متابعة | بية فتحي
نظم مخبر العلوم العرفانية بجامعة سبها أعمال الندوة الوطنية الأولى للعلوم العرفانية تحت شعار “تجسير الفضاءات بين التفكير والنمذجة”، بمشاركة نخبة من الأكاديميين والباحثين والمتخصصين من مختلف الجامعات والمؤسسات العلمية الليبية، في تظاهرة علمية هدفت إلى تعزيز البحث متعدد التخصصات، وبناء جسور معرفية تجمع العلوم الإنسانية والتطبيقية لفهم العقل الإنساني وآليات التفكير والإدراك في ظل التطورات المتسارعة للذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحديثة.
وشكلت الندوة مساحة علمية جمعت تخصصات الفلسفة واللسانيات وعلم النفس والأنثروبولوجيا والرياضيات والذكاء الاصطناعي في إطار رؤية بحثية تسعى إلى تجاوز حدود التخصص الواحد، وإرساء مقاربة معرفية تقوم على التكامل بين العلوم للإجابة عن أحد أكثر الأسئلة حضورًا في الفكر الإنساني، وهو ماهية العقل وكيفية عمله
وفي هذا السياق، أوضحت رئيس مخبر العلوم العرفانية بجامعة سبها ورئيس اللجنة العلمية العليا للندوة، الدكتورة نوارة محمد عقيلة، أن هذه الندوة تتميز بموضوعها وبنوعية المختصين المشاركين فيها، مشيرة إلى أنها تعد الأولى من نوعها التي تخصص أعمالها لمناقشة العقل والبحث في سؤالين رئيسيين هما: “ما العقل؟ وكيف يعمل؟”.
وأضافت أن الإجابة عن هذين السؤالين لا يمكن أن تكون من خلال تخصص علمي واحد، بل تستدعي اجتماع مجموعة من التخصصات المختلفة التي اعتادت العمل كل منها بصورة مستقلة، لافتة إلى أن الندوة جمعت باحثين ومتخصصين في الذكاء الاصطناعي والرياضيات وعلم النفس وعلم الاجتماع، إلى جانب الفلسفة واللسانيات، بهدف التدارس والتأمل في هذين السؤالين من زوايا معرفية متعددة.
وأكدت أن الندوة تمثل سابقة علمية في فتح هذه التخصصات على بعضها البعض، وترسيخ مفهوم الدراسات البينية والتكامل المعرفي بين الحقول الأكاديمية المختلفة، بما يسهم في إنتاج معرفة أكثر شمولًا وقدرة على تفسير آليات العقل والتفكير والإدراك.
وأعربت عن أملها في أن تسهم الحوارات العلمية والنقاشات التي شهدتها الجلسات في تحقيق الاستفادة المرجوة، وتعزيز التعاون بين الباحثين، وإطلاق مسارات جديدة للبحث في العلوم العرفانية وتطبيقاتها، بما يدعم مكانة الجامعة في إنتاج المعرفة وتطوير البحث العلمي متعدد التخصصات

وتوزعت أعمال الندوة على أربعة محاور رئيسية، استهلها محور “فلسفة العقل” الذي ناقش قضايا الذات والوعي والتفكير من خلال أوراق بحثية تناولت فلسفة التفكير، والعلوم الإنسانية، والعقل في الميزان المنطقي، ونحو فلسفة للعلوم الإنسانية، مقدمة قراءات فلسفية ومنطقية لطبيعة العقل الإنساني.
كما ركز محور “العقل واللغة” على العلاقة بين الإدراك واللغة، حيث استعرض الباحثون موضوعات الدراسات المصطلحية العربية، والسيميائيات العرفانية، والتكامل المعرفي في التراث العربي، والمقاربات الإدراكية في النحو العرفاني، في إطار إبراز دور اللغة في بناء المعرفة وتشكيل أنماط التفكير.

وفي اليوم الثاني، تواصلت الجلسات العلمية بمحور “التجسير بين العقل البشري والعقل الإلكتروني”، الذي ناقش قضايا علم الاجتماع الآلي وتطوير الوعي الاصطناعي، وإشكاليات الفهم والتبرير في الذكاء الاصطناعي، وحوسبة الوجدان، والرياضيات بوصفها لغة الكون ومفتاح العلوم، إلى جانب هندسة الفهم والتفسير العرفاني للنص العربي، في محاولة لاستكشاف العلاقة بين العقل الإنساني والتقنيات الرقمية الحديثة.

وانتقلت الندوة إلى محور “التفكير بين العقل الفردي والعقل الاجتماعي”، حيث تناول الباحثون موضوعات تعزيز الذاكرة وتقوية ملكة الحفظ، والانتباه من منظور علم النفس العرفاني، والعقل من منظور الأنثروبولوجيا العرفانية، إضافة إلى دراسة “العقل والجنون في الأدب من منظور العلوم العرفانية”، بما يعكس تنوع مجالات العلوم العرفانية واتساع تطبيقاتها في تفسير الظواهر الإنسانية والاجتماعية.

وشهدت الجلسات العلمية تفاعلًا أكاديميًا ونقاشات مستفيضة بين الباحثين والمشاركين، تمحورت حول أهمية التكامل بين العلوم الإنسانية والتكنولوجيا، ودور العلوم العرفانية في تطوير فهم العمليات العقلية وتطبيقاتها في مجالات الذكاء الاصطناعي والتعليم والبحث العلمي.
واختتمت الندوة بتكريم الباحثين والأساتذة المشاركين وتسليمهم شهادات المشاركة والتقدير، تثمينًا لإسهاماتهم العلمية التي أثرت محاور الندوة، وأسهمت في تعزيز الحوار الأكاديمي وتبادل الخبرات بين الباحثين من مختلف الجامعات والمؤسسات العلمية.














