- د. عبير يحي خالد
أمي:
كنتُ قوية أمامكِ.
تعلمتُ مبكرًا أن أخبئ ارتباكي
كي لا يتضاعف خوفك،
أن أبدو مطمئنة
حتى حين كنتُ أبحث عن يد تعبث بشعري أو تربت على كتفي.
لم أخبركِ
كم مرة احتجتُ أن أكون ابنتك فقط،
بلا حكمة،
بلا شجاعة،
بلا ذلك التماسك الهش
الذي يريح الأمهات
ويتعب البنات.
كنتُ أراقبكِ
وأنتِ تنقذين البيت كل يوم،
تعيدين ترتيب الكارثة الصغيرة التي نصنعها نحن،
وتسمين ذلك حياة.
تعلمتُ منكِ الصبر،
لكنني ورثتُ أيضًا
خوفكِ من الفشل.
كنتُ أعرف
أن عليكِ أن تبقي قوية،
لذلك أخفيتُ هشاشتي،
خبأتها في الدفاتر،
في السهر الطويل،
وفي الصداع الذي لا يُفسَّر.
لم أجرؤ
أن أكون عبئًا إضافيًا على قلبك.
هل تعلمين
كم هو متعب
أن تكون الابنة العاقلة؟
أن تفهم أكثر مما ينبغي،
وأن تصمت
كي يستمر التوازن؟
كنتُ أراكِ تتعبين،
فأكبر بسرعة،
أكبر إلى درجة
أنني فقدتُ الطريق إلى حضنك أحيانًا.
سامحيني
لأنني لعبتُ دور المرأة
قبل أن أنتهي من كوني طفلة.
لو عاد بي الزمن،
لتركتُ نفسي أبكي أكثر،
وأربكك أكثر،
وأطلب منكِ المستحيل
كما هو مألوف عند طفلة.
لكنني – رغم كل شيء –
كنتُ أحبكِ بالطريقة الوحيدة التي عرفتها:
أن أحميكِ مني.. من عبئي.
كبرتُ يا أمي،
وصرتُ أعرف
أن الأمهات لسن آلهة،
بل نساء
يحاولن النجاة بأطفالهن
وبأنفسهن أيضًا.
ليتكِ سمحتِ لي
أن أراكِ أضعف قليلًا،
لكنتُ أحببتكِ بطريقة أسهل،
ولعرفتُ الطريق إلى كتفك
دون أن أضلّ السبيل إليه كل مرة.
اليوم،
كلما فهمتُ العالم أقل،
فهمتُكِ أكثر.
تعالي نجلس قليلًا
بلا أدوار بطولية
كوني أمي فقط،
وسأحاول
أن أكون ابنتك كما يجب.
كنتِ نورًا كافيًا،
لكنني
تعبتُ من محاولة أن أكون
على قدره.
#دعبيرخالديحيي














