- د_عبدالله محمد أطبيقه | قسم الإعلام جامعة سرت
لم يكن أكثر المتفائلين يتوقع أن يتحول مسلسل درامي بتمويل محدود، وطاقم عمل شبابي، وديكورات تعتمد على البيئة البدوية البسيطة في أجدابيا والشرق الليبي، إلى الظاهرة الدرامية والأكثر تأثيراً في تاريخ الشاشة الليبية الحديثة.
إن تجربة مسلسل شط الحرية (تأليف وإخراج فتحي القابسي) تتجاوز مجرد كونها عملاً كوميدياً ناجحاً حصد ملايين المشاهدات؛ بل هي نموذج استثماري وإعلامي مكتمل الأركان أثبت أن النجاح الجماهيري والعائد الاستثماري لا يتطلبان بالضرورة ميزانيات ضخمة، بل يتطلبان “فكرة أصيلة” وفهماً عميقاً لسيكولوجية الشارع.
عبقرية النص والأنماط: معادلة البساطة الحاد
تكمن مصادر قوة تجربة شط الحرية في اختيار نمط إنتاجي ذكي يعتمد على كوميديا الموقف المستمدة من قاع المجتمع:
الأصالة والتكلفة المنخفضة: لم يحتاج العمل لبناء ديكورات خيالية أو السفر لمدن عالمية؛ بل اتخذ من الخيمة، الصحراء، والقرية الليبية مسرحاً أحداثه، مما خفض تكاليف الإنتاج إلى أدنى مستوياتها.
النمذجة والشخصيات: نجح الكاتب في بناء شخصيات أيقونية (مثل بورقبة،الهمندعي وقوبعة وأمويلة وامراجع، وبوسالمين ،ومشري ،وحسن الحول ،والفقيه زيدان ، وغيرهم) تحمل في ملامحها وتفاصيلها المضحكة إسقاطات سياسية واجتماعية حادة على الواقع الليبي المعاش، مما خلق حالة من التماهي الكامل بين المواطن والكركترات الدرامية.
النموذج الاستثماري: كيف يصنع المحتوى المحلي أرباحاً عابرة للمنصات؟
تحول شط الحرية من مجرد برنامج تلفزيوني إلى علامة تجارية استطاعت إدارة الاستثمار الإعلامي حولها بأعلى درجات الكفاءة:
السيادة على نسب المشاهدة: تحول المسلسل إلى الورقة الرابحة للقنوات التي أذاعته (مثل قناة 218 وقناة المسار)، حيث أصبح يضمن للقناة أعلى معدلات جذب للإعلانات التجارية خلال وقت الذروة في رمضان.
الاستثمار في الفضاء الرقمي: نجح صناع العمل في حصد مئات الملايين من المشاهدات على يوتيوب ومنصات التواصل، وهو ما ترجم إلى تدفقات مالية مستمرة بعيداً عن الشاشة الفضائية.
توليد المحتوى المعاد: تحولت مقاطع المسلسل وإيفيهاته إلى كوميكس ومقاطع تيك توك تتداول يومياً، مما منح المسلسل تسويقاً مجانياً مستمراً على مدار العام.
التحديات ومستقبل التجربة: فخ التكرار والاستثمار المستدام
رغم النجاح الباهر، تضع هذه التجربة الإدارة الإعلامية وصناع العمل أمام تحديات مستقبلية لضمان الاستدامة:
فخ النمطية والحلول السهلة: التحدي الأكبر لأي أجزاء قادمة هو تجنب استهلاك الأفكار ونفس الإيفيهات، فالجمهور شغوف ولكنه سريع الملل.
الانتقال من العفوية إلى الصناعة المؤسسية: تحتاج هذه التجربة إلى التطوير نحو شركة إنتاج متكاملة تقوم بتوزيع الأعمال بشكل احترافي، واستغلال حقوق الملكية الفكرية وتوسيع قاعدة النشر عبر المنصات العربية المأجورة.
أثبتت تجربة شط الحرية أن الاستثمار الإعلامي الناجح في ليبيا لا يحتاج إلى تقليد النماذج الخارجية أو ضخ أموال هائلة في المظاهر البصرية الفارغة، بل يحتاج إلى فهم ثقافة الشارع، الجرأة في الطرح، وتقديم محتوى صادق بتكلفة متوازنة، لقد فتح هذا المسلسل الباب أمام جيل جديد من المنتجين والمستثمرين ليدركوا أن “المحلية الشديدة” هي الأداة الأكثر ربحية وتأثيراً في سوق الإعلام الحديث.















