بية خويطر
امتلأت الساحات بالمتظاهرين الرافضين لتوطين المهاجرين في ليبيا وارتفعت اللافتات التي تؤكد أن البلاد ليست وطنا بديلا لأحد وأن السيادة الوطنية خط أحمر لا يجوز المساس به. وهو موقف مفهوم ومشروع فكل دولة من حقها أن تحمي حدودها وتحافظ على هويتها وترفض أي قرارات تمس مستقبلها وتركيبتها السكانية.
لكن بعيدا عن الشعارات والهتافات يبرز سؤال أكثر أهمية هل التوطين قضية حقيقية قائمة بالفعل؟ أم أنها تحولت إلى هاجس تم تضخيمه حتى أصبح يتصدر المشهد على حساب القضايا التي أنهكت الليبيين لسنوات؟
الحقيقة التي يعرفها كل من تابع ملف الهجرة أن ليبيا ليست الوجهة النهائية لغالبية المهاجرين الأفارقة بل محطة عبور نحو أوروبا. هؤلاء لم يقطعوا آلاف الكيلومترات عبر الصحارى والمخاطر للوصول إلى ليبيا باعتبارها وطن الأحلام بل باعتبارها الطريق الأقرب إلى الضفة الأخرى من المتوسط ، وحتى من استقر منهم مؤقتا داخل المدن الليبية فإن وجوده غالبا مرتبط بالعمل وجمع المال بانتظار فرصة العبور، لا بحثا عن جنسية أو استقرار دائم.
ورغم ذلك تحولت قضية التوطين إلى عنوان يومي يتكرر في وسائل الإعلام والمنصات السياسية وصفحات التواصل الاجتماعي حتى ترسخ في أذهان كثير من المواطنين باعتباره الخطر الأكبر الذي يهدد البلاد في حين تراجعت إلى الخلف قضايا أكثر إلحاحا وأشد تأثيرا على حياة الليبيين.
أين كانت هذه الحشود عندما وقف المواطن ساعات طويلة أمام المصارف بحثا عن سيولة؟ وأين كانت عندما شهدت مدن كاملة أزمات وقود متكررة رغم أن ليبيا من أكبر الدول النفطية؟ وأين كانت عندما تراجعت الخدمات الصحية والتعليمية، وازدادت البطالة، وارتفعت الأسعار، وتآكلت القدرة الشرائية للمواطن؟
السؤال الأكثر إيلاما أين كانت هذه الأصوات عندما فقدت ليبيا خلال أيام عيد الأضحى أربعة شباب في مقتبل العمر نتيجة مناوشات مسلحة بين جهتين متنازعتين؟
أربعة شبان رحلوا في لحظات كان يفترض أن تكون أيام فرح وأمان وصلة رحم ، أربع أسر استقبلت العيد بالحزن بدل التهاني ، ومع ذلك لم نشهد موجة غضب عارمة ولم نر ساحات تمتلئ باللافتات التي تقول لا للفوضى أو لا للسلاح المنفلت أو نعم لدولة تحمي أبناءها.
المفارقة المؤلمة أن الليبي أصبح قادرا على الغضب من قضايا يخشى حدوثها مستقبلا لكنه لم يعد يغضب بالقدر نفسه من أزمات يعيشها يوميا ويدفع ثمنها من أمنه وماله ومستقبله.
لا أحد ينكر أن ملف الهجرة غير النظامية يمثل تحديا أمنيا واقتصاديا واجتماعيا يحتاج إلى إدارة حقيقية وسياسات واضحة لكن تحويله إلى أصل كل الأزمات الليبية هو تبسيط مخل للواقع وهروب من مواجهة الأسباب الحقيقية لما وصلت إليه البلاد.
فالمهاجر لم يكن سبب انهيار الخدمات ولم يكن سبب الفساد المستشري ولم يكن مسؤولا عن الانقسام السياسي أو الفوضى الأمنية أو إهدار المليارات.
هذه أزمات صنعتها سنوات من سوء الإدارة والصراع على السلطة وغياب الدولة.
لقد نجح البعض في زرع قضية التوطين في وعي المواطن البسيط باعتبارها الخطر الأعظم بينما اعتاد المواطن شيئا فشيئا على أزمات أكثر خطورة. اعتاد انقطاع الكهرباء ونقص السيولة وتراجع الخدمات وسقوط الضحايا في الاشتباكات حتى أصبحت أخبار الموت والفوضى تمر أحيانا كأنها تفاصيل عادية في نشرات الأخبار.
السيادة الوطنية لا تعني فقط رفض التوطين بل تعني أيضا أن يشعر المواطن بالأمان داخل وطنه. والكرامة الوطنية لا تقتصر على حماية الحدود بل تشمل حماية الإنسان الليبي من الفقر والخوف والحرمان. والوطن لا يضيع فقط عندما تفتح حدوده بل يضيع أيضا عندما تتآكل مؤسساته وتضيع حقوق مواطنيه وتصبح دماؤهم خبرا عابرا.
ليس المطلوب أن يتوقف الليبيون عن الدفاع عن سيادة بلادهم بل المطلوب ألا يسمحوا لأحد بأن يسرق أولوياتهم فالوطن الذي نرفض أن يكون وطنا بديلا للآخرين يجب أولا أن يكون وطنا حقيقيا لأبنائه.
وعندما يخرج الليبيون بالمستوى نفسه من الغضب للمطالبة بالأمن والعدالة والخدمات ومحاسبة الفاسدين ووقف نزيف الدم، عندها فقط سنعرف أن الشارع الليبي وضع إصبعه على الجرح الحقيقي لا على الجرح الذي اختار الآخرون أن يشغلوه به.














