الدولة والجيش في مواجهة الجماعات المسلحة أيادي اللعبة الدولية

الدولة والجيش في مواجهة الجماعات المسلحة أيادي اللعبة الدولية

بقلم :: محمد عمر غرس الله باحث ليبي – بريطانيا

لا يخفى على ذو بصيرة من خلال الأحداث في المنطقة العربية الهجوم الحاد على (الجيش والمؤسسة العسكرية) كدلالة وطنية و (قوة مركزية)، في الطريق لإستهداف كيان (الدولة)  ووحدتها وسلمها الإجتماعي، بالمقابل دعم وتعويم (الجماعات الاسلاموية بأنواعها) وتغطيتها سياسياً،  الأمر الواضح جداً في مسيرة الاحداث وتجلياتها وما يجري على الارض والنتائج التي نرى، حيث نرى هجوم وتجريم وفيتو يبدو دولي على بقاء وقيام (المؤسسة العسكرية)، إن هذا المشهد يبدو مخيفا ومثيراً، ويطرح مجموعة من الاسئلة حول، ماقصة ما يحصل “للدولة”، وللمجتمع و”للعقد الاجتماعي” في المنطقة العربية، ولماذا يستخدم (الغرب) وبعض (الدول العربية) – جهاراً نهاراً – “الجماعات الاسلاموية السياسية والمسلحة التخريبية؟ ” ويغطيها، ويمولها، وينقلها براً، وبحراً، وجواً من مكان لأخر، ويديرها في مواجهة “الدولة الوطنية” وجيشها وجهازها الأمني، ومؤسساتها الرسمية، وسلمها الأهلي و”عقدها الاجتماعي” في بعض الدول العربية، إذاً لماذا يتم إستهداف الدولة وكيف، ولأي هدف يعمل المشروع؟ ومالمراد تحقيقه؟ دعونا نرى:

يلاحظ المتابع إن الأساليب المستخدمة في ما يحصل في المنطقة العربية واضحة وبائنة في تتويه الرأي العام والسيطرة عليه عبر تحالف (المال ـ  الاعلام ـ الفتوى)، وتحريك “الجماعات الاسلاموية” بتنوعاتها (إخوان مسلمين ـ قاعدة ـ داعش ـ أنصار الشريعة ـ احرار الشام ـ مجلس شورى ثوار … الخ) التي تبدو أداة مهمة لهذه اللعبة الدولية، التي رعت وصنعت بعض هذه الجماعات ونسقت معها  منذ زمن بعيد، ومولتها وإستخدمتها للحرب في افغانستان، ثم تطورت وتشضت وانتشرت، ويتم قصداً تفريخها، وادارتها حالياً عن بعد، عبر اساليب متعددة تستفيد من قدرة (مراكز البحث) باللعب على القيم والقدرة على (إدارة الإنفعال والجماعات المتشددة) بالعمل (الإستخباراتي)، بالقيام بأعمال منسقة بين (مخابرات مجموعة من الدول الغربية والعربية، تشبه الى حد كبير “إتفاقية سفاري” منتصف سبعينيات القرن الماضي).

كما إنه من الواضح جداً، إن المستهدف بالتدمير والخلخلة هو بنية “الدولة الوطنية” لبعض الدول العربية، عن طريق ضرب (القوة المركزية) متمثلة في (المؤسسة العسكرية “الجيش والقوات المسلحة) أحد اهم عناصر بقاء ووجود (الدولة) والمحافظة على (عقدها الاجتماعي)، وهذا كان واضح جداً كمثال فيما جرى في (العراق) عن طريق (الإحتلال الامريكي البريطاني) ونتائجه التي نرى، حيث تم ويتم دعم هذه (الجماعات الارهابية)، وتغطيتها سياسياً، والاستفادة من وجودها، بل وحتى وإدارتها ودعمها سرياً بطريقة ما عبر القدرة على (ادارة الجماعات المنفلتة، والإرهابية والاسلاموية والتنسيق معها ومن خلالها) بالاسفادة من (مراكز البحث القوية ولعبة المخابرات الخبيثة)، لتحقيق هدف إستراتيجي تعمل عليه (اللعبة الدولية القذرة) بالتحالف مع (بعض الدول العربية المنخرطة في اللعبة) و (تركيا)، ضد بُنية هذه الدول العربية (ليبيا ـ سوريا ـ اليمن) ولربما مستقبلاً يستهدف دول مثل (الجزائر ـ مصر)  ودول عربية أُخرى، بالقيام بالأعمال الحربية بانواعها (الجيل الرابع من الحروب) مما يعرض هذه الدول والمجتمعات للسقوط والحرب الاهلية والفشل.

