حين يكبر الإنسان محكوما بما لم يرتكبه
تحقيق : حليمة عيسى
في جنوب ليبيا لا تمر القصص مرورا عابرا ولا يذوب الناس في الزحام الكل يعرف الكل والوجوه تحفظها الذاكرة والأسماء تسبق أصحابها في مثل هذه البيئة لا يكون مجهول النسب مجرد وصف قانوني بل عبءٌ نفسي يُرافق صاحبه منذ الطفولة ويكبر معه، ويعاد تذكيره به في المدرسة وفي الحي وفي نظرات لا تقال لكنها تُفهم.
هذه القصة تتحدث عن بعض هؤلاء الأشخاص وعن معاناتهم اليومية، عن التحديات النفسية والاجتماعية التي تواجههم، وعن صراعهم المستمر ليشعروا بالانتماء، رغم أن المجتمع الصغير لا ينسى ولا يغفر بسهولة.
هذه القصة لا تتحدث عن أرقام أو حالات معزولة، بل عن أثر نفسي طويل الأمد، عن أناس وُلدوا بلا ذنب، لكنهم عاشوا عمرهم يدفعون ثمن خطيئة لم يرتكبوها، في مجتمع لا ينسى، ولا يسامح بسهولة يسيرون في الحياة حاملين وصمة لم يرتكبوها ويدفعون ثمن أخطاء وظروف خارج إرادتهم..

بين الصدمة والحب حكاية الحاجة مبروكة.
تتحدث الحاجة مبروكة همسا وكأنها لا تريد حتى لسماع صوتها أن يسبق كلماتها. تستعيد ذاكرتها قائلة قبل سنوات جاءتني شابة جميلة من إحدى المدن القريبة كانت في حالة مخاض، وطلبت مني المساعدة. أخبرتني حينها أن زوجها قُتل في الحرب وأنها وحيدة ولا أحد معها.
توضح الحاجة مبروكة أنها استقبلتها دون تردد، فالحالة لم تكن تحتمل الأسئلة. وضعت الشابة طفلين، ولدًا وبنتًا، بصحة جيدة، وملامح لافتة. تقول إنها، منذ اللحظة الأولى، شعرت أن حضورهما كان ثقيلًا على قلب الأم.
بعد أسبوع واحد فقط تفاجأت بما سمعته. تقول الحاجة مبروكة إنها صُدمت عندما أخبرتها الأم بأنها لا تستطيع تحمّل مسؤوليتهما وخيّرتها قائلةإن شئتِ خذيهما، أو ابحثي لهما عن شخص يتبناهما.
وتضيف بنبرة امتزج فيها الارتباك بالحيرة أنها اكتشفت لاحقا أن الطفلين ثمرة علاقة عابرة. تقول ارتبكت ولم أعرف كيف أتصرف لكن قلبي كان قد تعلق بهما ، عندها قررت تربية الطفلة فيما أعطت الطفل لوالدتها لتتكفل بتربيته في ذلك الوقت.

صمت خيم على حوارنا الذي بتر فجأة ثم سألتها كيف سارت الأمور بعدها، أجابت بذات الهدوء الصحراوي الذي يكسو سمرة ملامحها.
كان اللون هو العقدة الوحيدة بيننا هؤلاء الأطفال لا يشبهونني ولا يشبهون عائلتي ولا بقية أطفالي ، رغم أنني منحتهم اسمي واسم زوجي وأحسنت تربيتهم وكنت أدرك أن نظرات من حولي محملة بالوصم والشك ولكني مطمئنة لأن زوجي دعمني منذ البداية.
التحدي اليومي اختلاف اللون والملامح.
مع مرور السنوات كبرت الطفلة وأصبحت شابة غاية في البهاء بعيون ملونة وملامح لا تشبه العائلة ، تقول الحاجة مبروكة إن الفرق أصبح واضحا جدا، وربما تسلل الشك إلى قلبها.
تستحضر سؤالا لا يزال عالقا في ذاكرتها حين سألتها ابنتها ذات مرة لماذا لا أشبهك يا أمي ولا أشبه إخوتي أنا وأخي التوأم؟
تقول إنها لم تجد سوى اختلاق قصة تحمي بها ابنتها من الحقيقة القاسية، أخبرتها أنها قد تطلقت وتزوجت بوالدها ثم عادت إلى زوجها الحالي، وسجلتهما باسمه ،وتضيف أعتقد أنها اقتنعت.

أمومة تحت ضغط الأعراف والنظرات.
