- د . سالم الهمالي
نشأتُ في قرية صغيرة من قرى فزان، كان أجدادي يدفعون فيها ضريبة «الميري» على النخيل وإنتاجه، ويعرفون عمال الجباية وما يفرضونه على الناس في كل عام. بقيت حكايات الميري في الذاكرة، يتناقلها الأبناء عن الآباء، ومعها حكايات الخازوق وقسوة الولاة. وليس من الإنصاف أن ننكر ما في ذلك التاريخ من مظالم، لكن ليس من الإنصاف أيضًا أن نختصر علاقة امتدت قرونًا في جابي ضريبة وخازوق، ثم نغلق الحكاية وكأننا أحطنا بكل تفاصيلها.
بدأ الحكم العثماني في طرابلس سنة ١٥٥١، بعد إخراج فرسان القديس يوحنا، واستمر بأشكال متفاوتة من الحكم المباشر والاستقلال المحلي، ومن ذلك عهد الأسرة القرمانلية. أما الاحتلال الإيطالي فبدأ سنة ١٩١١، وتبعه اتفاق أوشي في أكتوبر سنة ١٩١٢، الذي نص على سحب الضباط والجنود والموظفين العثمانيين من طرابلس وبرقة. حدث ذلك والدولة العثمانية في مرحلة شديدة الضعف، تتنازعها الحروب وتتساقط أطرافها، لكن خروج الأتراك لم يكن نهاية المقاومة الليبية، ولم يكن الليبيون طرفًا سلّم أرضه ورضي بما تقرر بشأنه، اذ استمر الجهاد ضد الطليان لأكثر من عشرين سنة.
الحكاية يا سادة، لها وجه آخر لا نغفل ذكره. فقد قاتل ضباط عثمانيون إلى جانب الليبيين ضد الغزو الإيطالي، منهم أنور بك ومصطفى كمال، الذي أصبح لاحقًا مؤسس الجمهورية التركية. وقبل ذلك وبعده، امتزجت حياة الناس في البلدين بما هو أبعد من قرارات السلاطين وتقلبات السياسة؛ تجارة ومصاهرة وأسر امتدت جذورها على ضفتي البحر، حتى أصبح لبعض الليبيين أقارب في تركيا، ولأتراك أقارب في ليبيا. وهذه صلات لا تنشأ ببيان سياسي، ولا تزول بخلاف بين حكومتين.
في خزائننا وعند كل من يحتفظ بحجج أجداده ووثائقهم سيجد أثر الإدارة العثمانية في الأختام والمعاملات والمكاتبات، كما بقيت شواهدها في مبانٍ وتحصينات ومرافق في أنحاء البلاد، حتى مدينة غات في أقصى الجنوب الغربي. ولم يكن الليبيون غائبين تمامًا عن مؤسسات الدولة آنذاك؛ فقد انتُخب منهم نواب في مجلس المبعوثان، منهم سليمان الباروني بعد إعلان الدستور سنة ١٩٠٨. وكانت تركيا محطة في حياة شخصيات ليبية بارزة، من بينها أحمد الشريف السنوسي، الذي وصل إليها سنة ١٩١٨. تاريخ متداخل، فيه تعاون وخلاف، وقرب وجفاء، لا يستقيم اختزاله في رواية تمجيد مطلق أو إدانة مطلقة.
بعد استقلال ليبيا، تجددت العلاقة بين دولتين مستقلتين، اعترفت تركيا بالدولة الليبية، وبدأ أول سفير تركي مهامه فيها سنة ١٩٥٣. واستمرت العلاقات في عهد المملكة ثم في عهد القذافي، بما يؤكد أنها أقدم من فبراير، وأوسع من الإسلاميين وخصومهم، ولا يصح تصويرها وكأنها اختُرعت لخدمة تيار ظهر بالأمس. ويكفي التذكير بأن رجب طيب أردوغان، حين كان رئيسًا للوزراء، تسلّم جائزة القذافي العالمية لحقوق الإنسان سنة ٢٠١٠، قبل أشهر من سقوط النظام الذي منحها له. وخلال حكم القذافي، كان الحضور الاقتصادي التركي واضحًا في أنحاء ليبيا، ومشروعات الإسكان والطرق والمرافق شاهدة عليه. زرت تركيا ثلاث مرات، كلها في تلك الفترة، وعرفتُ كما عرف غيري من الليبيين حركة التجارة والسفر بين البلدين، وأهمية الخطوط البحرية خلال سنوات الحصار، حين كان الوصول إلى العالم أكثر مشقة وكلفة. لم تكن العلاقة يومها حنينًا إلى السلطان، بل بضائع ومقاولات وسفرًا ومصالح يعرفها التجار والعمال والمسافرون.