نعرف جميعاً إن الدولة في المنطقة العربية تختلف في عناصر بقاءها عن “الدولة في اوروبا”، فاللفظ هو اللفظ في اغلب اللغات يوحي بمدلول واحد في الانجليزية (The state)، وفي الفرنسية (L’etat)، وفي العربية{الدولة}، لكنه كواقع “ماصدق” يختلف الى حد ما، وهو ليس مجرد حديث عن سكان وجغرافيا وعَلَم، فالدولة الحديثة في أُوروبا مثلاً، قامت  اساساً على (الشركة والبنك) وتأسست على قيم (العمل والملكية) بما فيه المخاض التاريخ في هذا الجانب بين الاقطاع والبرجوازية الجديدة، ومن خلال ذلك طورت خصائص وجودها، صارت دول قوية متينة لها وجودها ونفوذها القائم على السطوة والانتاج والسيطرة والقدرة على التنافس بأنواعه والإنجاز المادي، والصراع وحتى الحروب والإستعمار، وأيضاً إدارة المال والتطور والعصرنة، والتحديث، لكن “الدولة” في المنطقة العربية قامت أغلبها على مخاض تصفية الاستعمار خلال وبعد الحرب العالمية الثانية، وأيضاً مكافحة الاستعمار والتحرر الوطني وعلى ذلك أسست وجودها وسرديته، وبالتالي يعتبر أهم عاملين لبقاء الدولة خاصة في حالات الخطر والحروب والأزمات الكبيرة هما:

(1)           الاعتراف الدولي:  وهو تعبير عن قيام الدولة الوطنية في المنطقة العربية عبر سايكس بيكو وتحديد حدودها وعضويتها في الامم المتحدة، الامر الذي حدث في مرحلة تصفية الاستعمار خاصة بعد الحرب العالمية الثانية، و أسس في الكثير من البلدان العربية على الكفاح الوطني من اجل الاستقلال وساندته الكثير من شعوب العالم ووقفت الى جانب هذا الكفاح خاصة فترة صعود حركات التحرر العالمي وبروز حركة عدم الانحياز، وهذا الاعتراف الدولي للاسف يمكن ان تلعب به الدول الكبرى وفق مصالحها حينما تفقد الدولة مصدر قوتها الذاتية ودخولها في حروب اهلية وتختلط فيها الفتن والتدخلات وايدي طباخين اللعبة الدولة كما نرى اليوم.

(2)  القوة المركزية (المؤسسة العسكرية): وهي القوة العسكرية التي نشاءت مع الدولة الوطنية وأصبحت قوتها المسلحة تحمي حدودها وسيادتها وأيضا وجودها، وهذه القوة المركزية نشاءت مع نشوء الدولة وأسس في الكثير من الدول العربية في فترة تصفية الاستعمار سوى سلماً في بعض البلدان او حربا في بلدان عربية اخرى، وخاضت بعض هذه الجيوش العربية حروب ومعارك وصدام مع اللعبة الدولية من أجل سيادتها (الجيش المصري 1956/1967/1973، والليبي 1969/1980/1981/2011، والعراقي 1990/2003، والسوري 2011/1973 ، والجزائري 1990) ، اليمني (1994)، بينما كانت بعض الجيوش العربية الاخرى متسقة تماما مع اللعبة الدولية وفي تنسيق معها، واخرى بين البينين كما يقال.

وبذلك فإن القوة المركزية (الجيش والمؤسسة العسكرية والقوات المسلحة) تعتبر عاملاً مهماً وحاسماً في بقاء الدولة، خاصة حينما تتعرض للاخطار الداخلية والخارجية التي تستهدف وجودها وسلمها الاهلي وعقدها الاجتماعي وسيادتها، ولهذا نرى الهجوم على (المؤسسة العسكرية الوطنية في بعض البلدان العربية) مع المشروع الذي تعمل عليه اللعبة الدولية منذ نهاية 2010 عبر الاتي:

(1) إغتيال شخصية الجيش والمؤسسة العسكرية المعنوية، ووصف الجيش بأنه جيش فلان (جيش صدام ـ قوات القذافي ـ قوات الاسد ـ قوات صالح ـ جيش السيسي …. الخ) وضرب مصداقيته، وشن الحملات عليه.

