في قلب الثروة.. فزان تبحث عن أبسط مقومات الحياة

في قلب الثروة.. فزان تبحث عن أبسط مقومات الحياة

الكهرباء، والمياه، والوقود، تتحول إلى معاناة يومية لسكان الجنوب رغم ما تختزنه المنطقة من ثروات هائلة.

تقرير/ عمر بن خيلب | د . سلمى عداس

 في فزان، لم تعد الأزمات الخدمية أحداثاً استثنائية أو طارئة، بل أصبحت جزءاً من الحياة اليومية التي اعتاد عليها السكان على امتداد مدن وبلدات الجنوب الليبي. فمن أزمات الوقود التي تتكرر بين الحين والآخر، إلى الانقطاعات المتواصلة للكهرباء، ونقص المياه، وتعثر مشاريع البنية التحتية، يجد المواطن نفسه في مواجهة تحديات متراكمة تمس أبسط مقومات الحياة الكريمة.

ورغم ما تتمتع به فزان من ثروات نفطية وطبيعية ومساحات زراعية شاسعة، لا تزال مناطق عديدة في الإقليم تعاني من هشاشة الخدمات الأساسية، وسط شكاوى متزايدة من بطء الحلول وتكرار الأزمات ذاتها عاماً بعد آخر. ومع كل أزمة جديدة، تتجدد الأسئلة حول واقع التنمية في الجنوب وأسباب استمرار الفجوة الخدمية بين فزان وغيرها من الأقاليم الليبية

وعادت هذه التساؤلات إلى الواجهة بعد الأزمة التي شهدتها منطقة وادي الشاطئ إثر احتراق المحول الرئيسي بمحطة أم الجداول، وما ترتب على ذلك من انقطاع واسع للكهرباء والمياه وتعطل عدد من الخدمات الحيوية، في مشهد اعتبره كثير من المواطنين نموذجاً جديداً لمعاناة أوسع يعيشها الجنوب الليبي منذ سنوات.

وفي وقت تتبادل فيه الجهات المعنية التفسيرات والوعود بالمعالجة، يبقى السؤال الأكثر حضوراً لدى سكان فزان: هل تمثل هذه الأزمة حادثة عابرة، أم أنها حلقة جديدة في سلسلة طويلة من المشكلات التي لا تزال تبحث عن حلول جذرية؟

حين انطفأ المحول.. دخلت منطقة كاملة دائرة الشلل

في الدول التي تمتلك بنية تحتية مستقرة، قد يؤدي تعطل محول كهربائي إلى انقطاع محدود للتيار لساعات قليلة قبل عودة الخدمة إلى طبيعتها. أما في وادي الشاطئ، فقد كان احتراق محول محطة أم الجداول كافياً لإدخال منطقة كاملة في أزمة شاملة تجاوزت حدود الكهرباء لتطال مختلف جوانب الحياة اليومية.

المواطن صالح أحمد اختصر المشهد بعبارة مؤثرة: “وادي الشاطئ يئن”. فمع انقطاع التيار الكهربائي توقفت مضخات المياه، وتعطلت المخابز ومحطات الوقود، وتأثرت الخدمات الصحية، وغرقت الأحياء السكنية في الظلام، فيما اندلعت حرائق في عدد من المزارع، لتتحول الأزمة إلى سلسلة متلاحقة من الازمات التي مست حياة المواطنين بشكل مباشر.

وفي منطقة تمتد على نحو 150 كيلومتراً ويقطنها ما يقارب مئة ألف نسمة، لم يعد انقطاع الكهرباء مجرد خلل فني، بل أصبح سبباً مباشراً في تعطيل مقومات الحياة

العطش يطرق الأبواب في أرض الثروات.

من أكثر المشاهد إيلاماً أن يصبح الحصول على المياه تحدياً يومياً لآلاف الأسر العطشى ، فمع توقف محطات الضخ والآبار بسبب انقطاع الكهرباء، انقطعت المياه عن أعداد كبيرة من الاحياء السكنية ، لتبدأ رحلة البحث عن مصادر بديلة في ظل ارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات مرعبة.

