رفوف الموت: الأدوية منتهية الصلاحية تهدّد صحة الليبيين

رفوف الموت: الأدوية منتهية الصلاحية تهدّد صحة الليبيين

تحقيق/ سلمى مسعود/ زهرة موسى

 في ليبيا، لم يعد شراء الدواء رحلة قصيرة تنتهي بالشفاء، بل صار مغامرة محفوفة بالقلق. يدخل المواطن إلى الصيدلية وهو يحمل أمله في زجاجة صغيرة أو شريط أقراص، لكنه يخرج أحيانًا بعبوة فقدت صلاحيتها منذ أشهر، أو دواء تغيّر لونه وقوامه حتى بات أقرب إلى السمّ منه إلى العلاج.

تتكرر الحكايات من بيت إلى آخر، أمّ تكتشف أن شراب الحمى لطفلها لم يعد صالحًا، مريض مزمن يتناول دواءً لا يخفف آلامه؛ لأنه فقد فعاليته، وطالب جامعي يقف في طابور طويل ليشتري أرخص ما يجد، غير آبهٍ بتاريخ الانتهاء، لأن البديل غائب أو مكلف. هذه القصص ليست استثناءات، بل مشهد يومي يعيشه الناس بين رفوف الصيدليات، حيث يختلط الدواء السليم بالمنتهي، ويظل المواطن الحلقة الأضعف في معادلة لا ترحم.

الدواء الذي يفترض أن يمنح الحياة والطمأنينة صار مصدر خوف، بعدما تحوّلت ظاهرة الأدوية منتهية الصلاحية من مجرد حالات فردية إلى أزمة وطنية تطال مختلف المدن. إنها أزمة تُغذّيها ثغرات الرقابة، وجشع بعض التجار، وتراخي مؤسسات لم تستطع بعد أن تحمي حق المواطن الأساسي في علاج آمن. وما بين غياب المنظومة التي تتولى إتلاف المخزون القديم، وضغوط الأزمة الاقتصادية التي تدفع الناس إلى قبول الأرخص ولو كان بلا فاعلية، يبقى السؤال الأكبر معلقًا: كم من دواء انتهت صلاحيته ما زال يتداول في الأسواق؟ وكم جسد بريء سيدفع الثمن؟

المتضرّرون من الأدوية منتهية الصلاحية.

أم موسى، حين تَتكلّم العبوة قبل الطبيب.

حدث أني اشتريت دواءً لطفلي من إحدى الصيدليات، وبعد عودتي إلى المنزل اكتشفت أنه منتهي الصلاحية ، بحيث كان من المفترض أن يكون قوامه ثقيلا و لكنه بدأ أخف و لونه متغير، وهذا دليل على أن الرقابة غير كافية“.

تبدأ الحكاية بلحظة أمّ تبحث عن علاج سريع لطفلها. بدا كلّ شيء اعتياديًا عند الشراء؛ فاتورة، اسم دواء مألوف، وتعليمات واضحة على الملصق. لكن الاختبار الحقيقي كان في البيت: فتحت العبوة، فلاحظت أن القوام “أخفّ” من المعتاد وأن اللون “متغيِّر”. تلك العلامتان البسيطتان دفعتاها للنظر إلى تاريخ الصلاحية، لتكتشف الحقيقة الصادمة.

بالنسبة لأم موسى، لم يكن الأمر خطأً فرديًا فحسب؛ كان جرس إنذار عن ثغرةٍ في سلسلة رقابة يُفترض أن تمنع وصول عبوةٍ منتهية إلى يد أي أمّ، خصوصًا حين يتعلق الأمر بأدوية الأطفال. ما شعرت به في تلك اللحظة—قلق، غضب، وارتباك—هو بالضبط ما يشعر به كلّ من يقف فجأة بين حاجته للعلاج وخشيته من ضرره.

تكشف قصتها هشاشة حلقة “ما بعد الرفّ”: حيث قد تتراكم بعض العبوات قليلة الحركة دون تدقيق دوريّ كافٍ، أو تُترك إجراءات السحب والإتلاف معلّقة. رسالة القصة: أبسط التفاصيل البصرية (القوام/اللون) يمكن أن تُنقذ مريضًا، لكن الأصل أن تمنعنا الرقابة المتواصلة من الوصول إلى هذه اللحظة أصلًا.

