حين يتحول “المنشور” لـ”جريمة”… قراءة في تطبيقات القضاء الجنائي والتشريعات الليبية لمواجهة الجرائم الرقمية والابتزاز الإلكتروني

حين يتحول “المنشور” لـ”جريمة”… قراءة في تطبيقات القضاء الجنائي والتشريعات الليبية لمواجهة الجرائم الرقمية والابتزاز الإلكتروني

  • ​أ. أبو بكر خميس بن خيلب

​لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية مجرد مساحات افتراضية للتعبير الحُر أو التفاعل الاجتماعي، بل أضحت في كثير من الأحيان ساحة تعج بالتجاوزات التي تطال حرمة الحياة الخاصة وكرامة الأفراد. فالمنشور العابر، أو الرسالة المباشرة، أو الصور الملتقطة دون إذن، قد تتحول في لحظة من سلوك شاشات عريض إلى واقعة جنائية مكتملة الأركان تستوجب العقاب الرادع. وفي هذا السياق، شهدت المنظومة القضائية والتشريعية في ليبيا تطوراً ملموساً يهدف إلى ضبط هذا الفضاء، لاسيما مع صدور القانون رقم (5) لسنة 2022م بشأن مكافحة الجرائم الإلكترونية، والعمل المستمر للمحاكم على إنفاذ المبادئ الجنائية المستقرة لحماية حريات الأفراد وخصوصياتهم.

​إن تتبع التطبيقات القضائية والتشريعية في هذا الشأن يكشف عن إرساء مجموعة من الضوابط والمبادئ التي تحكم الجريمة الإلكترونية، ومن أبرزها:

​أقر القضاء الجنائي اتساع مفهوم الكتابة والمحررات ليشمل كافة الرسائل الإلكترونية، والمنشورات، والتسجيلات المتبادلة عبر تطبيقات التواصل؛ إذ تُكيّف باعتبارها أدلة إثبات قائمة متى نسبت للفاعل بصورة قطعية.

​يستقر الاجتهاد على أن القصد الجنائي في جرائم التهديد والابتزاز وانتهاك الخصوصية هو قصد عام يكفي فيه العلم والإرادة؛ أي إدراك الجاني لما تحمله عباراته أو وسائطه من إيذاء ونشر، مع رغبته في إيقاع الرعب في نفس المجني عليه لحمله على الإذعان أو التشهير به.

​تفرق التشريعات والقضاء الليبي بوضوح بين حرية الرأي والتعبير والنشر المكفولة دستورياً وقانونياً، وبين جرائم الابتزاز والانتهاك الرقمي؛ فلا مجال للاعتصام بصفة صحفية أو حرية نقد عندما ينطوي الفعل على تهديد بإفشاء أمور خادشة بالحياء أو مساس بالخصوصية.

​يظل النقد محكوماً بالصلة بالصالح العام وبحدود المشروعية، بينما تشكل الإساءة الشخصية أو التعرض لحرمة المسكن والحياة الخاصة عبر المنصات الرقمية قذفاً وجريمة إلكترونية مستقلة.

​لا يكتفي القضاء بتوقيع العقوبات المقيدة للحرية أو الغرامات المالية، بل يلزم بفرض تدابير تكميلية تشمل مصادرة الأجهزة المستخدمة، وإغلاق الحسابات، ومحو الصور والمواد المتحصلة عن الجريمة، باعتبار ذلك إجراء يقتضيه النظام العام لرفع الضرر المستمر عن المجني عليه.

​تُعتبر التحريات والتقارير الفنية الصادرة عن الجهات المختصة بتقنية المعلومات والتوثيق قرائن معززة ترفد عقيدة القاضي وتتكامل مع أدلة الدعوى الجنائية.

​تتجه الرسالة القضائية والتشريعية في ليبيا اليوم بشكل جازم نحو التأكيد على أن المساحات الافتراضية ليست بمعزل عن سيادة القانون، وأن “المنشور” ليس مجرد كلمات على شاشة، بل أثر يتوجب على صاحبه تحمل تبعاته القانونية كاملة متى تجاوز حدود القانون وأعراض الآخرين.

شـــارك الخبر علي منصات التواصل

صحيفة فــــسانيا

صحيفة أسبوعية شاملة - منبع الصحافة الحرة

شاركنا بتعليقك على الخبر :