ويؤكد عدد من الأهالي أن خزانات المياه بدأت بالنفاد خلال وقت قصير من بدء الانقطاع، بينما اضطرت بعض الأسر إلى شراء المياه أو الاعتماد على ما تبقى لديها من مخزون محدود، في مشهد يعكس هشاشة الخدمات الأساسية وارتباطها الكامل باستقرار الشبكة الكهربائية.

المرضى في مواجهة الخطر.

إذا كانت الأزمة قد أثقلت كاهل الجميع، فإن المرضى كانوا الفئة الأكثر عرضة للخطر.

يتحدث المواطن مهدي أحمد بأنه “حالة إنسانية طارئة”، مشيراً إلى أنه ينتمي إلى شريحة مرضى السكري وارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب وهم يواجهون ظروفاً صعبة نتيجة ارتفاع درجات الحرارة وتعطل الأجهزة الكهربائية الضرورية داخل المنازل وبعض المرافق الصحية.

وأضاف أن أحاديث متداولة بين المواطنين عن تدهور حالات صحية وربما تسجيل وفيات مرتبطة بالظروف التي صاحبت الانقطاع الكامل للكهرباء، ورغم عدم صدور بيانات رسمية تؤكد ذلك، فإن حجم القلق الشعبي يعكس خطورة الوضع الإنساني الذي تعيشه المنطقة.

وفي ظل درجات حرارة تقترب من 48 درجة مئوية، تتحول الكهرباء من خدمة عامة إلى ضرورة ترتبط مباشرة بسلامة الإنسان وصحته.

رغيف الخبز ضحية جديدة للأزمة.

لم تتوقف تداعيات الأزمة بل امتدت إلى واحدة من أهم الاحتياجات اليومية للمواطنين.

فمع استمرار انقطاع الكهرباء ونقص الوقود، اضطرت عدة مخابز إلى التوقف عن العمل، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على توفر الخبز وزاد من معاناة الأسر التي تواجه أصلاً ظروفاً اقتصادية ومعيشية صعبة.

ويؤكد مواطنون أن الحصول على الخبز أصبح أكثر تعقيداً خلال الأيام الأخيرة، في وقت تتزايد فيه الضغوط المعيشية وارتفاع أسعار السلع الأساسية.

هل كانت الكارثة متوقعة؟

يرفض عدد من سكان المنطقة اعتبار ما حدث في محطة أم الجداول حادثاً مفاجئاً.

ويؤكد المواطن أمبارك مسعود أن المحول الذي تعرض للاحتراق كان يعاني من أعطال ومشكلات متكررة منذ سنوات، وأن أعمال الصيانة التي أُجريت له لم تتجاوز كونها حلولاً مؤقتة.

وقال إن المحول سبق أن خضع لعمليات إصلاح وصفها بالترقيعية، مضيفاً أن مطالبات عديدة دعت إلى استبداله بشكل كامل نظراً لانتهاء عمره التشغيلي منذ سنوات طويلة، مرجحاً أن يعود تاريخ تركيبه إلى سبعينيات القرن الماضي.

ويرى أن ما حدث لم يكن سوى نتيجة طبيعية لتأجيل الحلول الجذرية والاعتماد على معالجات مؤقتة.

محطة 66.. مشروع متعثر في قلب الأزمة.

ومن بين الملفات التي فتحتها الأزمة تسليط الضوء عليها مشروع محطة 66 الذي ما يزال خارج الخدمة رغم الحاجة الملحة إليه.

وبحسب شهادات محلية، وصلت نسبة الإنجاز في المشروع إلى نحو 80 في المئة، إلا أن العمل فيه لم يُستكمل حتى الآن.

ويرى مواطنون أن دخول المحطة إلى الخدمة كان من الممكن أن يخفف الضغط على الشبكة الكهربائية ويحد من آثار الأعطال والانقطاعات المتكررة.

ويبقى السؤال قائماً: لماذا تتعثر المشاريع الحيوية في الجنوب رغم أهميتها وحاجة المواطنين الماسة إليها؟

محول جديد بعد الكارثة.. هل تكفي الحلول المؤقتة؟

عقب احتراق المحول الرئيسي بمحطة أم الجداول في 4 يونيو 2026، أعلنت الشركة العامة للكهرباء توفير محول بديل تمهيداً لإعادة تشغيل المحطة واستعادة التيار الكهربائي للمناطق المتضررة. كما أكدت الشركة أن فرقها الفنية باشرت أعمال التركيب والتجهيز بهدف تقليص مدة الانقطاع وإعادة الاستقرار للشبكة الكهربائية بالمنطقة.