تؤكد الحاجة مبروكة أنها تحب أبناءها من التبني حبا لا يقبل المساومة وليست مستعدة لخسارتهما أبدا ، وتعترف بأنها عانت كثيرا داخل مجتمع عنصري لا يعترف حتى بالأبناء الشرعيين ويتعامل مع الناس بطبقية فكيف بمن تخلى عنه أبواه.
وتسترجع ذاكرتها عندما كان الطفلان في عمر أربعة أشهر زارتهما والدتهما البيولوجية مرة واحدة محملة بالكثير من الهدايا ثم اختفت نهائيا ولم يظهر لها أثر حتى اليوم.
اليوم تقول الحاجة مبروكة إنها تستعد لتزويج ابنتها بابتسامة يختلط فيها الرضا بالحذر.
أنا سعيدة لأنني احتسبت فيها الله، وربيتها بإخلاص ولم أفشِ سرها.
هوية بلا جذور وذاكرة مثقلة بالأسئلة.
تتحدث مودة (اسم مستعار) بهدوء تقول إنها جاءت إلى هذه الحياة وحيدة بلا أهل ولا هوية ولا نسب ، حيث عثر عليها رضيعة مرمية في الشارع قبل أن تتبناها امرأة وهي في عمر أربعة أشهر، وتتكفل بتربيتها كما لو كانت ابنتها البيولوجية دون أن تشعرها يوما بأنها غريبة أو أقل انتماء.
توضح مودة أنها في طفولتها لم تكن تعرف أي شيء عن حقيقة نسبها ولم تشك يوما في أنها ابنة تلك المرأة. لكن مع التقدم في العمر، تغيّر كل شيء. تقول عندما عرفت أن أهلي غير معروفين انصدمت وتألمت وسألت نفسي لماذا أنا؟

المستشار القانوني عقيلة محجوب
مع صدمة الاكتشاف يبدأ الصراع الداخلي.
تصف مودة تلك المرحلة بأنها بداية صراع طويل مع الذات شعرت بأنها دفعت ثمن غلطة لم ترتكبها وأنها أصبحت ضحية ذنب لا علاقة لها به.
كنت ثمن ليلة عابرة تقولها دون انفعال مع كل الألم الذي كان يعتصرها لكنها تعترف بأن وقعها كان ثقيلا عليها.
تحملت نظرة المجتمع وتعايشت مع وصمة لم تخترها ، وتضيف أنها كانت تعيش صراعا يوميا مع هويتها المجهولة وشعورها الدائم بالوحدة والنقص رغم محاولاتها الظهور قوية أمام الآخرين.
بين التعاطف والوصم.
ترى مودة أن نظرة المجتمع منقسمة فهناك من يدرك أنها ضحية ظروف قاسية ومن لا يراها إلا من زاوية واحدة شخص مجهول النسب تقول إنها حاولت مرارا وتكرارا إقناع نفسها بأن كلام الناس لا يؤثر فيها لكن التظاهر بالقوة كان مرهقا نفسيا بالنسبة لها ، وأن الألم كان يتراكم بصمت.
زواج قصير ووصمة أطول.
تسترجع مودة واحدة من أقسى محطاتها عندما بلغت 14 عاما تقدم لها شاب للزواج تمت الموافقة وبدأت الاستعدادات وعاشت تفاصيل العرس كما تعيشها أي فتاة لكن بعد أسبوعين فقط من الزواج، انتهى كل شيء.
تقول إن الطلاق جاء بعدما علم زوجها بحقيقة نسبها وأن أهلها غير معروفين وأنها ليست ابنة هذه العائلة، وتضيف أنها لاتضع اللوم على طليقها فمن حقه أن يعرف أم أطفاله من أي عائلة.

الشيخ محمد الطيب
وجع صامت لا يراه أحد.
رغم محاولاتها تبرير ما حدث تعترف مودة بأن الألم الحقيقي كان فيما بعده في نظرة الناس وفي الهمس وفي التعب من التظاهر بأن كل شيء على ما يرام.
مودة تنهار بالدموع قائلة تعبت من التمثيل أني قوية من الداخل، كنت أعاني.
أكثر ما يؤلمها اليوم بحسب قولها هو سؤال الهوية لا أعرف من أي رحم أتيت ولا أي دم يجري في عروقي.
وتختم حديثها بعبارة تختصر وجعا طويلا. ربما تخلى عني والداي لأسباب لا أحد يعلمها لكن المجتمع لا يراني إلا شخصا لقيطا .
تبني الأطفال ومواجهة الرفض الأسري.
