سهام ابراهيم
لا شك أن ملف اعتصام المعلمين من الملفات التي تستحق اهتماماً واسعاً، ليس فقط لأنه يتعلق بحقوق شريحة كبيرة من العاملين في قطاع التعليم، بل لأنه يرتبط باستقرار العملية التعليمية، وينعكس أثره على الطلاب وأولياء الأمور والمجتمع بأكمله.
فالمعلم ليس مجرد موظف يؤدي وظيفة، بل هو أحد الأعمدة الأساسية التي يقوم عليها المجتمع، ومن الطبيعي أن تكون له مطالب وحقوق يسعى إلى تحقيقها، وأن يجد من يستمع إليه ويتعامل مع مطالبه بجدية ومسؤولية. كما أن المطالبة بالحقوق والتعبير عن المواقف يظلان أمرين مشروعين متى ما جرى التعامل معهما في إطار من المسؤولية والاحترام المتبادل.
لكن ما يلفت الانتباه في هذا الملف هو أن النقاش لم يعد مقتصراً على المطالب وأوجه معالجتها، بل اتسعت دائرته لتشمل تداول معلومات وتأويلات وشائعات بدأت تأخذ منحى آخر، يمتد تأثيره إلى صورة وزارة التربية والتعليم، والجهود المبذولة لمعالجة الملفات المتعلقة بالمعلمين، ومستوى الثقة بين المؤسسة والعاملين فيها.
وهنا تبرز أهمية التمييز بين المعلومة الموثقة والاجتهاد الشخصي، وبين النقد الموضوعي والخبر غير المؤكد. فليس كل ما يتم تداوله عبر منصات التواصل الاجتماعي حقيقة، وليس كل تفسير للإجراءات أو القرارات يعكس بالضرورة مضمونها أو أهدافها.
والأكثر أهمية أن الشائعات في القضايا الحساسة لا تقف عند حدود تداول معلومة غير دقيقة، بل قد تؤثر في مواقف الناس وقراراتهم، وتخلق حالة من القلق والارتباك، وتوسع دائرة الخلاف في وقت تكون فيه الحاجة أكبر إلى الحوار وتبادل المعلومات الصحيحة.
ومن المؤسف أن تتحول قضية المطالبة بالحقوق، وهي قضية يفترض أن تجمع الجميع حول هدف الإنصاف، إلى مساحة تتداخل فيها الانطباعات والاتهامات والمعلومات غير المكتملة، بما قد ينعكس سلباً على المعلمين أنفسهم وعلى مسار معالجة مطالبهم.
فحقوق المعلمين ينبغي أن تكون محل حماية واهتمام، لا أن تصبح عرضة للالتباس نتيجة معلومات غير دقيقة أو نقاشات تبتعد عن جوهر المطالب.
وفي هذا السياق، من الإنصاف أيضاً النظر إلى جهود وزارة التربية والتعليم وما تقوم به من متابعة وتنسيق وإجراءات في الملفات المرتبطة بالمعلمين، وكذلك متابعة معالي وزير التربية والتعليم لهذه الملفات، بعيداً عن الأحكام المسبقة أو التقييمات التي لا تستند إلى معلومات مكتملة.
وفي المقابل، فإن إبراز جهود الوزارة لا يعني إعفاءها من مسؤولياتها، أو إغلاق باب النقد والمساءلة، بل يعني وضع ما تقوم به في سياقه الصحيح، والتمييز بين ما يدخل ضمن اختصاصاتها وما يتطلب تدخلاً من جهات أخرى.
وهذه نقطة جوهرية يغفل عنها أحياناً بعض المتابعين؛ فملف حقوق المعلمين لا تملك مفاتيح معالجته وزارة التربية والتعليم وحدها. إذ تتداخل فيه اختصاصات مؤسسات وجهات متعددة، من بينها الحكومة، ووزارة المالية، والجهات التشريعية، ومجلس النواب، والجهات المختصة بالخدمة المدنية، وغيرها من الجهات ذات العلاقة، بحسب طبيعة كل مطلب والإجراء المطلوب بشأنه.
فبعض المطالب يرتبط بالمتابعة والتنفيذ داخل الوزارة، وبعضها الآخر يتطلب اعتمادات مالية أو قرارات حكومية أو تعديلات تشريعية وإجراءات تتجاوز حدود الاختصاص المباشر للوزارة.
