كتبه | عثمان البوسيفي
فارق في الأزمنة والأمكنة جعلني لا ألتقي الراحل البهي وهو في سدة المهنة الأجمل في العالم إنها الصحافة التي سلبت لُبّي منذ سنوات طويلة ولو أعيد الزمن للوراء لن أختار غيرها رغم بشاعة المكان والزمان اللذان جعلا مني مجرد خيالا تتقاذفه التفاصيل وترسم خطواته.
المهدي صحفي منذ زمن الستينات وما بعدها من سنوات عجاف دفعت فيهم الصحافة ثمنا كبيرًا من أجل أن تكون رافدا من روافد بلد تحول في السنوات الأخيرة إلى رماد .
حاولت في السنوات الأخيرة التي تواصلت فيها لمرات قليلة جدا مع الراحل من أجل أن أغوص في تفاصيل مراحل لم أعشها ولم آتِ فيها للدنيا بعد لكن وجوده خارج الوطن وتسلل الوجع إلى عمقي جعلني أغرق أكثر في هموم الحياة اليومية في بلاد شبه ميتة وأناس لم تعد تحمل غير أرقام وطنية صارت معروضة ببلاش في سوق من يبحث عن جنسية هي الأرخص في العالم .
فسانيا الجميلة تكفلت مع منصة الفيس بوك في السنوات الأخيرة من تقريبي من المهدي من خلال مقالات تعبر عن واقع معاش نحاول الفكاك من حفره بأقل الخسائر .
الكتابة ظلت عند المهدي الكاجيجي نظاما وثيقا ولم تمنعه ظروفه وتنقلاته وسنه من مدنا بين الحين والآخر بكلمات ستظل حية من بعده ويجد فيها من يأتي بعده أنه ظل وفيا لمهنته ولوطنه الغارق في مستنقع التدمير والفاقد للتعمير .
أنا أعلم علم اليقين أن التصدي للكتابة عنه فكرة مجنونة ولكني أشعر بأن الكتابة عنه فعل إلزامي وإن كان هذا العمود الصحفي لا يفيه حقه مهما جمعت من حروف لغة الضاد .
يؤسفني جدا الكتابة عنه وهو الآن في عداد قوائم الراحلين عن دنيا زائلة نركض فيها وفي الغالب تتكفل بوركنا بعيدا عن تفاصيلها التي نحب.
الكتابة هي الفعل الوحيد الذي يعيد ترميمي في بلاد هدفها الوحيد قتلك وأنت حي فيما أنت في عداد الأموات.
هنا الشوارع لا تعرفني وبالكاد تتقبل حديثي عن مؤسسات متهالكة جدا هي حلم المواطن الطيب الذي هجرت أحلامه وقتل نبضه وبات جثة هامدة.
كُثر حولي لا يعجبهم ما أكتب من باب خوفهم عليّ من قتلي وهم لا يعرفون أني ميت منذ سنوات طويلة تقترب من لحظة ميلادي.
البهي المهدي أعتذر منك وأعرف أن الاعتذار هنا لا قيمة له لكننا بكل بؤس لا نحمل قيمة لمفكرينا ومبدعينا دوينطبق علينا المثل الشعبي ( لما كان حي خاطره في بلحة ولما مات علقوله عرجون) .
سامحني أنا عاجرة عن الكتابة عنك بما يليق بك أيها الراحل البهي.