تحكي امرأة من الجنوب الليبي طلبت إخفاء اسمها عن تجربتها في تبني طفلين ذوي بشرة سمراء في محاولة لإعطائهم حياة كريمة بعد أن تركوا بلا أهل ، تقول بصوت منخفض مختلج بالأسى كنت أريد أن أمنح هؤلاء الأطفال الأمان والحب لكن ما لم أكن أتوقعه هو كم سيكون المجتمع القريب مني صارما خاصة أفراد عائلتي وعائلة زوجي.
وصمة إضافية من الأقارب.
تضيف الأم أنها واجهت رفضا مباشرا من المحيطين بها ليس فقط بسبب تبني الأطفال بل بسبب لون بشرتهم المختلف.
كانوا يلقبونهم بأسماء جارحة أحيانا أبناء حرام وأحيانا يُنادونهم بالعبيد.
وتشير إلى أن هذه النظرات والكلمات لم تكن مجرد إساءة لفظية، بل شكلت وصمة اجتماعية زادت من معاناة الأطفال.
تحديات التربية في مواجهة المجتمع.
توضح المرأة أن التحدي لم يكن في التربية وحدها، بل في التعامل مع النظرة الدائمة للآخرين فكل تصرف للطفل يسقط على أصله أو لونه والأخطاء البسيطة تتحول إلى دليل على سوء التربية أو “أصل غير شريف
تقول الأم ، كنت أشعر بالصدمة والارتباك أحاول حمايتهم من نظرات الآخرين لكن الألم كان يرافقهم في كل مكان حتى داخل بيتنا.
تصف كيف أن الأطفال تعلموا منذ صغرهم التأقلم مع الوصم، إخفاء المشاعر، ومحاولة الاندماج رغم الرفض.
ولدت بلا نسب ونشأت بين نظرات لا ترحم.

عائشة بن يحمد
يروي سالم حكايته بمنتهى المرارة والوجع يقول إنه تربى في كنف أم وأب لم يبخلا عليه بشيء أغدقا عليه من نعيم الحب والمال حتى صار شابا مميزا بين أقرانه، كانت كل طلباته مجابة دون أن يفرطا في تدليله عبثا.
يؤكد أنه تربّى تربية رجل في بيت رجل وامرأة يخافان الله، هما أمه وأبوه، وتعلم في أفضل المدارس ودخل الكُتاب لحفظ القرآن.
يسترجع سالم طفولته قائلا إنه حين كان طفلا كان أحيانا يتشاجر مع أحد أقرانه من أبناء الحي فينعته بابن الحرام أو اللقيط.
كنت أرد له المسبة نفسها لثقتي بأنني ابن أسرة محترمة ، استمر الحال على ما هو عليه إلى أن وقعت الفاجعة التي على حد تعبيره ” قسمت ظهري وأدمت قلبي” وفاة أبيه فجأة مرت أيام الحزن ثقيلة تكتم أنفاسه ولم تجف دموعه على والده حتى تناهى إلى مسمعه ما لم يكن يتخيله ، يقول سالم بصوت مكسور: قيل لي إنني محروم من ورثة أبي ولا يجوز توريثي رغم أنني وحيده الذكر والذي حسب الشرع والدين يرث كل أملاك أبيه.
كان يستعد آنذاك لخوض امتحانات الشهادة الثانوية، حين تلقّى الصدمة الكبرى بأنه لا يرث لأنه ابن ملجأ، ولم يكن يحمل في عروقه دماء أبيه ولأنه مجهول النسب جاؤوا به إلى جنوب ليبيا من أحد ملاجئ العاصمة.
يصمت لحظة ثم يضيف كم كانت الحقيقة صادمة وموجعة وشديدة القسوة ، يقول إن وجوه أعمامه التي طالما عرفها طيبة ظهرت له في تلك اللحظة بمنتهى الوحشية والبشاعة قالها لي شقيق والدي صراحة دون خجل أنت لقيط فكيف تشاركنا ورثنا؟
يضيف أن لوالده شقيقين، طعنا في وصيته التي كتبها لصالحه وكان حكم المحكمة في النهاية لصالحهما.
مرت سنة الشهادة الثانوية ثقيلة عليه كان يذهب إلى المدرسة تحت إلحاح أمه ثم يتوقف سالم فجأة ويضيف بتنهيدة ثقيلة نعم أمي فأنا لم أعرف أما لي غيرها.
يقول إنه كان يذهب إلى المدرسة متأخرًا، يوصله السائق الذي كان يعرف قصته جيدا يحاول فتح حديث لمواساته لكن الحوار كان ينقطع فجأة ويغلب عليه الصمت.
