تقرير : منى توكا شها
تستمر بعض سجون المنطقة الجنوبية، ومن ضمنها أوباري، في إثارة القلق على أوضاع السجناء والموقوفين، حيث كشفت متابعة المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا عن عدة حالات وفاة وانتشار الأمراض التنفسية ومنها الدرن بسبب الاكتظاظ ، و غياب الرعاية الطبية الكاملة، وتدني البنية التحتية للمؤسسات، والنقص الحاد في الإمكانيات. ومن ضمن الحالات التي تم رصدها حالة الشاب إبراهيم مبروك ذو ال 37 عامًا.
قصة إبراهيم مبروك.
يتحدث مهدي مبروك عن شقيقه إبراهيم بصوت يختلط فيه الغضب بالحسرة. يقول إن إبراهيم كان بصحة جيدة قبل دخوله السجن، ولم يكن يعاني من أمراض مزمنة. لكن داخل أسوار سجن أوباري، بدأ اسم “الدرن” يتردد في مكالماتهم الهاتفية، دون أن يفهموا في البداية حجم الخطر.
“كانوا يقولون إنه مريض درن”، يقول مهدي، موضحًا أنه كان يرسل المال بانتظام لشراء الأدوية. كان هناك شخص يتواصل معهم، يسأل عن احتياجات إبراهيم، ويأخذ ثمن العلاج. العائلة كانت تظن أن الأمور تحت السيطرة، وأن العلاج يُصرف له كما ينبغي. لكن الحقيقة، كما تكشفت لاحقًا، كانت مختلفة.
بحسب روايته، لم تكن الأسرة تُبلّغ بشكل واضح بحالته الصحية. كانوا يسمعون أنه يُنقل إلى المستشفى، ثم يُعاد إلى السجن. “كانوا يأخذونه فقط ليتنفس قليلًا ثم يعيدونه”، يقول مهدي، في إشارة إلى أن النقل – في نظره – لم يكن بهدف علاج جذري، بل إجراء مؤقت يعقبه إرجاع سريع إلى الزنزانة.

لم يخبرهم أحد بأن حالته وصلت إلى مرحلة حرجة. لم يُقَلْ لهم إن المرض قد يفتك به خلال أيام. “لو كان الدرن بهذه الخطورة، لماذا تُرك دون علاج حقيقي؟” يتساءل. يرى مهدي أن شقيقه لم يُعرض على جهة مختصة بشكل كافٍ لتحديد وضعه بدقة، ولم تُتخذ – بحسب قوله – إجراءات طبية حاسمة في الوقت المناسب.
يلقي مهدي بالمسؤولية على أكثر من جهة؛ إدارة السجن التي كانت تحتجزه، والمستشفى الذي كان يُنقل إليه، معتبرًا أن الفحوصات لم تكن كافية لمعرفة طبيعة حالته بدقة. كما يشير إلى جانب قانوني آخر يؤلمه: إبراهيم ظل محبوسًا لأكثر من عام، واقترب من عامين، مع تمديد حبسه عدة مرات دون حسم واضح لقضيته.
بعد وفاته، علمت العائلة – كما يقول – أن ثلاثة سجناء آخرين توفوا قبله في ظروف مشابهة. “أخي كان الرابع”، يضيف، مشيرًا إلى أن الضجة التي أثيرت بعد وفاته دفعت إلى تسليط الضوء على الوضع داخل السجن. بعدها، بدأت – بحسب قوله – إجراءات نقل المصابين بالدرن إلى مستشفى متخصص في سبها، وهو ما يرى أنه جاء متأخرًا بالنسبة لشقيقه.
يؤكد مهدي أن عدد المصابين داخل السجن كبير، ويقول إن عشرات السجناء يعانون من الدرن. وبينما يروي تفاصيل ما حدث، يكرر جملة واحدة: “لا أريد أن يعيش أحد ما عشناه”. بالنسبة له، القضية لم تعد شخصية فقط، بل مسألة حياة لسجناء آخرين ما زالوا ينتظرون الرعاية.
