- سنية مدوري
كانت جدتي لأمي رحمها الله تختزل كل ما يمكن أن تعرفه وسمعته من حكايات عن الساحرة التي تركب عصا المكنسة. أنفها طويل ومعقوف وظهرها محدب وشعرات حُمر تطل من وراء غطاء رأسها المزركش. كنا أنا وأخوتي نقطع مسافة طويلة لنصل إليها على ضفاف وادي مجردة في منحدر وما إن ترانا حتى تسرع إلى أول شجرة كاليبتوس وتحضر عصا خضراء طويلة لترحب بنا على طريقتها. ما إن نصل إليها حتى تزمجر والشرر يتطاير من عينيها “ماذا تفعلون هنا؟” كنا نعود أدراجنا بمرارة في الحلق لكننا بين الفينة والأخرى نعيد الكرة ولا يعترينا اليأس أبدا، علّ المشعوذة الشريرة تتحول إلى ملاك وديع.
من النادر جدا أن تقبل بنا جدّتي وعلى مضض بشفاعة خالتي الصغرى التي تقول لها: :دعيهم يساعدوننا في الحفر لنجمع الحلزون ونبيعه” وتسلمنا أنا وأخي وأختي الكبيرين كل واحد فينا مسحاة وتتصارع أجسادنا الصغيرة مع تلك الآلة الكبيرة التي تنقر الأرض بحثا عن الحلزون النائم. وتتحول جدّتي في الأثناء إلى حارس مرمى تتنقل بيننا وتشجعنا وتبث فينا موجات إيجابية مشوبة بشحنات “تطميع” قائلة: “من يجمع أكثر سأعطيه حبّة تين” وكنت لا تسمع إلا نقر المسحاة على الأرض الجدباء ولا ترى سوى سحابة الغبار الكثيفة التي تعلو رؤوسنا الصغيرة وتمتزج بعرق أجسادنا. وبعد ساعات من التنقيب على كنوز “البابوش” نسمع صوتا ينادي “بابوش، باااابوش” وتتوقف الدراجة النارية من صنف 103 أمامنا وينزل الرجل الميزان الذي كان يشده بحبل وراءه فتهبّ جدّتي مرحّبة به:
ــ زارتنا البركة ولدي حوسين، شنحوالك وأحوال عايلتك؟
وكانت عيناها الحادتين لا تفارق كفتي الميزان مخافة الغش. وكان هو بأيادي مرتعشة متعوّدة على الغش وبصوته الأخنّ يجيبها بابتسامة متصنّعة.
ـــ” الحمدلله خالتي فاطمة، كلهم يسلموا عليك.. ثمّاش طرف كسرة ولبن؟ جيعان…”
ـــ إي إي ثمّا كل خير“
وفي الأثناء تتمّ عمليّة البيع وتأخذ جدّتي منه المال مقابل كمية الحلازين التي قضينا نصف يوم في جمعها.
كنا نتبع جدّتي وذلك الرجل الذي يظلّ يجرّ دراجته مجاريا جدّتي في خطواتها فهي بعد قليل ستصل وتسقيه شربة لبن تبلّ الريق.
في القيلولة تنام جدّتي فنسمع شخيرها تحت شجرة الكاليبتوس أمام المنزل وفي يدها عصا ترفعها من حين لآخر تخويفا لنا وللذباب ولكل من يحاول ــ ولا أحد يجرؤ طبعا ــــ أن يقضّ مضجعها. كنا حينها نتسلّل إلى حديقة المنزل الخلفية ونقترب رويدا رويدا من شجرة التين القصيرة والمتشابكة والتي ما إن تدخل تحتها حتى لا يراك أحد فكلّ أغصانها تلامس الأرض.
كانت جدّتي تغلّف كلّ حبّات التين بورق بلاستيكيّ حتّى لا تأكل منها العصافير. وكي لا يصيب النمل منها وليمة، كانت تدهن جذع كلّ شجرة مثمرة بشحم محرّك السيارات الذي تجلبه من معدّات ضيعة فلاحية مجاورة لنا. وما إن تقترب أيادينا المرتبكة من حبات التين حتّى تلسع مؤخراتنا الصغيرة ضربات عصا جدّتي وهي تزمجر:
ــــ ” برّوا روحوا، الوباء والفناء، كبابيل …”
كنّا نعود أدراجنا منهكين ومترعين بخيبة أمل. بوجوه شاحبة ومتسخة بغبار الأرض تسبقنا دموعنا.
كانت تلك أول مصافحة لي مع نظام الرأسماليّة….