يؤكد سالم أنه قاطع زملاءه وكان يرى في نظراتهم وصما وشفقة وأشياء أخرى تثقل كاهله ، ويتابع ارتديت كمامة طوال العام الدراسي لأواري سوءة لم أرتكبها و ذنبا لم أقترفه.
لا يدري كيف مرّت سنة الشهادة الثانوية التي اجتازها بعد الدور الثاني بصعوبة.
نجح في الشهادة الثانوية لكنه كما يقول لم ينجح في اجتياز محنته.
عرفت الآن معنى اسمي المركب وعرفت أن شتائم أبناء الجيران في طفولتي لم تكن كلمات عابرة بل حقيقة دامغة.
لم يستطع الالتحاق بالجامعة لإكمال دراسته اليوم يعيش سالم مع أمه في البيت الذي سجله لها والده قبل وفاته بسنوات باسمها.
“لا أعمل لا أخرج إلى الشارع أذهب فقط إلى المحل المجاور لشراء بعض المستلزمات.
يختم حديثه قائلًا ، أشعر أن الجميع يجلدني ويرجمني بذنب آخرين لا يمتون لي بصلة، أبوان مجرمان تركاني في جحيم هذه الحياة دون أدنى إحساس بالمسؤولية.
الاعتراف القانوني الغائب اجتماعيا.
يوضح المستشار القانوني عقيلة المحجوب أن التشريع الليبي تعامل مع قضية الأطفال مجهولي النسب بوضوح، ولم يعتبرهم حالة استثنائية أو هامشية كما يتعامل معهم المجتمع أحيانًا.
ويشرح أن الطفل مجهول النسب أو ما يعرف اجتماعيا باللقيط يعتبر قانونيا مولودا في اليوم الذي يتم فيه البلاغ عنه ويتم تسجيله بنموذج رقم 25 المنصوص عليه في القانون، وذلك استنادًا إلى المادة 27 ، حيث تتولى لجنة مختصة تحديد اسمه وفي حال توفر الإمكانية يُدون اسم الشخص الذي عثر عليه ولقبه وسنه ومهنته ومحل إقامته إضافة إلى الزمان والمكان الذي وجد فيهما الطفل.
ويؤكد المستشار أن اللجنة وفي حال عدم وجود اعتراضات أو معارضات قانونية تصدر قرارها بتسجيل الطفل رسميا، ليمنح أوراقه الثبوتية بشكل قانوني كامل.
ويضيف أن قانون رقم (24) لسنة 2010، وتحديدا الفقرة الثانية من المادة الثالثة، نص صراحة على أنه يعد ليبيًا كل من ولد في ليبيا من أم ليبية وأب مجهول الجنسية ، أو عديم الجنسية أو مجهول الأبوين ، وبذلك فإن الأطفال مجهولي النسب يُعدون ليبيين منذ يوم ولادتهم ويتمتعون بكافة الحقوق القانونية المرتبطة بالجنسية.
جرح مفتوح لا تشفيه القوانين وحدها.
تقول الأخصائية الاجتماعية عائشة بن يحمد إن الأسئلة المطروحة حول أوضاع مجهولي النسب تفتح أبوابا لأجوبة عميقة لكن كل إجابة بحسب تعبيرها تقود إلى وجع أعمق.
وتضيف أن الحقيقة المؤلمة هي أنه لا توجد إجابة وافية، ولا وصفة علاجية قادرة على مداواة ذلك الجرح الغائر في وجدان كل شخص مجهول النسب.
وتوضح بن يحمد أن معاناة هذه الفئة تبدأ منذ لحظة وجودهم في الحياة ولا تنتهي مع التقدم في العمر إذ يظل الشخص مجهول النسب محاطا بنظرة اجتماعية قاسية تلاحقه بالتصنيف والشك وتربط بين أي خطأ مهما كان بسيطا وبين أصله دون محاولة للفهم أو التماس العذر.
وترى الأخصائية أن المجتمع في كثير من الأحيان يسقط تصرفات الفرد على نسبه لا على سلوكه الإنساني وهو ما يضاعف شعور الإقصاء ويحول الخطأ العادي إلى إدانة أخلاقية دائمة.
وتصف هذا الواقع بأنه عبء نفسي ثقيل يُحمل لطفل بريء لا ذنب له بل ويدفع ثمن أخطاء لم يرتكبها، بل ارتكبها غيره.
وتشير بن يحمد إلى أن الوصم الاجتماعي لا يتوقف عند حدود الطفولة أو المراهقة، بل يمتد إلى أخطر محطات الحياة وعلى رأسها الحق في تكوين أسرة فالشخص مجهول النسب كما تقول غالبا ما يحرم اجتماعيا من فرص الزواج والاستقرار وبناء حياة طبيعية ليظل مرفوضا أو مشكوكا فيه حتى في أبسط حقوقه الإنسانية.