إلا أن هذه الخطوة لم تُنهِ حالة الجدل بين المواطنين، حيث يرى المواطن نوري مروان أن معالجة الأزمة بعد وقوعها لا ينبغي أن ينهي التساؤلات المتعلقة بأسباب وقوعها من الأساس. ويقول إن المحطة تقع تحت إشراف الشركة العامة للكهرباء، الأمر الذي يجعل الحديث عن الصيانة الدورية والمتابعة الفنية أمراً مشروعاً، خاصة في ظل الشكاوى المتكررة منذ الأعطال والانقطاعات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية.

ويضيف أن توفير محول جديد يمثل خطوة مهمة لتخفيف معاناة السكان، لكنه لا يجيب عن الأسئلة المتعلقة بمدى جاهزية البنية التحتية الكهربائية، وآليات الوقاية التي كان من الممكن أن تمنع وقوع مثل هذه الأزمة قبل أن تتحول إلى معاناة يومية لعشرات الآلاف من المواطنين.

أزمة محلية تكشف أزمة وطنية

في الوقت الذي كان فيه سكان وادي الشاطئ يواجهون تداعيات انقطاع الكهرباء وما ترتب عليه من نقص المياه وتعطل الخدمات الأساسية، صدرت تحذيرات رسمية كشفت أن المشكلة لا تقتصر على الجنوب وحده.

ففي 6 يونيو 2026، أعلنت الشركة العامة للكهرباء، عبر مراسلات رسمية جرى تداولها ونشرتها وسائل إعلام محلية، أن منظومة الكهرباء في ليبيا تواجه عجزاً يقدر بنحو ألف ميغاوات بسبب نقص إمدادات الغاز الطبيعي والوقود اللازم لتشغيل محطات التوليد.

وحذرت الشركة من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى زيادة ساعات طرح الأحمال وارتفاع احتمالات حدوث انقطاعات واسعة للتيار الكهربائي في عدد من المناطق، ووصفت الوضع التشغيلي لبعض محطات التوليد بأنه بلغ مرحلة حرجة وغير مسبوقة.

ورغم أن أزمة وادي الشاطئ كانت قد بدأت بالفعل قبل صدور هذه التحذيرات، فإن التصريحات الرسمية أظهرت أن ما حدث في المنطقة لا يمكن فصله عن التحديات الأوسع التي تواجه قطاع الكهرباء في البلد، والتي تنعكس آثارها بشكل متفاوت على مختلف المدن والمناطق.

بلاد النفط.. وأسئلة لا تجد إجابات

تزداد حالة الاستياء الشعبي عندما تتكرر هذه الأزمات في بلد يمتلك احتياطيات ضخمة من النفط والغاز.

ويتساءل المواطن أحمد عثمان عن مصير المليارات التي أُنفقت على مشاريع الكهرباء والبنية التحتية، وعن أسباب استمرار تدهور الخدمات رغم حجم الإنفاق المعلن خلال السنوات الماضية.

أما المواطن عثمان علي فيطرح تساؤلاً  آخر يتعلق بإيرادات فواتير الكهرباء التي يدفعها المواطنون بصورة منتظمة، متسائلاً عن أثر هذه الأموال على تحسين الخدمات وتطوير الشبكات.

أسئلة تتكرر دون أن تجد إجابات تقنع الشارع المحلي.

الأزمة لا تتوقف عند الكهرباء.. خسائر اقتصادية تتسع يوماً بعد يوم.

لا تقتصر تداعيات انقطاع الكهرباء على الجوانب الخدمية والإنسانية فحسب، بل تمتد لتطال مفاصل النشاط الاقتصادي في وادي الشاطئ، حيث يعتمد عدد كبير من السكان على الزراعة والتجارة والأعمال الصغيرة كمصادر رئيسية للدخل.

وتعد الزراعة أكثر القطاعات تضرراً ، نظراً لاعتماد المزارعين بشكل كبير على الآبار ومضخات الري التي تحتاج إلى إمدادات كهربائية مستقرة. ومع استمرار الانقطاعات، يواجه العديد من المزارعين  مخاطر تراجع الإنتاج وتلف بعض المحاصيل، إلى جانب ارتفاع تكاليف التشغيل والاعتماد على بدائل أكثر كلفة.

