حفاوة بالغة

حفاوة بالغة

بقلم :: عبد الرحمن جماعة

كنت مدعواً من قبل شقيق العريس، الذي استقلني بحفاوة بالغة، ثم زجَّ بي في خيمة المعازيم، وتبخر عني كقطعة ثلج في صيف سبها!. اضطربت رجلاي وأنا أتوغل في الخيمة ببطء الأعمى الذي تخلى عنه صاحبه أو ساحبه، على رأي الأعشى!.
انتهى بي التسلل إلى مكانٍ شاغرٍ قرب (كبانية) يتحدثون جميعاً في نفس الوقت! شدَّ انتباهي مهارتهم في الحديث والاستماع، في نفس الوقت، وبنفس الأذن والفم! يتوسط الحلقة رجل سبعيني لا يزال يحتفظ بعافيته، وبسنه الذهب التي نسيها في فمه منذ أن كانت سن الذهب موضة، تكفي لإغواء كل بنات ذلك الجيل! الحاج معتوق – عرفت اسمه فيما بعد – يقابله في الحلقة سالم سائق الشاحنة , سالم هذا؛ رجل (عظرطي) = عُتُل، مساحته الإجمالية 6×6، أما مسقوف عقله فيبدو أنها لا يتجاوز حبة القسطل!سالم كان يصطنع التلميح، حينما تحدث عن السعادة الزوجية.. يقول بالحرف الواحد: “السعادة الزوجية هي أن يتضايق منك جارك التحتاني في العمارة”.. وفي وقتٍ آخر تحدث بإسهاب عن رحلاته بالشاحنة، التي يغيب فيها شهراً أو شهرين عن بيته وزوجته! حاولت جاهداً أن ألملم تناقضه، وأصنع منه شيئاً قريباً من المنطق.. دون جدوى! .. الحاج معتوق بيده مروحة ينشُّ بها الذباب، أو يهش بها على وجه أحدهم ليُسكته، أو يهمزه بها ليسترعي انتباهه.. الحاج معتوق بسنه الذهب التي كادت أن تلمع لولا بقايا المضغة التي انتزعت بريقها.. يتحدث بملء فيه عن مناقب ومفاخر أجداده، ثم يقول: يمكنني أن أعد لكم أربعة عشر جداً من جدودي! وهنا يقاطعه شابٌ حدث: (على غلطة من وحدة من العزايز)!!قالها، وهرب.. بعد أن أخطأته جلدة بعصا مروحة السعف !! القاسم المشترك بين كل (كبانيات) الخيمة هو العناد، يمكنك أن تُدرك ذلك بكل يسر؛ من الأصوات المرتفعة، والأيمان المتطايرة! الأصوات في الخارج أيضاً مرتفعة.. صوت باب شاحنة الثلاجة يُفتح ويُغلق كل بضع دقائق! أحدهم يصرخ: (انزل يا فرخ وانت تعفّس ع اللحم).. وهنا نويتُ الاضراب عن أكل اللحم.. كل الأوامر كانت تصدر بالصراخ، وكأنهم في ثكنة!
.. وفي هذه الأثناء يقف أحدهم عند باب الخيمة ليتلوا علينا بياناً.. البيان كان قصيراً جداً.. كلمتان خفيفتان ظريفتان: (أربعة أربعة)!.
ظننت للوهلة الأولى أنها نتيجة لمباراة، لكنني سرعان ما عرفت! كل ما أخشاه أن يُشاركني سالم سوّاق الطانطة في نفس الحلقة.. ليس كُرهاً لشخصه الغليظ.. ولكن بسبب أظافره المبطنة بالسواد!. ولكن للأسف.. حدث ما كنت أخشاه، وضاع ما كنت أتمناه.. فسالم (ما غيره)، بشحمه وشحمه، معي في نفس الحلقة، وعلى نفس القصعة! القصعة مغطاة بغطائها، ومربوطة بنايلون.. تدحنس سالم ليفتضَّ غطاء النايلون بأصابعه الغليظة؛ المدربة أصلاً على فتح البراغي، وانتزاع (الكبرطوني) من على ظهر (الديسكو)، وليس على التعامل مع الليِّن من الأشياء! أثناء ذلك.. كنتُ ادعو الله من كل قلبي، وبكل جوارحي، أن لا يكون الغداء بازيناً.. لأنه لو كان كذلك – لا قدر الله – فإن تراجعي عن أكله سيقدح في رجولتي، فالانسحاب من أكل البازين عند الليبيين؛ كالتولي يوم الزحف.. لأن أكل البازين في ليبيا من علامات الرجولة.. مع العلم أن النساء تأكله.. أيضاً!!. الحمد لله، الغداء كسكسي.. قام سالم ببرم القصعة بكل خفة وكأنه لاعب روليت محترف.. برمت القصعة برمتها، ولم تتوقف إلا واللحمة الكبيرة تشير إليه، وتتجه ناحيته! وهنا ابتسم الحاج معتوق ابتسامة خبيثة حتى بدت سنه الذهب أكثر من ذي قبل، فعرفت أنها ليست بمقاس سنه، أو أن سنه نمت حتى انحسر عنها الغلاف الذهبي! سالم يأكل بشراهة رجلين، وكأنَّ له بلعومين، ويتحدث بلسانين، وكأن فمه ليس وحدانياً كأفواهنا!. أكلتُ ملعقتين، استغرقتُ وقتاً طويلاً في مضغهما وابتلاعهما، وأنا أتخيل ذلك الصبي في ثلاجة الشاحنة واقدامه (تتزلفط) فوق اللحم، الذي نضج في طبيخ الكسكسي، والذي هو بين أيدينا، وفي أفواهنا، الآن.. وفي هذه اللحظة بالذات!!. بعد الملعقتين وضعت الملعقة لأهرب.. فأمسك بي الحاج معتوق قائلاً: (علي الطلاق مانك نايضها)!.
قلت له: لحظة يا حاج سأحضر دوائي من السيارة، لا بد أن آخذه قبل الأكل..ومنها…


ولد عم صاحب البوطي

شـــارك الخبر علي منصات التواصل

صحيفة فــــسانيا

صحيفة أسبوعية شاملة - منبع الصحافة الحرة

شاركنا بتعليقك على الخبر :