- مالك المانع
منذ أن اندلعت شرارة ما عُرف بـ”ثورات الربيع العربي” مطلع العام 2011 .. لم يعد الشرق الأوسط كما كان قبله.
فالمشهد الذي بدا في بداياته حراكاً شعبياً واسعاً يطالب بالإصلاح السياسي والعدالة الاجتماعية .. تحوّل تدريجياً إلى زلزال جيوسياسي عميق أعاد تشكيل خرائط النفوذ والتحالفات والهويات، وفتح الباب على مصراعيه أمام مرحلة تاريخية مضطربة لا تزال المنطقة تعيش ارتداداتها حتى هذا التاريخ .. وبينما اعتقد كثيرون في البداية أن ما يجري ليس سوى موجة احتجاجات عابرة .. تكشّفت السنوات اللاحقة عن حقيقة أكثر تعقيداً وخطورة.
فهل نحن أمام مشروع إعادة تشكيل شامل للشرق الأوسط، أو ما بات يُعرف في الأدبيات السياسية بـ”الشرق الأوسط الجديد” ..
عزيزي القارئ:
لقد ارتبط هذا المصطلح في الوعي السياسي العربي بتصريحات عديدة لمسؤولين أمريكيين وغربيين لم تكن لتمر أمامي مروراً عابراً .. كان من أبرزها ما صدر عن وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة “هيلاري كلينتون ” التي تحدثت في أكثر من مناسبة عن شرق أوسط مختلف يعاد بناؤه على أسس جديدة ، سياسياً وأمنياً واقتصادياً. ورغم أن التعبير لم يكن جديداً بالكامل في الفكر الاستراتيجي الأمريكي، فإن ما جرى بعد عام 2011 منح تلك التصورات بعداً عملياً بدا للكثيرين وكأنه ينتقل من مرحلة التنظير إلى التنفيذ على الأرض.
ففي غضون سنوات قليلة فقط، انهارت أنظمة سياسية راسخة، وتفككت جيوش، وظهرت جماعات مسلحة عابرة للحدود، وتحوّلت دول كاملة إلى ساحات صراع دولي وإقليمي مفتوح. ليبيا دخلت في دوامة الانقسام والصراع المسلح، وسوريا تحولت إلى مسرح لحرب دولية معقدة تشارك فيها قوى كبرى وإقليمية، بينما شهد العراق إعادة إنتاج للفوضى الطائفية والسياسية بصورة أكثر حدة بعد صعود تنظيمات متطرفة مثل تنظيم “داعش”. أما اليمن، فقد انزلق إلى واحدة من أكثر الحروب الإنسانية قسوة في العصر الحديث.
لكن التحولات الأخطر لم تقتصر على الدول التي شهدت الحروب المباشرة، بل امتدت إلى بنية النظام العربي نفسه. ففي الخليج العربي، ظهرت توترات غير مسبوقة بين دول مجلس التعاون الخليجي، بلغت ذروتها في الأزمة الخليجية التي انفجرت عام 2017، حين تحولت الخلافات السياسية بين الأشقاء إلى حصار دبلوماسي وإعلامي واقتصادي غير مسبوق. هذه الأزمة كشفت بوضوح أن التحالفات التقليدية في المنطقة لم تعد ثابتة، وأن موازين القوى بدأت تخضع لمنطق جديد تحكمه المصالح المتغيرة والتحالفات المرنة.
وفي شمال أفريقيا، تصاعد التوتر بين المغرب والجزائر إلى مستويات غير معهودة، وسط سباق نفوذ إقليمي وتباينات حادة في الرؤى السياسية والأمنية. أما السودان، فقد دخل في حرب داخلية طاحنة أعادت إلى الواجهة مخاوف التقسيم والانهيار الكامل للدولة الوطنية، في مشهد يعكس هشاشة البنى السياسية في عدد من الدول العربية بعد سنوات طويلة من الاستنزاف والصراعات.