ولا تتوقف الخسائر عند المزارع فقط، إذ تضطر المخابز والمحال التجارية إلى تقليص ساعات العمل أو التوقف بشكل كامل في بعض الأحيان، ما ينعكس بصورة مباشرة على حركة السوق وتوفر السلع والخدمات.

ويرى عدد من المواطنين أن تكرار الانقطاعات يفرض أعباء مالية إضافية على الأسر وأصحاب الأنشطة الاقتصادية، نتيجة الاعتماد المتزايد على المولدات الخاصة وشراء الوقود وتحمل تكاليف تشغيل مرتفعة. وبينما تتراكم الخسائر على أصحاب المزارع والمشروعات الصغيرة، تبقى الأسر محدودة الدخل الأكثر تأثراً بارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع مستوى الخدمات الأساسية، في وقت تتزايد فيه التحديات الاقتصادية التي تواجه المنطقة.

وائل أحمد: أزمة فزان تنموية واقتصادية قبل أن تكون خدمية

يرى الصحفي والمهتم بالشأن الاقتصادي وائل أحمد أن ما تشهده فزان لا يمكن اختزاله في أزمات الكهرباء والوقود والمياه فقط، بل يمثل أزمة تنموية واقتصادية متكاملة تراكمت على مدى سنوات نتيجة ضعف التخطيط وتعثر المشاريع وغياب الإدارة الفاعلة للموارد.

ويؤكد أن الجنوب الليبي يمتلك مقومات اقتصادية كبيرة تشمل الثروات النفطية والزراعية والموقع الجغرافي الذي يؤهله ليكون مركزاً للتجارة والخدمات اللوجستية بين ليبيا ودول أفريقيا، إلا أن هذه الإمكانات لم تنعكس بالشكل المطلوب على حياة المواطنين أو مستوى الخدمات.

وينوه إلى أن الانقطاعات المتكررة للكهرباء وأزمات الوقود لا تؤثر على المواطنين فقط، بل تلحق خسائر مباشرة بالأنشطة التجارية والزراعية والإنتاجية، حيث تتضرر المزارع وتتوقف بعض الورش والمحال والمشروعات الصغيرة، ما يؤدي إلى ارتفاع التكاليف وتراجع الإنتاج وضعف فرص الاستثمار.

كما يرى أن استمرار الأزمات في منطقة تعد من أهم مناطق إنتاج النفط يطرح تساؤلات حول كفاءة الإدارة وآليات التوزيع والرقابة، مؤكداً أن المشكلة لا تكمن في نقص الموارد بقدر ما ترتبط بضعف التنفيذ والمتابعة وتكرار الحلول المؤقتة.

ويضيف وائل | أن تحقيق التنمية في فزان يتطلب إعطاء الأولوية لمشاريع البنية التحتية والطاقة والمياه والطرق والزراعة، إلى جانب تحسين بيئة الاستثمار وتعزيز الرقابة وتسريع تنفيذ المشاريع المتوقفة، محذراً من أن استمرار الأوضاع الحالية دون إصلاحات حقيقية قد يؤدي إلى مزيد من التراجع الاقتصادي والاجتماعي ويقوض فرص التنمية والاستقرار في المنطقة.

ويختتم وائل أحمد بالقول إن فزان لا تفتقر إلى الإمكانات، بل إلى الإدارة الفاعلة والرؤية التنموية الواضحة، مؤكداً أن مستقبل الجنوب مرتبط بالانتقال من إدارة الأزمات إلى استثمار الموارد في مشاريع حقيقية ومستدامة تعود بالنفع على السكان والمنطقة بأكملها.

إحفاف الأسود: البلديات تواجه الأزمات بإمكانات محدودة والجنوب يحتاج إلى رؤية تنموية مختلفة

يرى عميد بلدية سبها إحفاف الأسود أن الأزمات الخدمية التي تشهدها مدن الجنوب، بما فيها أزمات الكهرباء والمياه والوقود، ليست وليدة اللحظة، بل هي نتيجة تراكمات طويلة من نقص الإمكانيات وتعثر المشاريع وضعف الموارد المخصصة للبلديات، مشيراً إلى أن السلطات المحلية تجد نفسها في كثير من الأحيان مطالبة بمواجهة مشكلات تفوق قدراتها وإمكاناتها المتاحة.