وتؤكد أن المجتمع رغم طابعه الديني والقيمي لا يزال يتعامل مع هذه الفئة بمنطق الشفقة الصامتة بدل الاحتواء الحقيقي فلا يمنحهم القبول الكامل ولا يهيئ لهم بيئة نفسية آمنة.
إذا لن يكون هناك أي تعاطف في المجتمع الإسلامي مع هدة الفئة لا من حيث الميراث ولا من حيث الزواج بنسب طيب ولا من حيث الاستقرار النفسي لذا فإن المجتمع الإسلامي سوف يقوم في هذه الحالة فقط بمحاولة الطبطبة والمسح على رأس هذا البريء وإن كان إسلامنا سمح ويدعو إلى الخير ولكن يرفض رفضا تاما هذا النوع من التكاثر غير المشروع.
وتختم الأخصائية حديثها بالتأكيد على أن ما يحتاجه مجهولو النسب ليس مجرد تعاطف عابر بل تغيير جذري في النظرة المجتمعية يعيد الاعتبار لإنسانيتهم ويفصل بين خطأ الآباء وحق الأبناء في حياة كريمة.
الرأي الديني الكفالة والرعاية أولا .
يشير علماء الدين إلى أن الإسلام يحث على كفالة الأيتام ورعاية الأطفال، بمن فيهم مجهولو النسب، معتبرا أن شأنهم شأن الأيتام في الحقوق والواجبات.
ويؤكد الشرع على ضرورة توفير بيئة آمنة وداعمة لهؤلاء الأشخاص من دون المساس بهويتهم الحقيقية أو نسبهم القانوني .
وفي هذا السياق، توضح الفتاوى الليبية أن التبني بمعناه الشرعي جائز إذا كان الهدف حماية الطفل وتربيته وليس نسبه إلى المتبني. كما يُشدد على أن المجتمع والأسرة البديلة يجب أن يوفروا الحماية النفسية و الرعاية والتعليم والحياة الكريمة لهؤلاء الأطفال تماما.
ويشدد على أن محور الاهتمام هو حفظ حقوق الفرد وتأمين حياته وتنمية شخصيته مع منع أي وصم اجتماعي أو تمييز بسبب أصل الطفل أو ظروف ولادته.

ومن جانبه يشير الشيخ محمد الطيب إلى أن الشريعة الإسلامية كفلت لمجهولي النسب حقوقا واضحة إذ تبدأ بحق الحياة والكرامة حيث كفل الإسلام لكل إنسان بغض النظر عن أصله أو نسبه له مكانته وحقه في العيش بكرامة.
كما يوضح أن الإسلام يحث على الرعاية والكفالة، مؤكدا أن مجهولي النسب يدخلون في معنى اليتيم من حيث الحاجة إلى الحماية والدعم وأن المجتمع مسؤول عن توفير الرعاية لهم.
ويشير الشيخ إلى أن الإسلام كفل لهم أيضًا حق التعليم والمعاملة العادلة فلا يجوز شرعا احتقارهم أو التنمر عليهم أو حرمانهم من التعليم أو العمل.
ويخلص الشيخ إلى أن المجتمع يجب أن يوفّر لهؤلاء الأطفال بيئة آمنة وداعمة ويكفل لهم حقوقهم كاملة دون وصم أو تمييز. مؤكدا أن الكفالة والرعاية ليست خيارًا بل واجب شرعي وأخلاقي.
هذه الظاهرة ليست محصورة في الجنوب الليبي أو في مدينة معينة بل هي أمثلة من بين آلاف الحكايات المنتشرة في المجتمع الليبي. يبقى الطفل مجهول النسب محاصرا بين وصمة المجتمع وتحديات الحياة.
هذه الفئة ضحية ظروف لا ذنب لهم فيها من علاقات خارج الزواج إلى الحروب والفقر والتهميش منذ الولادة يدفعهم أحيانًا للصمت والانكماش عن المجتمع.

لذلك، يصبح من الضروري أن يقوم المجتمع والدولة بدورهما عبر حماية حقوقهم وتوفير الرعاية والدعم النفسي وإدماجهم بشكل كامل، فهؤلاء لم يولدوا بلا أسماء فقط بل كبروا وهم يحملون ثقل نظرات لم تمنحهم فرصة ليكونوا طبيعيين.