خالد محمد، رفوفٌ قديمة، ومفاجآت بعد الشراء.

في بعض الصيدليات الصغيرة نجد أدوية قديمة معروضة، وعندما يشتريها المواطن يكتشف لاحقاً أنها منتهية الصلاحية“.

يرسم خالد محمد صورة نمطٍ يتكرّر في بعض الصيدليات الصغيرة، حركة بيع محدودة، نظام جرد يدوي أو غير مُفعَّل، وعبوات تبقى على الرفوف فترةً أطول مما ينبغي. النتيجة المتوقّعة! يكتشف المواطن تاريخ الانتهاء بعد الشراء، لا قبله.

هذه التجربة تُظهر كيف تتحوّل “ثغرات التنظيم اليومية” إلى خطرٍ صحّي مباشر. فغياب مراجعة تواريخ الصلاحية على فتراتٍ ثابتة، وعدم تمييز الراكد، يعني أن عبوةً واحدة يمكن أن تفلت من أي تدقيق. رسالة القصة، لا يكفي أن تُباع الأدوية في مكان يحمل اسم “صيدلية”، ما لم تكن هناك نُظم إنذار وجرد دوريّ، فإن ثقة المريض قد تنكسر عند أول عبوة.

فاطمة علي، الوجه الآخر للسوق: ثقة مشروطة.

أشتري الأدوية لأولادي باستمرار، ولم أصادف يوماً أن الدواء منتهي الصلاحية. أرى أن الصيادلة لديهم وعي كافٍ بهذا الأمر“.

تقدّم فاطمة علي المشهد المقابل، تجربة استهلاكية إيجابية تُشير إلى وجود جزرٍ من الانضباط المهني؛ صيدليات تتحقّق، تُنبه عند اقتراب الانتهاء، وتُراعي قواعد التخزين. شهادتها تذكيرٌ بأنّ في السوق من يعمل بشكل صحيح، وأن وعيًا مهنيًا حاضرًا لدى كثير من الصيادلة.

لكن هذه الثقة—على قوّتها—تظل مشروطة باستمرار الالتزام. فالمعيار ليس أن “لا نصادف” حالة، بل أن تمنعها المنظومة على نطاقٍ وطني. رسالة القصة، هناك ما يُبنى عليه—وعيٌ وممارسات جيدة—لكن التباين بين صيدلية وأخرى لا يزال فجوةً يجب أن تسدّها الإجراءات الموحدة والرقابة الدورية.

يوسف إبراهيم، ليس كلّ فاسدٍ “منتهيًا”.

أحياناً يخلط الناس بين الدواء المخزن بطريقة سيئة وبين الدواء منتهي الصلاحية، فليس كل دواء يبدو تالفاً يعني أنه مُنتهٍ“.

تلتقط شهادة يوسف نقطةً غالبًا ما تُهمل، التمييز بين “منتهي الصلاحية” و“المخزَّن/المنقول بشكل سيء”. فالدواء قد يُفقد فاعليته أو يتغيّر شكله بسبب الحرارة أو الضوء أو الرطوبة، حتى لو كان تاريخ الانتهاء ما يزال بعيدًا، خاصةً في الأشكال السائلة والمنتجات الحسّاسة للحرارة.

أهمية هذه الملاحظة أنها تُوسّع زاوية النظر من التاريخ المطبوع على العبوة إلى سلسلة الجودة كاملة، نقلٌ مبرّد عندما يلزم، تخزين بدرجات محدّدة، ومراقبة الظروف داخل الصيدلية والمخزن. رسالة القصة، العَين المجرّدة قد تُنبّه، لكن الذي يحمي فعليًا هو التزامٌ صارم بالمعايير في كل حلقة من سلسلة الإمداد.

قصص أم موسى التي اكتشفت الدواء المنتهي بين يدي طفلها، وخالد محمد الذي وجد رفوفًا قديمة تكشف الحقيقة بعد الشراء، وفاطمة علي التي ما زالت تمنح ثقتها للصيادلة، ويوسف إبراهيم الذي فرّق بين سوء التخزين والانتهاء الفعلي؛ كلّها تكشف عن صورة متباينة لواقع الدواء في ليبيا.