ويؤكد الأسود أن البلديات تعمل في ظروف صعبة ومعقدة، حيث تضطر إلى اللجوء إلى حلول مؤقتة وإجراءات إسعافية للتخفيف من معاناة المواطنين، في ظل غياب التمويل الكافي لتنفيذ مشاريع خدمية قادرة على معالجة جذور المشكلات بشكل نهائي.

ويضيف أن مدينة سبها، على سبيل المثال، واجهت خلال السنوات الأخيرة أزمات متلاحقة شملت نقص الوقود، والانقطاعات المتكررة للكهرباء، وأزمات مياه الشرب، وهي تحديات انعكست بشكل مباشر على الحياة اليومية للمواطنين.

ويشير إلى أن البلديات لا تملك وحدها الأدوات الكفيلة بحل هذه الملفات بشكل جذري، خاصة في ظل محدودية الصلاحيات والموارد المالية، موضحاً أن العديد من التدخلات التي يتم تنفيذها تقتصر على الحد من آثار الأزمة أو احتوائها مؤقتاً إلى حين توفر الإمكانيات اللازمة لتنفيذ حلول أكثر استدامة.

ويضيف أن سبها تعد من أكبر البلديات الليبية من حيث المساحة والامتداد العمراني وعدد السكان، الأمر الذي يجعل احتياجاتها الخدمية والتنموية كبيرة ومتزايدة، ويتطلب خططاً وموازنات تتناسب مع حجم هذه المتطلبات.

ويرى أن معالجة مشكلات الجنوب لا ينبغي أن تقتصر على الاستجابة للأزمات عند وقوعها، بل يجب أن تقوم على رؤية تنموية شاملة تعطي الأولوية للبنية التحتية والخدمات الأساسية والمشاريع الاستراتيجية.

كما يؤكد الأسود أن تحسين أوضاع الجنوب يتطلب تعزيز دور البلديات وتمكينها مالياً وإدارياً، بما يسمح لها بتنفيذ مشاريع حقيقية تلبي احتياجات المواطنين وتحد من تكرار الأزمات التي أصبحت تتجدد بصورة شبه موسمية.

ويختتم حديثه بالتأكيد على أن الجنوب الليبي يمتلك إمكانات اقتصادية وبشرية كبيرة، إلا أن الاستفادة من هذه الإمكانات تتطلب إرادة حقيقية وخططاً تنموية واضحة تضع احتياجات المواطنين في مقدمة الأولويات.

فزان والتهميش.. شعور يتجدد مع كل أزمة

ومن بين أكثر القضايا حضوراً في أحاديث المواطنين خلال الأزمة الحالية شعور متزايد بأن مناطق الجنوب لا تحظى بالاهتمام نفسه الذي تحظى به مناطق أخرى عند وقوع الأزمات.

ويقول المواطن صالح أحمد إن سرعة معالجة المشكلات في بعض المناطق مقارنة بما يحدث في فزان عززت لدى كثيرين شعوراً بالتهميش والإهمال.

ورغم أن هذا الرأي يعبر عن وجهة نظر أصحابها، فإنه يعكس مزاجاً عاماً تشكل نتيجة سنوات طويلة من الأزمات المتكررة وتعثر الحلول.

منية بن أحمد: المواطن في الجنوب يدفع ثمن الإهمال المتراكم.

ترى الإعلامية منية بن أحمد أن ما تعيشه فزان اليوم يعكس فجوة واضحة في مستوى الخدمات والاهتمام مقارنة ببعض المناطق الأخرى، مشيرة إلى أن مظاهر التهميش تتجلى في أزمات الكهرباء والوقود المتكررة، ونقص المياه الصالحة للشرب، وضعف الخدمات الصحية، وغياب فرص العمل والمشاريع التنموية المستدامة.

وتؤكد أن الأزمات الخدمية أصبحت أحد أبرز التحديات التي تواجه استقرار الجنوب، موضحة أن الحديث عن الأمن والاستقرار لا يمكن فصله عن توفير الخدمات الأساسية التي يحتاجها المواطن في حياته اليومية.