لم يكن موقف تركيا من أحداث سنة ٢٠١١ خاليًا في البداية من التردد والحسابات، كما لم تكن سياساتها اللاحقة بعيدة عن مصالحها. وهذا أمر ينبغي فهمه كما هو؛ فتركيا دولة تبحث عن أمنها وأسواقها ونفوذها، مثلما تفعل غيرها من الدول. ومن الخطأ أن نطلب منها أن تتصرف كأنها جمعية خيرية، ومن الخطأ ايضا أن نتصرف نحن وكأن مصالحنا ستتحقق تلقائيًا لمجرد تقارب ديني أو عاطفة تاريخية. اليوم، هناك ما يستحق البناء عليه. فقد بلغ التبادل التجاري بين البلدين نحو ٣٫٧ مليارات دولار سنة ٢٠٢٤، وتجدد العمل على معالجة مستحقات المقاولين والمشروعات المتوقفة، وتوسيع التعاون في البنية الأساسية والطاقة والتجارة. وفي يناير سنة ٢٠٢٦، انعقدت اللجنة الاقتصادية المشتركة بعد انقطاع دام سنوات طويلة. هذه مجالات ومشاريع يمكن أن تنفع ليبيا، إذا أحسنّا التفاوض عليها، وربطناها بحاجات البلاد، وبعقود واضحة ورقابة فعلية، وفرص عمل وتدريب لليبيين، بدل الاكتفاء بالاستيراد ودفع الفواتير.
لا أرى مصلحة ليبيا في أن تصبح علاقتها بتركيا حكرًا على طرف، أو سلاحًا يستخدمه فريق في وجه آخر. صحيح أن أنقرة انحازت إلى أطراف بعينها خلال الصراع، ولا معنى لإنكار ذلك، لكن علاقة الدول ينبغي أن تكون أوسع من تحالفات المرحلة. والمطلوب أن تتطور العلاقة مع ليبيا كلها، شرقها وغربها وجنوبها، وأن يكون استقرار الدولة ووحدة مؤسساتها أساسًا للتعاون، حتى لا يبقى مستقبل البلدين المشترك رهينة خلافاتنا الداخلية. أما أوهام عودة الخلافة، وانتظار السلطان، وتصوير كل اتفاق اقتصادي وكأنه فتح عثماني جديد، فذلك كلام فارغ لا يبني دولة ولا يطعم شعبًا. تركيا اليوم جمهورية لها مصالحها وحساباتها وعضو مهم في حلف الناتو، وليبيا دولة مستقلة ينبغي ان تستعيد وتحافظ على سيادتها وتحفظ حقوقها. لا التاريخ يمنح أحدًا حق الوصاية علينا، ولا الخلاف مع التاريخ يفرض علينا إهدار فرص الحاضر.
العلاقة مع تركيا قديمة ومهمة، وتطويرها ضرورة تفرضها المصالح وما بين الشعبين من روابط. لكن الصداقة لا تستلزم التبعية، والتعاون لا يعني تسليم القرار، والاحترام لا يوجب الصمت عما يضر بلادنا. نريد علاقة واضحة، نعرف فيها ما لنا وما علينا، ونأخذ منها علمًا وخبرة وتجارة وتنمية، ونقدم فيها شراكة جادة تحترم الطرفين. من يحسن إدارة مصالح بلاده لا يحتاج إلى سلطان يحميه، ولا إلى عدو يتوهمه؛ يحتاج إلى دولة عندها قيادة تعرف قدر نفسها، وتحفظ حقوق شعبها.














