محمود السوكني_______
قبل أن تتأكل الذاكرة الهرمة ، ويذهب خريف العمر بتفاصيل احداثه ، دعوني اسرد بعض وقائعه التي احتفظ بها وأبدأ
بعلاقتي بالكتابة التي لم تكن وليدة اللحظة ، بل إنها تمتد الى أكثر من سبعة عقود ، إذ نشرت لي أول محاولة في صحيفة طرابلس الغرب الغراء وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة عام 1967 مسيحي ، وكانت تلك الفترة أزهى فترات الصحافة الوطنية التي حفلت بصحف شتى ، علمتنا الثورة قبل أن تندلع ، كما أنها سمحت لنا بمقابلة أو معايشة مجموعة من الرموز الشامخة للإعلام المحلي الذين نفتقد حرفيتهم هذه الأيام ونشتاق الى أيامهم المتخمة بالعبر والنصائح التي تفيض عن خبرة ودراية وتجربة طويلة لا يستهان بها .
تلك البدايات ، وما حفلت به من مواقف مبهجة وذكريات عطرة ، كانت دافعا لامتهان هذا العمل الشاق وركوب هذا الدرب الوعر الذي حفزني على الالتحاق بالعمل في المؤسسة العامة للصحافة منذ إنشاءها عام 1972 مسيحي ، والانضواء تحت رايتها محررا ثم مشرفا مسئولا على صحيفة الرأي ، الى أن قررت الانتقال للعمل في وزارة الخارجية آنذاك وتحديدا في إدارة الإعلام الخارجي ، لا حبا في الإدارة ، ولكن رغبة في الانتقال للعمل في إحدى السفارات في الخارج !!
و.. قد كان الأمر كذلك ، إذ صدر قرار بنقلي للعمل ملحقأ صحفيا في سفارتنا ببلغراد (يوغسلافيا) عام 1975 على ما اذكر.
من هنا انتهت علاقتي بالكتابة الصحفية بحكم الانتقال الى خارج الوطن ، ولم اعد مهتما بهذا الشأن ،ولا أوليه أي عناية تذكر بإستثناء متابعتي للمطبوعات العربية والأجنبية .
بعد عدة انتقالات وتنقلات ، كان من الطبيعى أن أعود الى ارض الوطن وأمارس الوظيفة العامة التي كان من بينها تكليفي بمراقبة صحف البلديات (!!) بقرار من أمين شؤون الصحافة المحلية آنذاك الأستاذ عبداللطيف بوكر ، ورغم ذلك لم أجدد علاقتي بالكتابة الصحفية ، ولا فكرت في العدو إليها ، ولا أجد تفسيرا لذلك !
الذي حدث حقيقة ، أن الأستاذ الصديق أحمد الحريري وقد كان يكتب زاوية إسبوعية في صحيفة الشط التي كانت تصدر عن مايسمى بشعبية طرابلس الح علي اكثر من مرة أن أكتب مشاركا في تلك الصحيفة ، وإذعانا لذلك الطلب ، واحتراما لذلك الإلحاح ، كتبت موضوع عن الفرق بين ديمقراطية الغرب وديمقراطية السلطة الشعبية وكنت اعتقد في قراره نفسي أنه سيلقي به جانبا ، ولن يعود لسؤالي عن الكتابة ، الغريب أن المقال نشر بالكامل مع الطلب المُلح بكتابة زاوية إسبوعية ، اخترت لها اسم زاويتي التي كنت أحررها قديما في صحيفة الفجر الجديد تحت مسمی (( نبضات على الإيقاع )) .
لا أخفيكم الحقيقة، فلقد استهواني الأمر وطفقت أكتب واكتب وارتقب صدور كل عدد وكأنني في بداياتي الأولى، وكأنني لم أعانق الحرف قبل عقود من الزمن ! في ذات الخضم ووسط هذه الهوجة فوجئت بالأستاذ عبد الحكيم القبائلي وكان وقتها مديرا لتحرير مجلة المؤتمر التي تصدر عن المركز العالمي لدراسات وأبحاث الكتاب الأخضر يلح في استكتابي ، ويطالبني بمقال ينشر في عددها المميز المزمع إصداره !