يروي نزيل سابق في مؤسسة الإصلاح والتأهيل أوباري، فضّل عدم ذكر اسمه، أن أكثر ما كان يرهقه يوميًا هو الاكتظاظ داخل الغرف.
يقول إن عدد النزلاء كان يفوق قدرة المكان على الاستيعاب، ما جعل المساحة ضيقة والحركة محدودة، وأحيانًا كان بعضهم يضطر للنوم في أماكن غير مهيأة لذلك. “كنا نعيش في مساحة لا تكفي لهذا العدد”، يقول، موضحًا أن ضيق المكان كان يضاعف الشعور بالتوتر والإجهاد.
ويضيف أن قلة النظافة كانت مشكلة مستمرة، سواء في المرافق أو داخل الغرف، مشيرًا إلى أن ضعف التهوية مع تراكم الأعداد خلق بيئة غير صحية. “لم تكن الظروف مهيأة لمنع انتشار الأمراض”، يقول، لافتًا إلى أن الخوف من العدوى كان حاضرًا بين النزلاء، خاصة مع الحديث المتكرر عن حالات إصابة بمرض الدرن داخل المؤسسة.
بحسب روايته، فإن انتشار الأمراض التنفسية كان مصدر قلق دائم، إذ أن الاكتظاظ وقلة التهوية يجعلان من الصعب احتواء أي مرض معدٍ.

ويشير إلى أن النزلاء كانوا يشعرون بأن الرعاية الصحية محدودة، وأن الوصول إلى الفحص أو العلاج لم يكن سريعًا دائمًا، ما يزيد من القلق لدى المرضى أو من تظهر عليهم الأعراض.
ويختم شهادته بالقول إن التجربة لم تكن صعبة فقط بسبب الحرمان من الحرية، بل بسبب الظروف المعيشية نفسها. “الاحتجاز عقوبة، لكن العيش في بيئة مزدحمة وغير صحية شيء آخر”، يقول، معتبرًا أن تحسين النظافة وتقليل الاكتظاظ وتوفير رعاية صحية منتظمة خطوات أساسية لضمان الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية داخل أي مؤسسة إصلاح وتأهيل.
فؤاد الطورة بين مؤسستي أوباري وسبها.
لم يكن فؤاد جبريل طورة، بحسب عائلته، يعاني من أي مرض قبل احتجازه. كان بصحة جيدة، قوي البنية، ولم يكن يشكو من علة تُذكر. لكن الرحلة التي بدأت داخل أسوار السجن، وانتهت في مستشفى سبها، غيّرت كل شيء.
يقول أحد أقاربه إن ملامح المرض بدأت تظهر عليه بعد نقله إلى مؤسسة الإصلاح والتأهيل في سبها. هناك، تدهورت حالته الصحية بشكل متسارع. “لدينا صور توثق حالته قبل السجن وبعده”، يقول قريبه، في إشارة إلى الفارق الكبير الذي أصاب جسده خلال فترة الاحتجاز.
خلال زياراته القليلة، كان فؤاد يهمس بشكواه. كان يتحدث عن أوضاع معيشية وصفها بأنها “صفر”، وعن معاملة يشعر معها بأنه غريب في بلده. كان يقول إن الإهمال ينهش جسده كما ينهش المرض، وإنه لا يتلقى العناية اللازمة رغم تدهور حالته. أخبرهم مرارًا أنه مريض، وأنه بحاجة إلى العلاج، لكن صوته ظل حبيس الجدران.
في إحدى المرات، حاول قريبه الدخول إليه لتعزيته في وفاة والدته، التي رحلت دون أن تتمكن من رؤيته. كان يأمل أن ينقله في تلك الزيارة إلى المستشفى بعد أن اشتد عليه المرض، لكن طلبه قوبل بالرفض. لم يُسمح له حتى بالدخول. “حاولت بكل الطرق، لكن لم أستطع فعل شيء”، يقول بحسرة، مستعيدًا لحظة شعر فيها أن الوقت كان ينفد.

بحسب رواية العائلة، لم يُنقل فؤاد إلى المستشفى إلا بعد أن أصبح عاجزًا عن المشي أو الأكل أو حتى الكلام.
