الحسن ولد بوسيف
في أقصى الجنوب، حيث تلتهم الرمال آخر بقايا النخيل وتجف عروق الأرض قبل أن تجف عروق الناس، قررنا أن نخرج من جحيم الشمس إلى حيث تغرب. لم تكن وجهتنا مجرد خريطة، بل كانت “أمغرب”؛ سيراً خلف قرص الشمس حين يتدحرج نحو الأفق البارد، وكأننا نطارد روحنا الهاربة في اتّجاه الموت اليومي للضوء.
خرجنا من بيوت الطين المتهالكة، تاركين خلفنا قبائل تتقاتل على بئر ماء، وأسواقاً خاوية لا يتبادل فيها الناس إلا أصوات الرصاص. كنا نجوب الصحراء أياماً، وخطانا تغوص في الرمل كأن الأرض تبتلعنا، وأعيننا لا تبحث عن طريق، بل عن نقطة في الأفق حيث تذوب الحرارة وتتحول إلى برد ينذر بالغربة.
“أمغرب” كانت كلمات يهمس بها الكبار، ليست اتجاهاً بقدر ما هي طقس من طقوس الموت والبعث. كلما اتجهنا غرباً، أحسسنا بأن شمسنا القديمة تغرب إلى الأبد، وأن ظلالنا التي كانت تمتد أمامنا في الجنوب الحار، صارت تطاردنا من الخلف كأشباح لا نريد أن نراها. غربت لغتنا قليلاً، وغربت ملامحنا أكثر، وغربت ضحكات الأطفال حين تحولت إلى بكاء خافت تحت وطأة حقائب الظهر الثقيلة.
عبرنا الحدود الأولى على أقدامنا، وكأننا نعبر بوابة الزمن إلى عصر مختلف. كنا مجموعة من الظلال الصامتة، كلٌ يحمل في جعبته قبضة من تراب الجنوب، وصورة باهتة لأمٍ تلوح من بعيد، ورغيف خبز يابس يُقسّم كالغنيمة. في الطريق، كنا نمر على مخيمات مترامية، أناسٌ مثلنا غربت شمسهم المبكرة، وباتوا معلقين بين سماء الشمال التي لا ترحم، ورمال الجنوب التي لا تعود.
في إحدى الليالي، وأنا أنظر إلى النجوم المتغيرة التي لم تعد تشبه نجوم طفولتي، أدركت أن “الرحيل أمغرب” ليس بحثاً عن الفردوس المفقود. إنه هروب من جحيم واعٍ إلى جحيم آخر قد يكون أكثر برودة، لكنه يمنحك فرصة التنفس. الغرب هنا ليس أوروبا أو ضفة البحر فحسب، بل هو حالة روحية؛ أن تمشي عكس شروقك الطبيعي، أن تغرب عن أهلك وأرضك وقبيلة آبائك، كي تشرق من جديد في مكان لا يعرف اسمك.
وصلنا أخيراً إلى الشاطئ الشمالي. وقفت على حافة الماء البارد أنظر إلى الأفق حيث تغرب الشمس هناك، في قلب “أمغرب”. كانت أمواج البحر المتوسط تأخذ تراب الجنوب من بين أصابعي، وتحملها نحو المجهول. بكيت، ليس فرحاً بالوصول، بل لأنني أدركت أن “أمغرب” قد تحققت؛ لقد غربت شمس الوطن من قلبي قبل أن تغرب من سمائه، وصار الغرب الذي سكنته ليس اتجاهاً على البوصلة، بل هو أن تغترب عن نفسك، وأن تبيع ظلك القديم كي تشتري وهجاً جديداً وهمياً على الضفة الأخرى.
رحلنا أمغرب، ندفع أثماناً لا تراها الجمارك ولا تفهمها التأشيرات. دفعنا أغلى ما نملك: ذاكرةً جنوبيةً لا تشبه برد الشمال، وأسماءً كنا نرددها في الصلاة، وحلم العودة الذي يغرب كل صباح مع شمس لا تشبه شمسنا. لكننا بقينا نركض خلف الغروب، نؤمن أن الدنيا لا تتسع إلا لمن يهجر جحيمها، حتى لو كان مصيره أن يتوه في وهج الغرب إلى الأبد.
أمغرب… كلمة حملت معناها المجازي في كل خطوة؛ حيث يغرب الأمل ليشرق سراب، وتغرب الذات لتولد ذاتٌ أخرى في المنفى، لا تعرف إن كانت سترى شروقاً آخر، أم أنها ستظل إلى الأبد مسافرة نحو حيث لا شمس تشرق، ولا وطن ينتظر.














