصاحاً عن حالة التشرذم المؤسسي والتخبط التشريعي الذي تعيشه البلاد منذ سنوات.
ففي الوقت الذي ينتظر فيه الشارع الليبي والموظف العام معالجة منصفة لتدني القوة الشرائية للدينار ومواجهة موجات التضخم المتلاحقة، تحول هذا الملف الخدمي الحساس إلى ساحة للتجاذب السياسي وإصدار القرارات المتناقضة بين الأجسام التنفيذية والتشريعية.
إن القراءة القانونية المتأملة لواقع هذا الجدول تظهر بوضوح أن المشكلة لا تكمن في شح الموارد بقدر ما تكمن في غياب المشروعية القانونية ورؤية التخطيط الإداري الشامل.
أولاً: مظاهر التخلخل القانوني والازدواجية الإدارية
النزاع على سلطة التشريع:
تبين المبادئ الدستورية المستقرة أن القوانين المالية والمنظمة للوظيفة العامة والأجور في الدولة هي اختصاص أصيل وحصري للسلطة التشريعية (مجلس النواب)، والتي يتوجب عليها إصدارها وفق دورة تشريعية سليمة ونشرها في الجريدة الرسمية لتصبح نافذة، غير أن الواقع شهد خروج قرارات وإعلانات متوازية من أجسام تنفيذية واستشارية، مما أدخل المؤسسات المالية والمصرفية في ربكة إدارية حول شرعية التنفيذ وآليات التغطية المالية.
اختزالية “توحيد الأساسي” وتجاهل الفوارق القطاعية:
وقع المشرع والجهة التنفيذية في فخ “المعالجة الجزئية”؛ إذ تم التركيز في كثير من الأطروحات على توحيد المرتب الأساسي فقط للدرجات الوظيفية، بينما تركت العلاوات والبدلات والامتيازات متباينة بشكل صارخ بين قطاع وآخر (كالتعليم، الصحة، القطاع النفطي، الهيئات القضائية والرقابية). هذا التباين أفرغ فكرة “العدالة” من مضمونها، ليجد موظفان يحملان المؤهل والدرجة والسنوات الخدمية نفسيهما فارقاً كبيراً في صافي الدخل الفعلي.
غياب الدراسات الاكتوارية والغطاء المالي:
صممت معظم القرارات بمنطق الاسترضاء الاجتماعي والسياسي المباشر، دون الاستناد إلى دراسات مالية واكتوارية دقيقة تراعي حجم الدين العام، والاستقرار النقدي، ومستويات الإنتاج النفطي، مما جعل الزيادات المعتمدة تتسبب في ضغوط تورمية تفقد الدينار قيمته بدلاً من تحسين دخل الموظف.
ثانياً: خارطة الطريق القانونية للخروج من دوامة التخبط
إن إنهاء المعاناة المترتبة على هذا الملف يتطلب الابتعاد عن المعالجات التلفيقية والالتزام بالحلول القانونية والمؤسسية التالية:
احترام التراتبية القانونية والمشروعية الدستورية:
يجب وقف التنازع الإداري وحصر الاعتماد في قانون مالي موحد يصدر رسمياً عن مجلس النواب بعد توافقات مؤسسية متكاملة، لينشر في الجريدة الرسمية ويكون ملزماً لكافة قطاعات الدولة ومصرف ليبيا المركزي دون استثناء.
إعادة هيكلة منظومة الأجور بالكامل (الأساسي + العلاوات):
تستوجب العدالة الإدارية إصدار قانون متكامل للوظيفة العامة يحدد سقفا عادلاً ومنضبطاً للبدلات والعلاوات التشجيعية والمكانية، بحيث تربط بالخطر أو الجهد الفعلي دون أن تحدث تفاوتات طبقية بين أبناء القطاع العام.
التوازن بين الإصلاح المالي والسياسة النقدية:
أي زيادة في المرتبات لا ترافقها سياسات نقدية حازمة لضبط الأسواق وتوفير السيولة وكبح التضخم ستظل مجرد “زيادة رقمية” تلتهمها أسعار السلع.
ختاماً إن قضية الجدول الموحد للمرتبات ليست مجرد مطالبات مالية، بل هي امتحان لمدى سيادة دولة القانون واستقلال مؤسساتها. ولا يمكن الوصول إلى استقرار اجتماعي حقيقي إلا بوضع حد للتضارب في القرار الإداري، والانتصار لرؤية تشريعية جامعة تعلي من قيم العدالة والمساواة بين جميع أبناء الوطن.