تقول أسرته إنهم لم يُبلَّغوا رسميًا بنقله، بل علموا بالأمر لاحقًا، حين كانت حالته بين الحياة والموت. بالنسبة لهم، جاء نقله متأخرًا، بعد أن فات الأوان.
اليوم، لا يؤلمهم فقط فقدانه، بل ما يعتبرونه غيابًا للرعاية في لحظة كان يمكن إنقاذه فيها. يقول قريبه إن اسم “مؤسسة الإصلاح والتأهيل” يفترض أن يعني فرصة جديدة، لا نهاية للحياة. “السجين يُحتجز ليُصلَح ويُعاد تأهيله، لا ليُفقد حياته”، يضيف، مؤكدًا أنهم يحمّلون إدارة المؤسسة المسؤولية الكاملة عما حدث.
تقدمت العائلة بشكوى إلى جهة حقوقية، لكنهم يقولون إنهم لم يتلقوا ردًا حتى الآن. وبين انتظار العدالة ومرارة الفقد،
الرد الرسمي من إدارة مؤسسة الإصلاح والتأهيل أوباري.
في سياق متصل، أوضح المقدم محمد المنوني، مدير المؤسسة ، تفاصيل الوضع الإداري والصحي للمؤسسة منذ توليه الإدارة:
“استلمت مهامي بتاريخ 19 أكتوبر 2025، أي منذ نحو ثلاثة أشهر، والوضع الحالي داخل المؤسسة يُعتبر جيدًا جدًا مقارنة بما كان عليه سابقًا. عند استلامي الإدارة كان الوضع سيئًا جدًا جدًا، ورغم قلة الإمكانيات وانعدام الدعم الحكومي، تمكنا من تحسين الظروف قدر المستطاع. المؤسسة في الأصل مبنى مسرح شعبي جرى تحويله إلى سجن بصفة مؤقتة لمدة خمسة أو ستة أشهر، إلا أنه ظل مفتوحًا لسنوات، ما تسبب في تحديات كبيرة على مستوى البنية التحتية والخدمات. الإجراءات المعتمدة تقضي بفحص أي نزيل فور دخوله، وإخضاعه للتصوير بالأشعة وعزله لمدة أسبوع أو أسبوعين إلى حين ظهور نتائج الفحوصات، قبل دمجه مع بقية النزلاء“.
وأشار المنوني إلى أن مدينة أوباري تفتقر إلى إمكانيات متخصصة لعلاج الدرن، وأن الحالات تُحال إلى سبها لعدم توفر الإمكانيات محليًا، موضحًا أنه تواصل شخصيًا مع الجهات الصحية واستقبل قافلة طبية مشتركة من طرابلس وسبها وأوباري، قامت بفحص جميع النزلاء البالغ عددهم نحو 300 نزيل، إضافة إلى أفراد الشرطة، وتم تسجيل خمس حالات رسمية، من بينها النزيل الذي توفي.

وأكد المنوني أن الحالات المشتبه بها تم عزلها فورًا قبل صدور النتائج الرسمية، وأنها كانت تُفتح لها ملفات علاج في سبها، وأنها تتلقى العلاج وجلسات الأكسجين وفق جرعات رسمية، مع تسجيل كل الإجراءات في المصحات، مضيفًا:”النزيل المتوفى كان يتلقى الرعاية الصحية اللازمة، وهناك سجلات وتقارير وصور تثبت ذلك، وقد أرسلنا جميع المستندات إلى النيابة العامة ومكتب المحامي العام الذين باشرا التحقيق في الواقعة. الوفاة لا تعني بالضرورة وجود تقصير، فالأمراض قد تؤدي للوفاة حتى خارج السجن، والعمر بيد الله، ونحن قمنا بما علينا في ظل انعدام الإمكانيات والدعم الحكومي المباشر، وكل جهودنا كانت عبر علاقات شخصية ومناشدات للجهات الصحية“.