(2) شن هجمات جوية على الجيش قصفاً وتدميراً كما تم في (العراق وليبيا)، وايضا إلى حدا ما في (اليمن).

(3) تسليط الجماعات الاسلاموية على (الجيش كقوة المركزية) عبر سيل من الفتاوي، وصنع توصيفات (طاغوت) وتكفير المؤسسة العسكرية وشن حملات إغتيال وقتل واصطياد لضباط الجيش ومراتبه العليا وجنوده، مثلما يحصل في (ليبيا ـ سوريا ـ اليمن) وايضا الى حدا ما في (مصر ـ الجزائر) ولربما يحدث هذا لجيوش دول عربية اخرى مستقبلاً.

(4) الاستفادة من العصبيات القبلية، وصناعة (مجالس عسكرية قبلية ومناطقة) تقوم على العصبية الضيقة، تؤدي بالوظيفية إلى عرقلة قيام مؤسسة عسكرية وطنية واحدة.

(5) عرقلة قيام الجيش ومنع تسليحه وتجهيزه، ورفض قيامه عبر المنظمات الدولية والمبعوثيين الدوليين، مثلما حصل في العراق ويحصل اليوم في ليبيا.

(6)  محاولات صناعة جيش بالجماعات الاسلاموية، وتعويمها تحت مبرر (دمج الثوار) في الجيش (دروع ـ حرس وطني ـ لجان امنية ـ حرس رئاسي … الخ)،

(7) إيصال الدعم والذخائر لهذه الجماعات عبر البر والجو والبحر وتسهيل حصولها على ذلك، وشرعنتها تحت مبرر دعم (الثوار) و (مجالس شورى الثوار) واطلاق أسماء دينية عليها (أحرار الشام،ـ مجلس شورى الثوار،  انصار الشريعة …. الخ)، وبالتالي تقويتها، وجعلها قوة معتبرة على الارض في مواجهة المؤسسة العسكرية.

(8)  صناعة دائرة من المواقف السياسية والعملياتية الدولية والاقليمية، وإدارتها عبر ادارة عمليات عارفة، وقوية، وموزعة بين مجموعة عناصر محلية وعربية ودولية، هدفها ضرب القوة المركزية (الجيش) وعرقلة ومنع قيامها بأي شكل من الاشكال.

وبذلك حينما يتحقق للعبة الدولية منع قيام وبقاء ونهوض (الجيش والمؤسسة العسكرية) وتصبح بنية الدولة ووجودها، مرهون بعامل اللعبة الدولية (الإعتراف الدولي)، الأمر الواضح جداً في  (العراق ـ سوريا ـ ليبيا ـ اليمن) بإستخدام أساليب متعددة بالتوازي مع ما تقوم به (الجماعات الاسلاموية) على الارض، وإطالة أمد الأزمة عن طريق التدخلات الخارجية بانواعها (مبعوث دولي ـ تدخلات الدول المباشرة) وتعقيدها وتمطيطها عبر مجموعة من الاجراءت وقيادتها بمتاهة التدخلات الاجنبية الخارجية عبر استخدام لعبة (مسرح العرائس) بتقسيم (القوى المحلية المتصارعة السياسية والقبلية والمناطقية) بين الأطراف الدولية (كل طرف يتعامل مع مجموعة) (شد وجذب) وربط هذه القوى باللعبة الدولية دون أن تدري، وبالتالي قيادة الواقع والتأثير فيه بشكل او أخر، وزيادة تسخينه وتازيمه وتتويهه، واللعب على عناصره وعصبياته وسذاجته، وفق برنامج وخطط لتحقيق واقع جديد يستفيد من (العصبيات القبلية، والمناطقية، والمذهبية) التي يتم تصعيدها قصداً ومنحها أُكسجين سياسي، لتنمو وتظهر وتتمظهر، وتبرز (الوظيفية السياسية)، ويصبح لها وجود يصور على انه واقع لا يمكن تجاوزه، ولا بد من مراعاته، وهكذا يتم تعمية الراي العام عن الاهداف البعيد للمشروع، لتحقيق هذا الهدف البعيد الذي يصعب على العامة وقت الازمات فهمه، وإستيعاب لعبته، حيث يتم  إدارة الأحداث وتوجيهها بذكاء، وأيضاً إبقاء البلاد ضعيفة مرهون للجماعات الاسلاموية المسلحة وسيطرتها، وبالتالي تبقى الدولة وبنيتها مرهون في يد (الإعتراف الدولي) الذي عبر (اللعبة الدولية) يدخل البلاد في أتون صراع متعدد ومتداخل ومتقاطع، وتتوه الاطراف السياسية ويتم دفعها نحو متاهة سجالات، وحوارات، هنا وهناك، يصورها الحل الوحيد والممكن، ويقفز تدريجياً عليها ويصنع أشكال جديدة لها  تكرس (تقسيم الواقع) وتعمق النفق المظلم، وبذلك يقع الوطن في متاهة اللعبة التي لا تنتهي عبر خطوط متوازية سياسية داخلية وعربية ودولية لصناعة واقع جديد وخطوط دم جديدة، وصناعة وضع جديد يسمى (الأمر الواقع) والذي تالياً يتم تثميره وفق (ما يريد المخطط والمشروع) وهو صناعة خرائط جديدة للمنطقة، تعطي واقع وشكل جديد للبلاد من (تقسيم) وتبعية للخارج او تمظهر سياسي مرتهن بالكامل لهذه اللعبة يستنزف خيرات البلاد وينهبها ويحيلها فقراً وخراباً وفشلاً، وفيما بعد خرائط جديدة.

