سياق عام لظاهرة العنف الأسري في ليبيا
تحقيق | منى توكاشها
تشهد ليبيا خلال السنوات الأخيرة تزايدًا في حضور قضايا العنف بمختلف أشكاله، ولا سيما العنف الأسري الذي بات يفرض نفسه كأحد أبرز المظاهر المثيرة للقلق داخل المجتمع. فلم تعد الجرائم المرتبطة بالعنف محصورة في نطاق النزاعات الفردية أو الحوادث المعزولة، بل امتدت لتشمل داخل الأسرة الواحدة، حيث تورطت أطراف من الدائرة العائلية المباشرة في وقائع قتل واعتداء واختفاء، شملت أحيانًا الأزواج والآباء والأبناء والإخوة. ويعكس هذا التحول في طبيعة الجرائم تساؤلات أعمق حول التغيرات الاجتماعية والنفسية التي يشهدها المجتمع الليبي، في ظل سنوات من الاضطراب، وتراجع آليات الحماية، وضعف التدخلات الوقائية والإرشادية داخل الأسرة والمجتمع.

ثانيًا: مؤشرات أمنية ووقائع تعكس اتساع الظاهرة
وفي سياق متصل، أعلنت مديرية أمن بنغازي عن قضية أخرى لا تقل خطورة، تتعلق باختفاء طفل يبلغ من العمر ثماني سنوات، حيث كشفت التحقيقات عن وفاته نتيجة تعرضه للضرب داخل محيط الأسرة، قبل أن يتم دفن جثمانه في فناء المنزل. وتشير تفاصيل التحقيق إلى أن عدم نقل الطفل لتلقي العلاج في الوقت المناسب، بدافع الخوف من الإجراءات القانونية، كان عاملًا حاسمًا في وفاته، فيما أقرت بعض الأطراف بالمشاركة في إخفاء الجثمان داخل محيط المنزل بهدف التستر على الواقعة. وقد أثارت هذه القضية صدمة واسعة في الشارع الليبي نظرًا لكونها وقعت داخل دائرة الأسرة الممتدة، ما يعكس اتساع نطاق العنف ليشمل الفئات الأكثر هشاشة.
كما شهدت مدينة بنغازي خلال الفترة ذاتها قضية أخرى تم الكشف عنها بعد عمليات بحث وتحقيق استمرت لأكثر من أسبوعين، حيث تمكنت الأجهزة الأمنية من العثور على جثمان طفل مدفون داخل أحد المنازل في منطقة القرية – المساكن. وقد بيّنت التحقيقات الأولية تورط عدد من أفراد العائلة في القضية، وسط اعترافات تم تداولها ضمن الإجراءات القانونية، ما أظهر مرة أخرى أن بعض الجرائم لم تعد تقع خارج الإطار الأسري فقط، بل داخل بيئة يفترض أن تكون الأكثر أمانًا للأطفال.

وفي إطار متصل، أعلنت الأجهزة الأمنية في فترات متقاربة عن إحباط محاولات اختطاف أطفال حديثي الولادة، وضبط متهمين في قضايا اختطاف وابتزاز، وإعادة الأطفال إلى ذويهم. وتعكس هذه القضايا، رغم اختلاف تفاصيلها، تنوع أشكال العنف الموجه ضد الأطفال والنساء، سواء داخل الأسرة أو خارجها، وما يتطلبه ذلك من تدخلات أمنية وقضائية مستمرة للتعامل مع هذا النوع من الجرائم المعقدة.
وبالتوازي مع هذه القضايا المعلنة رسميًا، تداولت منصات إعلامية وحقوقية أنباء عن جريمة مقتل شقيقتين في مدينة الزاوية، وهي واقعة ما تزال تفاصيلها محل تداول واسع، دون صدور بيان رسمي من الجهات الأمنية في المدينة حتى لحظة إعداد هذا التقرير. ويعكس هذا التباين بين الروايات الإعلامية وغياب التوضيحات الرسمية حجم التحديات المرتبطة بتوثيق جرائم العنف الأسري، في ظل تعدد المصادر وصعوبة الوصول إلى معلومات مكتملة ودقيقة في بعض الحالات.
وتشير مجمل هذه الوقائع إلى أن العنف الأسري في ليبيا لم يعد يُنظر إليه كحالات فردية معزولة، بل كظاهرة تتطلب قراءة أعمق لطبيعتها وأسبابها وتداعياتها، خاصة في ظل استمرار تكرار الجرائم داخل نطاق الأسرة، وما تتركه من آثار نفسية واجتماعية ممتدة، لا تقتصر على الضحايا المباشرين، بل تطال البنية الاجتماعية ككل.

