- محمد منير
في المساحة التي تتراجع فيها الحدود بين الفنون، يولد هذا المشروع . في تلك المنطقة الرمادية الجميلة، حيث لا تعود الكلمة نصًا خالصًا، ولا الصورة شكلًا صامتًا، بل يتحولان معًا إلى لغة ثالثة، أكثر رحابة وصدقًا. من هنا يأتي حبر وفرش، بوصفه دعوة مفتوحة لاكتشاف تجارب إبداعية اختارت أن تعيش التخوم، وأن تمارس الفن بوصفه رؤية شاملة لا تتجزأ. لسنا هنا أمام ترفٍ فني أو ازدواجٍ شكلي، بل أمام حاجة داخلية لدى المبدع لأن يعبّر بأكثر من وسيلة، لأن بعض الأفكار لا تكتفي باللغة وحدها، وبعض الصور تطالب بنصٍ يرافقها أو يسبقها أو يعارضها. في مشروع حبر وفرش نقترب من مبدعين وجدوا أنفسهم موزعين بين الحبر والفرشاة، بين الجملة واللون، بين لقطة فوتوغرافية وبياض الصفحة، فاختاروا ألا يضحّوا بأيٍّ منهما. حبر وفرش ليس بورتريهًا عابرًا، ولا حوارًا تقليديًا، بل محاولة للإصغاء العميق لتجربة مركّبة، تُصاغ فيها الرؤية الجمالية عبر مسارين متوازيين: مسار الكتابة بما تحمله من تأمل وتحليل وسرد وشعر، ومسار الفن البصري بما يتيحه من اختزال، وصمت، ودهشة، وصدمة بصرية. هنا، لا تكون الكتابة شرحًا للعمل الفني، ولا يكون العمل الفني مجرّد توضيح للنص، بل يقف كلٌّ منهما على قدم المساواة، في حوار متكافئ، أحيانًا متناغم وأحيانًا متوتر، لكنه دائمًا حيّ. في كل عدد، نستضيف مبدعًا يرى العالم بعينين: عين تقرأ وتكتب، وعين ترى وتشكّل. نسأله عن بداياته، وعن اللحظة التي شعر فيها أن أداة واحدة لم تعد كافية. عن الخيط الخفي الذي يربط بين نصوصه وأعماله البصرية، وعن الأسئلة التي تلاحقه وهو ينتقل من الصفحة إلى اللوحة، أو من العدسة إلى الجملة. نمنحه المساحة ليحكي بلغته، لا ليقدّم سيرة منجزة، بل ليكشف عن المسار، عن الشك، عن التجريب، عن الفشل بوصفه جزءًا من التكوين. حبر وفرش أيضًا محاولة لإعادة التفكير في مفهوم “التخصص” الصارم، الذي كثيرًا ما يُفرض على المبدعين. فالتجارب التي نحتفي بها هنا تؤكد أن الحساسية الفنية واحدة، حتى وإن تعددت أدواتها، وأن الإبداع الحقيقي لا يُقاس بنقاء النوع، بل بعمق الرؤية وصدق التجربة. فكم من لوحة كُتبت قبل أن تُرسم، وكم من نص وُلد من صورة، وكم من صورة التقطت لأنها كانت تبحث عن جملة. حبر وفرش مساحة للتماس، وللأسئلة المفتوحة، وللإشارات الخفيفة التي قد لا تجد مكانها في الأقسام التقليدية. هو ركن يحتفي بالبطء، وبالتأمل، وبالتجارب التي لا تسعى إلى التصنيف بقدر ما تسعى إلى الاكتمال. هنا نقرأ الفن، ونرى الكتابة، ونترك للقارئ حرية أن يتنقل بينهما، أن يختار مدخله الخاص، وأن يشاركنا دهشة الاكتشاف. في زمن تتسارع فيه الصور وتُستهلك الكلمات، نحاول في مشروع حبر وفرش أن نعيد الاعتبار للتجربة العميقة، للتقاطع الخلّاق بين الحقول، وللمبدع الذي لا يخشى أن يكون متعدّدًا. حبر وفرش ليس وعدًا بالإجابات، بل اقتراحًا للنظر، ودعوة لمرافقة رحلة إبداعية تُكتب وتُرسم وتُلتقط، في آنٍ واحد.














