مشهد

مشهد

  • علي إسبيق

تخيلت مشهدا يلتقي فيه بوزيد ومعاوية..

أبطال روايتي الأخيرتين ..

#بوزيد

#الأموي_الأخير

________________

كان المكان بلا اسم، كأنه فاصلٌ بين زمنين. أرضٌ من غبارٍ رمادي، وسماء لا تنتمي لا لليل ولا للنهار.

جلس بوزيد على حجرٍ مكسور، ثوبه المهترئ يلتصق بجسده النحيل، وعيناه تحملان ذلك الوعي المؤلم الذي لا يملكه إلا من ذاق القاع وعرف كذب القمم. كان يقلب كفيه كمن يبحث عن صدقة من الوجود نفسه.

ومن بعيد، تقدّم معاوية. لم يكن خليفةً متوَّجًا، ولا أميرًا على عرش؛ بل رجلٌ أثقلته الدولة كما أثقلت بوزيد الحاجة. عباءته داكنة، وخطواته ثابتة، وفي ملامحه بقايا سلطانٍ يعرف أن السقوط لا يقل قسوة عن الفقر.

تلاقَت العينان.

قال بوزيد، ساخرًا بنبرةٍ تعرف الجوع:

أتيتَ تبحث عن ملكٍ ضاع، أم عن إنسانٍ نسيه التاريخ؟

ابتسم معاوية ابتسامة خفيفة، وقال:

وأنت، أضعتَ نفسك لأنك بلا دولة، أم لأن الدولة أضاعتك؟

صمتٌ ثقيل سقط بينهما.

بوزيد، ابن الشارع والهامش، رأى في معاوية وجه السلطة حين تترجل.

ومعاوية، ابن الفتنة والعرش، رأى في بوزيد نتيجة كل حكمٍ لم ينصت للجائعين.

قال بوزيد:

نحن ضحيتان، لكنهم سيكتبون اسمك في الكتب… وسيمسحون قدميَّ من الطرقات.

رد معاوية بهدوءٍ موجع:

لا تغترّ بالكتب، يا بوزيد. التاريخ يرحم الأسماء أحيانًا، لكنه لا يغفر الأخطاء.

وقف الاثنان.

لم يتصافحا، لأن المسافة بين الجوع والسلطة لا تُردم بكفّين،

لكن كلاً منهما أدرك أن سقوط الدولة، وولادة المتسول، حكايةٌ واحدة

تُروى من زاويتين مختلفتين.

ثم تلاشى المكان، وبقي السؤال معلّقًا: من أكثر بؤسًا؟

من خسر العرش، أم من لم يعرفه يومًا؟

شـــارك الخبر علي منصات التواصل

صحيفة فــــسانيا

صحيفة أسبوعية شاملة - منبع الصحافة الحرة

شاركنا بتعليقك على الخبر :