وتدعو بن أحمد إلى تنفيذ حزمة من الإجراءات العاجلة تشمل تأمين الوقود بشكل منتظم، وصيانة محطات الكهرباء وتوفير قطع الغيار اللازمة لها، وتخصيص ميزانيات طوارئ لمعالجة أزمات المياه والكهرباء، إلى جانب إطلاق مشاريع استراتيجية طويلة الأمد تشمل إنشاء محطات كهرباء جديدة والاستثمار في الطاقة الشمسية والطاقات المتجددة التي تمتلك فزان مقومات كبيرة للاستفادة منها.

وفيما يتعلق بالشفافية، ترى أن غياب المعلومات الواضحة حول أسباب الأزمات وخطط المعالجة يزيد من حالة الاحتقان لدى المواطنين.

 مؤكدة أهمية نشر التقارير الدورية المتعلقة بالمشاريع الخدمية وإشراك المجتمع المحلي في الرقابة والمتابعة.

كما تحذر من التداعيات الاجتماعية والنفسية لاستمرار الأزمات، مشيرة إلى أن تكرار الانقطاعات ونقص الخدمات يولد حالة من الإحباط وفقدان الثقة ويؤثر على الاستقرار الأسري وجودة الحياة، فضلاً عن دفع بعض الكفاءات والشباب إلى مغادرة المنطقة بحثاً عن فرص أفضل.

وتختتم بن أحمد بالقول إن فزان ليست مجرد منطقة غنية بالنفط والغاز والموارد الطبيعية، بل موطنا لمئات الآلاف من المواطنين الذين يستحقون خدمات لائقة وحياة كريمة، مؤكدة أن الحل يبدأ بإرادة حقيقية لمعالجة جذور الأزمات والانتقال من الحلول المؤقتة إلى خطط تنموية مستدامة.

من يتحمل المسؤولية؟

بعيداً عن موعد عودة الكهرباء، يطرح الشارع المحلي سؤالاً أكثر عمقاً: من المسؤول عن تكرار هذه الأزمات؟

هل يعود الأمر إلى نقص الوقود؟ أم إلى ضعف الصيانة؟

أم إلى تأخر تنفيذ مشاريع البنية التحتية؟ أم إلى غياب التخطيط الاستراتيجي طويل المدى؟

قد تختلف الإجابات باختلاف الجهات المعنية، لكن النتيجة بالنسبة للمواطن تبقى واحدة: خدمات متعثرة، وأزمات متكررة، ومعاناة تتجدد كل صيف.

مواطن فزان لا يطلب المستحيل.

في فزان، لا يطالب المواطن بامتيازات خاصة ولا بخدمات استثنائية، بل بحقوق أساسية يفترض أن تكون متاحة لكل مواطن؛ كهرباء مستقرة، ومياه متوفرة، وخدمات صحية قادرة على أداء دورها، وبنية تحتية تحمي الناس من تكرار الأزمات.

لكن بين الوعود المتكررة والحلول المؤقتة وتبادل المسؤوليات، يبقى المواطن هو الحلقة الأضعف، يواجه وحده تداعيات العتمة والعطش وحرارة الصيف القاسية، فيما تتجدد الأسئلة ذاتها مع كل أزمة جديدة دون أن تجد إجابات حاسمة على أرض الواقع.

وفي إقليم يتربع فوق ثروات هائلة من النفط والغاز، ما يزال السؤال الأكثر إلحاحاً يتردد على ألسنة السكان:

كيف يمكن أن تتحول أبسط الخدمات إلى معركة يومية يخوضها المواطن من أجل العيش بكرامة؟

وبين العتمة والعطش وحرارة الصيف، لا ينتظر سكان فزان عودة الكهرباء والمياه فحسب، بل ينتظرون نهاية دورة طويلة من الأزمات المتكررة، أملاً في أن يأتي يوم تصبح فيه الخدمات حقاً مستقراً لا أزمة موسمية تتكرر كل عام.

شـــارك الخبر علي منصات التواصل

صحيفة فــــسانيا

صحيفة أسبوعية شاملة - منبع الصحافة الحرة

شاركنا بتعليقك على الخبر :