لكن هذه الشهادات ليست إلا جزءًا من المشهد. فقد روت غدير من سرت أنها تفاجأت حين رأت إحدى الصيدليات تبيع أدوية منتهية الصلاحية علنًا، معتبرة ذلك صدمة لا تُغتفر. وأكدت عائشة من طرابلس، وهي طالبة جامعية، أن الصحة في ليبيا تحوّلت إلى “تجارة بلا رقابة”، وأن المواطن بات الحلقة الأضعف في معادلة الدواء. بينما شددت ناشطة من مدينة أوباري على أنّ المعاناة من نقص الأدوية في المستشفى العام لسنوات طويلة كانت مأساة بحد ذاتها، لكن الصدمة الكبرى جاءت هذا العام 2025، حين اكتُشف أن هناك مخازن مليئة بأدوية منتهية منذ عام 2022، في الوقت الذي كان فيه المواطنون يعانون من أزمة خانقة في منظومة الدواء.

تقول الناشطة: “هذه كارثة مزدوجة؛ فبقاء الأدوية المنتهية دون إعدام يضرّ المواطن بمجرد وجودها، فما بالك إن تسلّلت إلى الأسواق أو استُخدمت في وَصفات المرضى؟”

طرابلس، تحذير وسحب دواء مزيف (نوفمبر/تشرين الثاني 2024).

في أواخر عام 2024، أصدرت وزارة الصحة بحكومة الوحدة الوطنية تعميمًا عاجلًا بسحب دواء مزيف يحمل اسم ROVILAC بعد رصد تداوله في بعض الصيدليات والمرافق الطبية داخل العاصمة طرابلس ومناطق أخرى.

جاء التحذير مصحوبًا بإنذار واضح لكل الصيدليات والشركات الموردة بأن تداول الدواء المزيّف يعرّضها للمساءلة القانونية. واعتُبر هذا التعميم الرسمي أحد أهم الإجراءات الرقابية في تلك الفترة، لأنه سلط الضوء على سهولة تسرب أصناف مغشوشة أو منتهية الصلاحية إلى السوق الوطنية، حتى في العاصمة التي تُفترض أنها أكثر خضوعًا للرقابة.

مصراتة، ضبط شحنة أدوية منتهية (فبراير/شباط 2025).

في 19 فبراير 2025، أعلن مركز جمرك الميناء البحري بمصراتة عن ضبط شحنة ضخمة من الأدوية البشرية منتهية الصلاحية داخل مخزن تابع لإحدى شركات الأدوية العاملة في المدينة.

اللافت أن هذه الشحنة كانت قد حصلت سابقًا على إذن إفراج مؤقت، وخرجت من الميناء تحت إشراف الجمارك، لكن عند الاستكمال النهائي لإجراءات الإفراج الدائم، كشفت الفحوص المخبرية أن جزءًا كبيرًا من الأصناف منتهي الصلاحية.

باشرت الجمارك حينها إجراءات الإتلاف، وأحالت الملف للنيابة العامة للتحقيق مع الشركة المستوردة، ما أعاد طرح تساؤلات حول كفاءة آلية الإفراج المؤقت، وضرورة تشديد الفحص قبل السماح بدخول أي دواء إلى الأسواق.

سبها، ضبطيات متكررة ومخالفات صحية (2024–2025).

واصل مركز الرقابة على الأغذية والأدوية في سبها خلال عامي 2024 و2025، تنفيذ جولات تفتيشية داخل المرافق الصحية والصيدليات.

في مطلع 2024، أعلن المركز عن ضبط أدوية منتهية الصلاحية داخل بعض العيادات الخاصة، إضافة إلى مخالفات في أساليب التخزين.

في 2025، تفاقمت المشكلة مع استمرار تراكم الأدوية الراكدة والمنتهية داخل مخازن المدينة. وأكّد مسؤولو المركز أن غياب محرقة للإتلاف ومختبر محلّي للتحليل يجعل الأدوية المضبوطة تبقى مخزنة “إلى إشعار آخر”، ما يضاعف خطر تسربها للأسواق.

كما أُحيلت عدة ملفات صيدليات مخالفة إلى النيابة العامة بناءً على تكليف من مكتب النائب العام، وهو ما أظهر جدية نسبية في التعامل مع الظاهرة، لكن من دون حلول جذرية للبنية التحتية.

