لماذا تُحارب الكلمة الحرة في ليبيا ؟ بين تضييق السياسات وعداء بعض أفراد المجتمع

لماذا تُحارب الكلمة الحرة في ليبيا ؟ بين تضييق السياسات وعداء بعض أفراد المجتمع

  • د. سلمى مسعود

ليست المشكلة في ليبيا أن أصحاب الكلمة الحرة يتعرضون للتضييق من بعض الجهات الرسمية فحسب، بل إن المشكلة الأكبر أن هذا التضييق يجد، في كثير من الأحيان، من يسانده داخل المجتمع نفسه. ولذلك كثيراً ما أسأل نفسي: لماذا أصبحت الكلمة الحرة عبئاً على صاحبها؟ ولماذا يتحول كل من يتحدث عن هموم الناس أو ينتقد واقعاً نعيشه إلى متهم، بدلاً من أن يكون محل استماع؟

خلال عملي في الإعلام، ونشاطي على مواقع التواصل الاجتماعي، وفي كل مرة أكتب فيها عن قضية تمس المواطن، أو أنتقد الفساد، أو أطرح سؤالاً حول العدالة، أو أناقش ظاهرة اجتماعية أو سياسية، لا أجد أن أغلب الردود تناقش الفكرة نفسها، بل تتحول سريعاً إلى هجوم على الكاتب. وكأن المشكلة ليست فيما كُتب، وإنما فيمن كتبه.

وهل أصبح كل إنسان يختلف مع الآخرين في الرأي تُستباح حرمته، ويُضيَّق عليه، ويُطعن في عرضه، وتُلصق به التهم لمجرد أنه قال كلمة أو عبر عن موقف؟ إن هذا وحده يكشف حجم الجهل الذي ما زلنا نعيشه، ويبين أننا ما زلنا بعيدين عن ثقافة الحوار وقبول الاختلاف.

وفجأة تبدأ الاتهامات الجاهزة. يقال إنك عميل، أو مجنس، أو دخيل، أو صاحب أجندة، أو أنك تريد هدم الدولة. وإذا لم تكفِ هذه التهم، انتقل البعض إلى أخطر ما يمكن أن يقوله مسلم لأخيه المسلم، وهو التكفير.

وهنا أقف متعجباً: كيف أصبح التكفير بهذه السهولة؟ كيف يجرؤ إنسان يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله على إخراج مسلم من الإسلام بسبب رأي سياسي، أو مقال صحفي، أو موقف إعلامي؟ ألهذه الدرجة أصبحت حرمة المسلم رخيصة؟

لقد حذر النبي ﷺ من هذا الأمر تحذيراً شديداً، فقال:

«إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما

فهذا الحديث ليس أمراً هيناً، بل هو تحذير عظيم من التسرع في إطلاق الأحكام على الناس، لأن التكفير ليس حقاً لعامة الناس، ولا وسيلة للانتصار في الخلافات الفكرية أو السياسية.

وفي الوقت نفسه، يأمرنا القرآن بحفظ ألسنتنا، فيقول الله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ… وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾
[الحجرات: 12]

كما يقول سبحانه:

﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾
[النور: 23]

هذه النصوص تجعل المسلم يتوقف قبل أن يتهم أو يطعن أو يكفر غيره، لكن المؤسف أن البعض يرفع شعار الدفاع عن الدين، ثم يخالف تعاليم الدين عندما يختلف مع شخص في الرأي. فيتحول الخلاف الفكري إلى طعن في الدين، والخلاف السياسي إلى تشويه السمعة، والاختلاف الإعلامي إلى استباحة الكرامة.

إن أكثر ما يؤلمني ليس أن يختلف معي الناس، فالاختلاف أمر طبيعي، بل إنني أرحب بالنقد إذا كان مبنيًا على الحجة والمنطق. لكن الذي يؤلم حقًا هو أن يتحول الاختلاف إلى كراهية، وأن يصبح الحوار مستحيلًا، وأن يُقاس الناس بمدى موافقتهم لا بصدق حجتهم.

لقد وصلنا إلى مرحلة خطيرة، أصبح فيها كثير من الناس لا يسألون: هل ما كتبه صحيح؟ بل يسألون: كيف نُسقط هذا الشخص؟ كيف نشوه سمعته؟ كيف نُفقد الناس ثقتهم فيه؟ وهنا تنتصر الشخصنة، وتُهزم الحقيقة.

ومن خلال تجربتي كإعلامية وناشطة صحفية، اكتشفت أنني اكتسبت خصوماً كثيرين، ليس لأنني أسأت إلى أحد، أو اعتديت على حقوق أحد، وإنما لأنني اخترت أن أقول رأيي بصراحة، وأن أكتب عن قضايا قد يفضل البعض ألا تُفتح أصلاً. وهذا جعلني أؤمن بأن المشكلة ليست في الكلمة الحرة، بل فيمن يخشى أثرها.

الكلمة الحرة لا تهدم الأوطان، بل تحميها. الذي يهدم الأوطان هو الفساد الذي لا يُنتقد، والظلم الذي لا يُواجه، والخطأ الذي يُمنع الناس من الحديث عنه. فالوطن لا يحتاج إلى أصوات تصفق لكل شيء، بل يحتاج إلى أصوات صادقة تنبه إلى الخلل، وتقترح الحلول، وتدافع عن حقوق الناس.

إنني لا أطلب من أحد أن يتبنى آرائي، ولا أدّعي أنني لا أخطئ، ولكنني أطالب بأن يكون الرد على الكلمة بالكلمة، وعلى الفكرة بالفكرة، وعلى الحجة بالحجة. أما التخوين، والتكفير، والتشهير، واستباحة الأعراض، فليست دليل قوة، بل دليل عجز عن مواجهة الرأي بالرأي، ومنطقاً لا يبني وطناً ولا يصنع مجتمعاً واعياً.

وسيظل السؤال الذي أطرحه، وأتمنى أن نجد له يوماً جواباً صادقاً:

لماذا نخاف من الكلمة الحرة إلى هذا الحد؟ ولماذا أصبح المختلف في الرأي خصماً، بينما كان الأولى أن يكون شريكاً في البحث عن الحقيقة وبناء الوطن؟

شـــارك الخبر علي منصات التواصل

صحيفة فــــسانيا

صحيفة أسبوعية شاملة - منبع الصحافة الحرة

شاركنا بتعليقك على الخبر :