ومن هنا، فإن تحميل وزارة التربية والتعليم وحدها كامل مسؤولية هذا الملف لا يقدم صورة متكاملة عن طبيعة الاختصاصات وتوزيع المسؤوليات داخل الدولة. فالوزارة جزء من منظومة مؤسسية، وليست الجهة التي تملك القرار المنفرد في جميع المسائل المالية والتشريعية والإدارية المرتبطة بحقوق المعلمين.
وهذا التوضيح لا ينتقص من مسؤولية الوزارة، وإنما يضعها في إطارها الصحيح، ويؤكد ضرورة أن تتحمل كل جهة مسؤوليتها، وأن تكون هناك رؤية مشتركة لمعالجة المطالب، بدلاً من اختزال القضية في جهة واحدة.
أما الجانب الذي يستحق اهتماماً أكبر، فهو أثر ما يجري على استقرار المجتمع.
فعندما يتعلق الأمر بالمعلمين، فإننا نتحدث عن شريحة واسعة لها امتداد داخل كل أسرة تقريباً، وما يحدث في هذا القطاع لا يبقى محصوراً في حدود المؤسسات التعليمية. فالطالب يتأثر، وولي الأمر يتابع بقلق، والأسرة تتأثر، والمجتمع بأكمله ينتظر ما ستؤول إليه الأمور.
ولذلك، فإن انتشار الشائعات وتضارب المعلومات في ملف بهذا الحجم قد يؤدي إلى إضعاف الثقة، وزيادة حالة التوتر، وتعميق الفجوة بين المعلمين والجهات المسؤولة، فضلاً عن إثارة المخاوف بشأن انتظام الدراسة ومستقبل العملية التعليمية.
إن استقرار المجتمع لا يعني غياب الاختلاف، ولا يعني أن يتنازل أصحاب المطالب عن حقوقهم، بل يعني أن تكون هناك قدرة على إدارة الاختلاف دون الإضرار بالمصالح العامة، وأن تظل لغة الحوار والحقائق هي المرجعية الأساسية.
ومن هنا، فإن المسؤولية لا تقع على طرف واحد؛ فالوزارة مطالبة بتوضيح إجراءاتها ومتابعة الملفات التي تدخل ضمن اختصاصها، والحكومة والجهات المختصة مطالبة بالتعامل مع المسائل التي تتجاوز صلاحيات الوزارة، والمعلمون مطالبون بالتحقق من المعلومات قبل تداولها، كما أن النقابات ووسائل الإعلام تتحمل مسؤولية نقل المطالب والوقائع بدقة وموضوعية.
ولا بد كذلك من وجود تواصل مؤسسي واضح، يقدم للرأي العام معلومات منتظمة حول ما تم إنجازه، وما لا يزال قيد الدراسة أو المعالجة، والجهات المعنية بكل إجراء، حتى لا تترك مساحة واسعة للتأويل والتفسيرات المتباينة.
إن المرحلة الحالية تحتاج إلى قدر أكبر من الوعي والمسؤولية، وإلى خطاب لا ينحاز على حساب الحقيقة، ولا يضع المعلم في مواجهة مؤسسته، ولا يجعل المؤسسة في مواجهة العاملين فيها.
فالمعلم والوزارة ليسا طرفين متعارضين في جوهر القضية؛ فكلاهما معني باستقرار التعليم وتحسين أوضاعه، وإن اختلفت المواقع والمسؤوليات ووجهات النظر.
وفي النهاية، لا ينبغي أن تكون القضية انتصار طرف على آخر، ولا أن تتحول المطالبة بالحقوق إلى مصدر للتوتر المجتمعي، أو أن يصبح الدفاع عن المؤسسات سبباً لتجاهل مطالب العاملين فيها.
إنصاف المعلم مسؤولية وطنية مشتركة، وتعزيز الثقة بالمؤسسات مسؤولية لا تقل أهمية، ومعالجة الملفات العالقة تتطلب وضوحاً في المعلومات، وتحديداً للاختصاصات، وتعاوناً بين جميع الجهات المعنية.
فالحقوق لا تُصان بالشائعات، والمؤسسات لا تكتسب ثقة المجتمع بالشعارات، وإنما بالعمل والشفافية والإنصاف.
ولعل ما نحتاج إليه اليوم أكثر من أي وقت مضى هو أن نختلف دون أن نتخاصم، وأن نطالب بحقوقنا دون أن نفقد ثقتنا في الحوار، وأن نحافظ على مكانة المعلم والمؤسسة التعليمية معاً؛ لأن الخاسر الأكبر من استمرار التوتر لن يكون طرفاً بعينه، بل قد تكون العملية التعليمية ومستقبل أبنائنا.
سهام ابراهيم
مهتمة بقضايا التعليم