كما شدد المنوني على أن الإدارة ركزت على النظافة والتهوية ومنع التدخين داخل المؤسسة، وتنظيم خروج النزلاء للتعرض لأشعة الشمس، بالإضافة إلى التعاون مع الهلال الأحمر ومستشفيات ومستوصفات المنطقة لتوفير التطعيمات الدورية، داعيًا وسائل الإعلام إلى زيارة المؤسسة بعد أخذ الإذن الرسمي، للاطلاع على التغييرات، مؤكدًا أن الصور المنشورة على صفحة جهاز الشرطة القضائية فرع سبها توضح أعمال الصيانة والتحسين، معربًا عن أمله أن تُنقل “الصورة الحقيقية” للرأي العام دون تشويه.

زيارة المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان.
في 8 أكتوبر 2025، قامت المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان بزيارة تفقدية لمؤسسة الإصلاح والتأهيل أوباري، ضمن مهامها الإنسانية والرقابية، للاطلاع على أوضاع السجناء والموقوفين، وتقييم مدى الالتزام بحقوق الإنسان والمعايير الصحية والإنسانية.
وقد التقى الفريق برئيس المؤسسة وعدد من العاملين واستمع إلى شروح تفصيلية حول التحديات اليومية التي تواجه الإدارة والسجناء على حد سواء، وسجل الفريق ملاحظات عدة عن حالة الاكتظاظ الشديد داخل الغرف، وغياب الأسرّة الكافية، وضعف التهوية، وعدم توفر الرعاية الصحية، وتسجيل حالات إصابة بالدرن والجرب، إضافة إلى تردّي البنية التحتية، وسوء التغذية، وانعدام المعايير الصحية في المطبخ، والنقص الحاد في التمويل المخصص من قبل رئاسة جهاز الشرطة القضائية و وزارة العدل، وغياب برامج الرعاية الصحية والاجتماعية والنفسية وإعادة التأهيل، وتدهور بيئة الإيواء والمعيشة، وعدم وجود مرافق صحية لتقديم الرعاية الأولية، بالإضافة إلى غياب صالة ألعاب رياضية ووسائل نقل مناسبة للنزلاء، وحرمان العديد منهم من الزيارات العائلية والإجازات الدورية.
واختتم الفريق تقريره بتوصية عاجلة بضرورة نقل السجناء إلى مؤسسة إصلاح وتأهيل أخرى تتوافر فيها المعايير الإنسانية والصحية، لضمان كرامة السجناء وحقهم في الرعاية، مع إحالة التقرير إلى مكتب النائب العام و وزارة العدل وجهاز الشرطة القضائية لمتابعة الإجراءات القانونية.
الرأي الصحي.
وأعطت الدكتورة صباح أبوعلي، رأيًا صحيًا حول هذه الحوادث، مؤكدة أن:”مرض الدرن الرئوي يحتاج إلى متابعة دقيقة وعلاج مستمر، وعدم توفر الرعاية الطبية الفورية يزيد خطر الوفاة، كما أن انتقال المرضى بين مؤسسات مختلفة دون تجهيزات كافية يفاقم الحالة الصحية، ويجب أن تتوافر فرق طبية متخصصة، وأجهزة فحص وعلاج، مع عزلات مناسبة للحالات المشتبه بها، وتسجيل جميع الفحوصات والإجراءات بشكل رسمي لتقليل المخاطر“.
استنادًا إلى كل ما ورد، طالبت المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان بفتح تحقيق شامل في وفاة السجناء، وضمان مساءلة المسؤولين عن أي تقصير أو إخفاق إداري، والعمل على تحسين بيئة الإيواء، وتوفير الرعاية الصحية والغذائية، بما يضمن احترام حقوق الإنسان والحد الأدنى من المعايير الدولية لمعاملة الأشخاص المحرومين من الحرية.

تصريح المركز الوطني لمكافحة الأمراض.
وفي توضيح للوضع الصحي داخل السجن، قالت الدكتورة ناجية راشد، مدير إدارة الدرن والجذام بالمركز الوطني لمكافحة الأمراض، إن آخر زيارة ميدانية نفذتها الإدارة إلى سجن أوباري كانت خلال الفترة من 16 إلى 18 ديسمبر 2025، وذلك في إطار تنفيذ الخطة السنوية للإدارة الخاصة بإجراء المسح الدوري المنتظم داخل المؤسسات المغلقة، ومنها السجون.