بنغازي، جرد مخزونات وملفات قديمة (2024).

ورغم أن أبرز واقعة في بنغازي تعود إلى 2021 حين اكتُشفت لقاحات منتهية بمرفق صحي في دريانة، فإن عام 2024 شهد استمرار وزارة الصحة في جرد المخزونات الدوائية القديمة في المنطقة الشرقية، خاصةً تلك التي تراكمت في المخازن المركزية.

تبيّن وجود أدوية أورام وأصناف حساسة انتهت صلاحيتها منذ سنوات، وأُعلن عن نية الوزارة تنفيذ خطة إتلاف وفق قرار وزير الصحة رقم 297/2024 الخاص بحصر وإعدام الأدوية والمستلزمات المنتهية، لكن التنفيذ بقي متعثرًا بسبب ضعف الإمكانيات وتأخر إنشاء محارق آمنة في المنطقة.

الجهات المسؤولة في سبها، تصريحات كاملة كما وُرِدت.

مفتش صحي بمركز الرقابة على الأغذية والأدوية، مكتب سبها (عدنان صالح)

آلية التفتيش نقوم بشكل روتيني يومي بمراقبة الصيدليات، وأحيانا نتلقى شكاوى من المواطنين حول وجود أدوية منتهية الصلاحية أو من جهات أخرى. يتم التنسيق مع الحرس البلدي، وهذه الجولات مستمرة يوميا على مدار خمسة أيام في الأسبوع، وتشمل الرقابة الغذائية والدوائية حتى نغطي كافة المناطق والأحياء“.

أحيانا تكون كمية الأدوية بسيطة وليست عليها حركة بيع، فتبقى معروضة لفترة طويلة وقد لا ينتبه الصيدلاني لوجودها. لكن عند البيع، خاصة باستخدام التقنيات الحديثة، يكتشف الصيدلي أنها منتهية الصلاحية. ولهذا فإن نسبة وصول الأدوية منتهية الصلاحية للمواطن بسيطة جدا أو تكاد تكون معدومة“.

حتى عند ضبط أدوية منتهية الصلاحية فإنه يتم تخزينها في المخازن، لأنه لا توجد أي محرقة للتخلص منها، فتبقى مخزنة إلى إشعار آخر“.

لاحظنا العديد من التجاوزات في بعض الصيدليات، وتلقينا عدة شكاوى بشأنها، مثل بيع بعض الأدوية المرخصة كأدوية الأمراض النفسية والأعصاب دون وجود سجل بيع، أو صرف أدوية دون وصفة طبية، بل إن بعض الصيادلة يقومون بحقن المرضى داخل الصيدلية. وقد يكون ذلك نتيجة قلة وعي الصيادلة أو البائعين. كذلك توجد مخالفات متعلقة بالتراخيص، لذلك أتمنى أن تتم معاينة النشاط قبل إصدار أي ترخيص للتأكد من المبنى وتصميمه بشكل صحيح“.

أحيانا تكون صلاحية الأدوية جيدة وسليمة، لكن طرق النقل غير صحيحة. فبعض الشركات تنقل الأدوية للمناطق الجنوبية بسيارات شخصية أو مكشوفة دون تكييف أو تبريد، خاصة في الأجواء الحارة. بعض الأدوية تحتاج درجات حرارة بين 2 إلى 8، لكن سوء النقل يساهم في إفسادها. لدينا صناديق مضبوطة بسبب سوء النقل، وتم تحويلها إلى النيابة العامة والتحفظ عليها في مركز الرقابة

الفترة الماضية كلف النائب العام لجنة لرصد المخالفات المتعلقة بالأدوية والصيدليات داخل المدينة. هذه اللجنة أحالت ملفات عدة صيدليات إلينا، وقمنا بدورنا بتحويلها إلى النيابة العامة“.

“في هذه الحالات يصل إلينا إخطار من طرابلس، لأنه قد يكتشف الأمر بالعاصمة أولا. يتم التبليغ عبر غرفة واتساب، ونبدأ مباشرة في سحب الدواء بالتعاون مع الحرس البلدي، إضافة إلى إجراءات أمنية على البوابات لمنع نقل الأدوية بطرق غير صحيحة. كما تم منع تداول بعض أدوية الشركات المخالفة قبل وصولها إلى الصيدليات”.