تأخرت في تلبية الطلب لأمر في نفسي ، فلقد كنت اطمح في أن يأتي الطلب من رئيس تحريرها أخي وصديقي الأستاذ محمود البوسيفي باعتبار العلاقة التي تربطني به رغم حداثتها ، وبحكم المكانة المميزة التي أكنها له ، ومع ذلك تعمدت أن أفاتحه في الأمر، وأستشيره فيما يرى أن أكتب عنه ، ولقد كان كريما معي إذ أشار علي بكتابة ذكرياتي الصحفية ، بل وقام باختيار عنوانا للمقال الذي كتبته ووسمه بغلاف العدد الذي صدر فيه .
و.. عندما بدأ التفكير في إصدار صحيفة “أويا ” و بإلحاح من الصديق والزميل ( علي شعيب ) الذي كان مقررا أن يكون رئيسا لتحريرها ، وإلحاح الصديقين ( جمال الزائدي ) و (سعيد المزوغي ) فيما بعد بالمشاركة في كتابة إحدى زواياها ، استشرت الصديق الصدوق (محمود البوسيفي ) رئيس التحرير عن الجانب الذي يرى أنني أهل للكتابة فيه ، فنصحني بالكتابة في المحليات ، وكان الأمر كذلك.
صدرت “أويا” فتية شابه ، مفعمة بالبهجة والحبور ، تضم مجموعة من الأقلام المخضرمة ذات الثقل في عالم الصحافة ، ومعها بعض الوجوه الشابة المتقدة حيوية وحماسة ورغبة في صنع غد مشرق لصحافة الغد، الصحافة التي تتبنى شعار (الحقيقة للجميع )، وكنت بین الفئتين أحاول أن أكون رقما له قيمة عبر زاوية( إضاءة ) التي حرصت على كتابتها يوميا رغم تعدد سفرياتي.
في هذه الزاوية ، نشرت ما كنت مقتنعا به وتركت لنفسي العنان تسرح أينما تشاء دون حسيب أو رقيب ، وأشهد أنني لم أتعرض الى أي حذف أو إقصاء أو إلغاء لأي حرف كتبته باستثناء الأخطاء المطبعية التي نعاني منها جميعا ، وقد يكون من الوفاء أن أشهد بكفاءة المصححين الذين تناوبوا على مراجعة خربشاتي وتصحيح ما اعتراها من وهن وضعف بحيث ظهرت على النحو الذي ترونه .
كتبت كثيرا ، وصرخت أكثر ، وتعمدت أن أعارض هذا ، وأناکف ذلك ، وتجاوزت كل المسافات ، وتخطيت كل الحواجز حتى وصل بي الأمر إلى معارضة كبار القوم ومخالفتهم فيما يصدر عنهم ، ولم أجد من يعارضني ولا وجدت من يرد علي ، وكنت في كل يوم مضطرا للاتصال بزوجتي أكثر من مرة لأثبت لها ، أنني في مكتبي ، وأتمتع بحريتي ، ولم يعترضني أحد!!
لا أقول هذا تبجحاً ، ولست أدّعي بطولات وهمية فكل ماذكرته آنفاً موثق ومحفوظ ويمكن الرجوع إليه لمن شاء .
ماذا يعني كل هذا ؟!
هذا يعني ببساطة شديدة أن ما يكتب لا يلتفت إليه ، أو انه لا يحظى باهتمام احد ، ولا أعني بذلك انه يجب أن يتم اعتقال كل من يعارض حتى نثبت اهتمام دائرة الفعل بنا ، ولكنني أعني أن الكتابة التي نعتقد في أهمية ما تطرحه لا تجد صدى يذكر ، وهو ما يعني ببساطة شديدة أننا نمارس عادة ( الهُبَل ) في حديقة ( هايد بارك) التي يسمح فيها بالتنديد والاستنكار والشتم دون أن يغير ذلك من الأمر شيء !!
إذا كان الأمر كذلك، وهو كذلك فعلا، فما الذي يجبرنا على صياح الديك الذي لا يأتي بالفجر ؟!