وأوضحت أن هذه الزيارة لم تكن استجابة لبلاغ محدد بوجود حالات درن، بل جاءت ضمن الخطة الرقابية السنوية التي تعتمدها الإدارة لمتابعة الوضع الوبائي ورصد أي إصابات محتملة في البيئات ذات الخطورة المرتفعة.
وأضافت أن بيئة السجون تُعد من البيئات الخصبة لانتشار مرض الدرن، خاصة في ظل عوامل مثل الاكتظاظ وضعف التهوية، وهي عوامل تزيد من احتمالية انتقال العدوى بين النزلاء، مشيرة إلى أن السجناء يُصنفون ضمن الفئات ذات الاختطار العالي للإصابة بالدرن مقارنة بغيرهم.
وخلال المسح الذي أجرته الفرق الطبية، تم الكشف الصحي على 444 شخصًا داخل السجن. وبحسب نتائج الفحص، تم الاشتباه في 51 حالة، حيث أُجريت تحاليل البلغم لجميع الحالات المشتبه بها، وأسفرت النتائج المخبرية عن تسجيل خمس حالات إيجابية مصابة بالدرن الرئوي.
وأكدت راشد أن الفحوصات لم تعتمد على بيانات إدارة السجن فقط، بل شملت الكشف المباشر على جميع النزلاء وفحص المخالطين، في إطار إجراءات التقصي الوبائي المعتادة لضمان حصر الحالات المحتملة بدقة.

وأشارت كذلك إلى أنه تم رصد حالة وفاة لأحد المرضى نتيجة تأخر في التشخيص، موضحة أنه جرى أيضًا اكتشاف حالتين كانتا مصابتين سابقًا بمرض الدرن، وتمت إعادتهما إلى بروتوكول العلاج المعتمد.
وبيّنت أن الفرق الصحية قامت خلال الزيارة بتوعية القائمين على إدارة السجن بضرورة اتخاذ إجراءات العزل للحالات المصابة، ومتابعة علاج المرضى بانتظام، إضافة إلى الالتزام بالإرشادات الطبية الوقائية للحد من انتقال العدوى بين النزلاء.
كما أكدت أنه تم إعداد تقرير مفصل عن نتائج الزيارة وإحالته إلى إدارة المركز الوطني لمكافحة الأمراض لاتخاذ ما يلزم من إجراءات متابعة على المستوى المؤسسي.
وحول تقييم الوضع الصحي داخل السجن، أوضحت راشد أن مرض الدرن من الأمراض القابلة للعلاج والشفاء التام إذا التزم المريض بالخطة العلاجية، مشيرة إلى أن الوضع يمكن اعتباره تحت السيطرة طالما يلتزم المرضى بتلقي العلاج بشكل منتظم.
وأضافت أن إدارة الدرن والجذام تعتزم تنفيذ زيارات متابعة دورية، مؤكدة أن الزيارة القادمة من المخطط أن تتم منتصف شهر أبريل المقبل، وذلك للتأكد من احتواء الوضع الصحي ومتابعة الحالات المصابة ومنع انتشار المرض.
الإطار القانوني لمسؤولية الدولة عن صحة النزلاء.
وفي سياق توضيح الإطار القانوني المنظم لمسؤوليات إدارة مؤسسات الإصلاح، أوضحت الدكتورة ناجية العطراق، مدير المكتب القانوني بـالمؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا، أن التشريعات الليبية حددت بشكل صريح واجبات الإدارة تجاه النزلاء، لا سيما المرضى منهم.
وأكدت أن القانون رقم 5 لسنة 2005 بشأن مؤسسات الإصلاح والتأهيل يُلزم إدارة السجن بتوفير الرعاية الصحية داخل المؤسسة عبر طبيب مختص أو طاقم طبي مؤهل، وإجراء فحص طبي للنزيل فور دخوله مع توثيق حالته الصحية في ملف رسمي، إضافة إلى متابعة الحالات المرضية المزمنة بصورة دورية. كما يفرض القانون نقل السجين فورًا إلى مستشفى عام إذا استدعت حالته علاجًا خارج المؤسسة، مع إخطار النيابة العامة وأسرة النزيل في الحالات الخطيرة أو في حال الوفاة، وضمان عدم تعريضه لأي معاملة تمس كرامته أو تهدد صحته. وشددت على أن هذه الالتزامات ليست تنظيمية فحسب، بل تترتب عليها مسؤولية مباشرة في حال ثبوت التقصير.