وفي قلب هذا الشرق الأوسط المضطرب، جاءت الحرب الإسرائيلية على غزة لتكشف حجم التحول الذي أصاب المنطقة والعالم معاً. فالمأساة الإنسانية التي عاشها الفلسطينيون، والدمار الهائل الذي لحق بالقطاع، لم تكن مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل بدت وكأنها محطة فاصلة في إعادة رسم توازنات الإقليم. لقد أظهرت الحرب هشاشة النظام الدولي، وعجز المؤسسات الأممية، وأعادت القضية الفلسطينية إلى مركز الصراع العالمي بعد سنوات من محاولات التهميش والتطبيع السياسي.
ثم جاءت جبهة لبنان، والتوترات المتصاعدة في البحر الأحمر، والاشتباك غير المسبوق بين إيران وإسرائيل، لتؤكد أن المنطقة دخلت بالفعل مرحلة “السيولة الجيوسياسية”، حيث لم تعد الحروب تقليدية، ولا التحالفات مستقرة، ولا حتى الحدود السياسية بمنأى عن احتمالات التغيير. فالصراع لم يعد يدور فقط حول الأرض أو السلطة، بل حول شكل المنطقة المقبلة: من يملك النفوذ؟ ومن يرسم خرائط الطاقة؟ ومن يتحكم بالممرات البحرية؟ ومن يقود النظام الإقليمي الجديد؟
إن أخطر ما في مشروع “الشرق الأوسط الجديد” لا يكمن فقط في إعادة رسم الحدود الجغرافية، بل في إعادة تشكيل الوعي والهويات والانتماءات داخل المجتمعات نفسها. فخلال السنوات الماضية، تصاعدت النزعات الطائفية والعرقية والقبلية بصورة لافتة، وتراجعت فكرة الدولة الوطنية الجامعة لصالح انقسامات فرعية عميقة. وكأن المنطقة أُعيد دفعها نحو صراعات ما قبل الدولة الحديثة، في وقت تتراجع فيه مؤسسات الحكم التقليدية أمام نفوذ المليشيات والجماعات المسلحة والشبكات العابرة للحدود.
ومع ذلك، فإن قراءة المشهد من زاوية “المؤامرة المطلقة” وحدها تبدو قراءة قاصرة. فالكثير من الأزمات التي انفجرت في المنطقة كانت نتيجة تراكمات داخلية من الفساد والاستبداد وضعف التنمية وغياب العدالة الاجتماعية. غير أن القوى الدولية والإقليمية استثمرت تلك الهشاشة بذكاء بالغ، وحوّلت الانفجارات الداخلية إلى فرص لإعادة توزيع النفوذ بما يخدم مصالحها الاستراتيجية.
اليوم، وبعد أكثر من خمسة عشر عاماً على بداية الربيع العربي، يبدو الشرق الأوسط وكأنه يقف فوق أرض متحركة. دول تتفكك، وأخرى تعيد تموضعها، وتحالفات تتبدل بسرعة، وشعوب أنهكتها الحروب والانقسامات. أما السؤال الأكبر، فهو ما إذا كانت المنطقة تتجه فعلاً نحو “شرق أوسط جديد” أكثر استقراراً واندماجاً، أم نحو مرحلة طويلة من الفوضى المزمنة والصراعات المفتوحة.
ما يحدث الآن لا يبدو مجرد سلسلة أحداث منفصلة، بل فصول متصلة من عملية تاريخية كبرى تعيد تشكيل المنطقة سياسياً وأمنياً واقتصادياً وحتى ثقافياً. وربما سيحتاج المؤرخون لعقود طويلة حتى يتمكنوا من فهم الصورة الكاملة لما جرى ويجري. لكن المؤكد أن الشرق الأوسط الذي عرفه العالم قبل عام 2011 قد انتهى بالفعل، وأن المنطقة تدخل اليوم عصراً جديداً تتغير فيه الخرائط ببطء، ولكن بعمق بالغ التأثير.