موظّف بمركز الرقابة على الأغذية والأدوية، مكتب سبها (أحمد محمد سالم السنوسي)

بالنسبة للنشاط التجاري خاصة الصيدليات، من النادر أن تكون هناك حالات إخفاء أو تلاعب في تاريخ الصلاحية، لأن أغلبية العاملين في القطاع صيادلة ودكاترة نزيهون. لم نصادف أيًا من هذه الحالات، وأغلب ما يتم ضبطه يتعلق بسوء التخزين أكثر من كونه أدوية منتهية الصلاحية“.

المدير المكلف لمكتب مركز الرقابة على الأغذية والأدوية، سبها (سالم إبراهيم محمد)

هناك بعض الأدوية الممنوعة يتم ضبطها بشكل متكرر مثل (رلي إكسترا)، حيث تدخل عن طريق التهريب من النيجر، دون الحصول على تصريح من وزارة الصحة. ورغم أن نفس الدواء ببلد المنشأ (الهند) يدخل بطريقة رسمية بإجراءات سليمة وعلامة تجارية واضحة، إلا أن النسخة المهربة تختلف فقط في طريقة النقل والإجراءات“.

المكتب يفتقر لأبسط الإمكانيات، ورغم وجود حوالي 8 مكاتب في المنطقة الجنوبية إلا أن جميع العينات تُحال للإدارة العامة في طرابلس لغياب مختبر محلي لتحليلها“.

رئيس قسم الإعلام بمركز الرقابة على الأغذية والأدوية، سبها (عبدالسلام عبدالله)

“أهم مشكلة تواجهنا هي عدم وجود مختبر في المنطقة الجنوبية بالكامل وعدم توفر محرقة للتخلص من الأدوية. بينما هذه الإمكانيات متوفرة في المناطق الشرقية والغربية. لدينا كميات كبيرة من الأدوية المخزنة منذ العام 2011 حتى اليوم، وكانت هناك محرقة بمركز سبها الطبي لكنها معطلة. خاطبنا وزارة الصحة وأبلغونا أنه سيتم صيانة المحرقة أو توفير أخرى جديدة، لكن حتى الآن لا توجد أي استجابة”.

بيانات حكومية في الغرب (طرابلس وما يتبعها).

في العاصمة طرابلس، شهد عام 2024 صدور بيانات رسمية متكررة من وزارة الصحة، أبرزها التعميم الصادر في نوفمبر بسحب عقار مزيف يحمل اسمROVILAC  من الأسواق. الوزارة شددت حينها على ضرورة الإبلاغ الفوري عن أي مكان يتداول الدواء، محذّرةً من أن الجهات المخالفة ستُحال مباشرة إلى المساءلة القانونية. وفي السياق ذاته، عقدت الوزارة اجتماعات تنفيذية لتفعيل قرار وزير الصحة رقم 297/2024، الذي نص على حصر الأدوية والمستلزمات منتهية الصلاحية في المخازن وإعدامها وفق معايير السلامة.

من جانب آخر، واصلت النيابة العامة مراقبة ملف الدواء، حيث كلفت لجنة مختصة لرصد المخالفات في مدينة سبها، وأحالت ملفات عدة صيدليات إلى التحقيق بعد أن أثبتت تقارير الرقابة وجود مخالفات جسيمة. أما جهاز الحرس البلدي، فقد نفذ حملات تفتيشية متكررة في العاصمة وضواحيها، انتهت بإغلاق صيدليات بالشمع الأحمر ومصادرة كميات من الأدوية منتهية الصلاحية، في محاولة للحد من تسرب هذه الأدوية إلى المستهلكين.

بيانات حكومية في الشرق (بنغازي وما يتبعها).

في المنطقة الشرقية، ورغم أن أبرز واقعة تعود إلى عام 2021 عندما اكتُشفت لقاحات منتهية داخل مرفق صحي في دريانة، فإن عام 2024 شهد تجديد الجهود الرقابية. وزارة الصحة أعلنت مرارًا عن إجراءات جرد المخزون الدوائي في المخازن المركزية ببنغازي، وكشفت عن وجود كميات كبيرة من الأدوية الراكدة التي فقدت صلاحيتها، بينها أصناف حساسة مثل أدوية الأورام. وأكدت الوزارة في بياناتها على ضرورة التعجيل بإعدام هذه الكميات المتراكمة، محذرة من أن استمرار بقائها في المخازن يمثل خطرًا على الصحة العامة ويعكس سوء إدارة متراكم منذ سنوات.