وفيما يتعلق بتكييف الإهمال الطبي الذي قد يؤدي إلى وفاة السجين، أوضحت أن قانون العقوبات الليبي ينص على أن الوفاة الناتجة عن إهمال أو رعونة أو عدم احتياط تُكيّف قانونًا على أنها جريمة قتل خطأ، وهي جريمة غير عمدية قد تترتب عليها عقوبة الحبس والغرامة، وتكون العقوبة أشد إذا كان الفاعل موظفًا عامًا وأخلّ بواجبات وظيفته. وأضافت أنه إذا ثبت الامتناع المتعمد عن تقديم العلاج رغم العلم بخطورة الحالة الصحية، فقد يُعاد توصيف الواقعة إلى وصف قانوني أشد وفق ظروف كل حالة. وأشارت كذلك إلى أن المسؤولية لا تقتصر على الجانب الجنائي، بل قد تنشأ مسؤولية مدنية تترتب عليها التزامات بالتعويض.
وبيّنت أن السجين، رغم فقدانه لحريته، لا يفقد حقوقه الأساسية، وفي مقدمتها الحق في الرعاية الصحية. وأكدت أن من حق النزيل تلقي العلاج دون تمييز، والحصول على الرعاية العاجلة في الحالات الطارئة، والمتابعة الطبية الدورية، والنقل إلى مؤسسة علاجية خارج السجن إذا لزم الأمر، إلى جانب حفظ سجله الطبي بسريّة، وتمكينه من تقديم شكاوى تتعلق بحالته الصحية. وشددت على أن الرعاية الصحية داخل أماكن الاحتجاز ليست امتيازًا، بل التزام قانوني مباشر على عاتق الدولة.

وعن الخيارات القانونية المتاحة أمام أسر الضحايا، أوضحت الدكتورة ناجية العطراق أن القانون يتيح عدة مسارات، تبدأ بتقديم بلاغ إلى النيابة العامة لفتح تحقيق في ملابسات الوفاة، مع إمكانية طلب تشريح الجثمان عبر الطب الشرعي إذا وُجدت شبهة إهمال.
كما يحق لذوي المتوفى الادعاء مدنيًا أمام المحكمة الجنائية أثناء نظر الدعوى، أو رفع دعوى تعويض مستقلة أمام القضاء المدني استنادًا إلى أحكام القانون المدني الليبي، فضلًا عن المطالبة بمساءلة تأديبية للموظفين المسؤولين. وأكدت أن الجمع بين المسار الجنائي والمسار المدني جائز قانونًا.
وفيما يتعلق بمدى توافق التشريعات الليبية مع المعايير الدولية، أشارت إلى أن القوانين الوطنية تتماشى من حيث المبدأ مع المعايير المعتمدة دوليًا، وفي مقدمتها قواعد نيلسون مانديلا التي تؤكد على حق السجين في مستوى رعاية صحية مماثل لما هو متاح في المجتمع، وكذلك العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي يكفل الحق في الحياة. وأوضحت أنه إذا ثبت أن الوفاة نتجت عن إهمال طبي أو تقصير جسيم في تقديم الرعاية، فإن ذلك يُعد انتهاكًا للقانون الوطني، وإخلالًا بالتزامات الدولة الدولية، وخرقًا لمعايير حقوق الإنسان المتعلقة بحماية الأشخاص المحرومين من حريتهم.
واختتمت بالقول إن حماية صحة وحياة النزلاء مسؤولية قانونية مباشرة تقع على عاتق الدولة، وأي إهمال يؤدي إلى الوفاة يخضع للمساءلة الجنائية والمدنية، كما يشكل إخلالًا بالالتزامات الوطنية والدولية المرتبطة بالحق في الحياة والرعاية الصحية.