إن كل الدلائل تقول إن ما يجري يستهدف ضرب وتخريب وتدمير (وحدة ووجود) دول  ومجتمعات عربية ـ معينة ـ وهو مشروع يدار عبر منهجية عارفة ومخطط لها، ويؤكد ذلك مسيرة الاحداث وما نراه، وهو ايضا ما سربته (نيويورك تايمز 2014) وتحدث به (برنارد لويس)، ووزير خارجية فرنسا الاسبق (دوماس) وما يطلق عليه اليوم (سايكس بيكو الجديدة)، وايضا ما قاله (مايكل هايدن)، الرئيس السابق لوكالة الاستخبارات الأمريكية أو ما يُعرف بـ”CIA بأن 4 دول عربية لن تعود كما كانت  العراق وسوريا، ولبنان وليبيا، وكذلك ما أسماه مؤخراً رئيس الوزراء القطري السابق (الطبخة) و (الصيدة) في ليبيا وسوريا.

وبذلك من خلال ما نرى  إن أحد اتجاهات وعناصر الهجوم الذي تتعرض له بعض البلدان العربية هو التركيز بشكل محموم ضد بقاء (الجيش والمؤسسة العسكرية) او قيامه او تسليحه، بل ونرى محاولات للسيطرة عليه، وتغيير عقيدته الوطنية وتقسيمه، لأن (القوة المركزية المؤسسة العسكرية) افضل للأوطان من (الجماعات الاسلاموية المسلحة والتشكيلات المسلحة) بأنواعها، والمؤسسة العسكرية هي التي تمكن البلاد من السيطرة على مواردها، وسيادتها، ومرافقها الحيوية، ومداخلها، وحدودها، ومطاراتها، وموانيها، وهو ما  لا تريده اللعبة الدولية وتعمل على تخريبه لتنجز ما تخطط له من مشروع جديد للمنطقة، إن أي شعب في العالم يريد الحفاظ على وجوده وكيان دولته لايمكن له أن يرهن مستقبله ووجوده باللعبة الدولية ومصالح الدول الاخرى، وطباخيها السياسيين،  إن القوى الوطنية في المنطقة العربية مدعوة اليوم لعدم التسليم (للجماعات المسلحة والاسلاموية اداة اللعبة الدولية) وعليها عدم الركون للعصبيات (القبلية والمناطقية) الضيقة التي تخدم بجهلها اللعبة، وهذه القوة الوطنية مدعوة اليوم أيضا للوعي بحقيقة المعركة واسبابها وادواتها، وايضا طرق عملها، وعليها ايضاً ان تدعم جيشها الوطني و(مؤسستها العسكرية) وتسنده وتعظده، ولا تقبل بوجود مليشيات موازية له، وعلى  الجميع إدراك أهداف، وطرق عمل، وأدوات اللعبة الدولية، التي نرى في كل البلدان العربية فلا أحد  يعتقد انه بمنأ عما يحدث.

والله من وراء القصد

 

شـــارك الخبر علي منصات التواصل

صحيفة فــــسانيا

صحيفة أسبوعية شاملة - منبع الصحافة الحرة

شاركنا بتعليقك على الخبر :