بيانات على المستوى الوطني.

على الصعيد الوطني، برزت مصلحة الجمارك الليبية في فبراير 2025 عندما أعلنت عن ضبط شحنة ضخمة من الأدوية منتهية الصلاحية داخل مخزن تابع لشركة أدوية بمصراتة. اللافت في هذه القضية أن الشحنة كانت قد خرجت سابقًا من الميناء بموجب إذن إفراج مؤقت، قبل أن يكشف الفحص النهائي عن انتهاء صلاحيتها. فورًا، باشرت الجمارك إجراءات الإتلاف وأحالت الملف إلى النيابة العامة للتحقيق مع الشركة.

في المقابل، صدرت تصريحات رسمية عن وزارة الصحة عبر رئيسة لجنة التخلص من الأدوية التالفة، د. وفاء الغرياني، أكدت فيها أن حجم الأدوية المنتهية المتراكمة في المخازن الحكومية يتجاوز 100 ألف طن موزعة على مختلف المناطق الليبية، بعضها يعود إلى عام 2011 ولم يُعدم حتى اليوم. هذا الرقم الصادم أبرز الحاجة إلى خطة وطنية عاجلة لإعدام تلك الكميات وإعادة هيكلة منظومة الإمداد الطبي في ليبيا.

بيانات من منظمات دولية.

على المستوى الدولي، صنّفت منظمة الصحة العالمية (WHO) الأدوية دون المستوى أو المزوّرة كأحد أخطر التحديات التي تواجه الأنظمة الصحية حول العالم، مؤكدة أنها تتسبب في فشل العلاج، وتغذّي مقاومة المضادات الحيوية، وتقوّض الثقة بالنظام الصحي. المنظمة أوصت بتطبيق أنظمة منع –كشف–استجابة سريعة، إلى جانب اعتماد منظومات تتبع إلكتروني لسلسلة الإمداد، وضمان الإعدام الآمن للرواكد الدوائية.

أما إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) فقد أكدت أن الدواء بعد انتهاء الصلاحية قد يصبح أقل فاعلية أو أكثر خطورة بسبب تغير تركيبه الكيميائي أو نمو الجراثيم داخله، خاصة في المحاليل واللقاحات. الإدارة شددت في بياناتها على ضرورة عدم استخدام أي دواء بعد تاريخ الانتهاء مطلقًا، والتخلص منه عبر برامج Take-Back، أو باتباع إرشادات السلامة المنزلية في حال غياب هذه البرامج.

خاتمة:

الأدوية التي وُجدت لتداوي آلام الناس، تحوّلت في ليبيا إلى سلاح صامت يهدّد حياتهم كل يوم. ما بين مخازن مثقلة بأطنانٍ منتهية الصلاحية، وضبطيات لا تجد محرقة لإتلافها، وتحذيرات وزارية لا تعقبها محاسبة حقيقية، يظل الخطر قائمًا ومتجدّدًا. إن استمرار هذه الفوضى يعني أن أي مواطن قد يجد في يده غدًا دواءً فقد صلاحيته منذ سنوات، ليكتشف أن جسده أصبح ساحة لتجارب الإهمال.

إن حماية صحة الليبيين ليست خيارًا إداريًا ولا قرارًا بيروقراطيًا مؤجلًا؛ إنها معركة وجودية تتطلب حزمًا وتشديدًا للرقابة، وشفافية في إعلان الحقائق، وإرادة سياسية لا تساوم على أرواح الناس. ما لم تتحرك الدولة بكل أجهزتها لإغلاق هذه الحلقة المميتة، ستظل رفوف الصيدليات والمخازن تحمل اسمًا آخر لا يرحم: رفوف الموت.

شـــارك الخبر علي منصات التواصل

صحيفة فــــسانيا

صحيفة أسبوعية شاملة - منبع الصحافة الحرة

شاركنا بتعليقك على الخبر :