ثالثًا: الإطار القانوني والاجتماعي للعنف الأسري.
وفي سياق البحث في أبعاد تصاعد قضايا العنف الأسري في ليبيا، ترى حقوقية ليبية (س.م)، فضلت عدم ذكر اسمها الكامل، أن ما تشهده البلاد من تكرار لجرائم داخل الإطار الأسري يعكس خللًا أعمق يرتبط بضعف منظومة الحماية القانونية والاجتماعية، إلى جانب غياب سياسات وقائية فعالة قادرة على التدخل المبكر قبل تفاقم النزاعات داخل الأسرة.
وتوضح الحقوقية أن العنف الأسري لا يبدأ في الغالب كجريمة قتل أو اعتداء جسيم، بل يتدرج عبر مستويات مختلفة من العنف النفسي والجسدي والاقتصادي، إلا أن غياب آليات الرصد والتبليغ الفعّالة يؤدي في كثير من الحالات إلى وصول هذه النزاعات إلى مراحل متقدمة وخطيرة دون تدخل مؤسسي حاسم. وتضيف أن العديد من الضحايا يفتقرون إلى قنوات آمنة للإبلاغ أو طلب الحماية، سواء بسبب الخوف أو الوصمة الاجتماعية أو ضعف الثقة في الإجراءات القانونية.
وتوضح الحقوقية أن العنف الأسري لا يبدأ في الغالب كجريمة قتل أو اعتداء جسيم، بل يتدرج عبر مستويات مختلفة من العنف النفسي والجسدي والاقتصادي، إلا أن غياب آليات الرصد والتبليغ الفعّالة يؤدي في كثير من الحالات إلى وصول هذه النزاعات إلى مراحل متقدمة وخطيرة دون تدخل مؤسسي حاسم. وتضيف أن العديد من الضحايا يفتقرون إلى قنوات آمنة للإبلاغ أو طلب الحماية، سواء بسبب الخوف أو الوصمة الاجتماعية أو ضعف الثقة في الإجراءات القانونية.
وتشير (س.م) إلى أن أحد أبرز التحديات يتمثل في عدم وجود إطار قانوني متخصص وشامل يجرّم العنف الأسري بشكل واضح ويحدد آليات الحماية والإيواء والمتابعة، معتبرة أن القوانين الحالية، رغم وجود نصوص عامة تتعلق بالاعتداء والقتل، لا تكفي لمعالجة الطبيعة المركبة لهذا النوع من العنف الذي يحدث داخل نطاق يفترض أن يكون الأكثر أمانًا للفرد.

كما تؤكد أن غياب الإحصاءات الرسمية الدقيقة حول العنف الأسري يمثل عائقًا إضافيًا أمام فهم حجم الظاهرة ووضع سياسات عامة فعالة، مشيرة إلى أن جزءًا كبيرًا من الحالات لا يتم الإبلاغ عنها أصلًا، ما يجعل ما يظهر في الإعلام أو البلاغات الأمنية مجرد جزء محدود من الصورة الكاملة.
وتختم الحقوقية حديثها بالتأكيد على أن معالجة العنف الأسري في ليبيا تتطلب مقاربة شاملة لا تقتصر على الجانب الأمني أو القضائي فقط، بل تشمل أيضًا التوعية المجتمعية، وتعزيز خدمات الدعم النفسي والاجتماعي، وتمكين المؤسسات المختصة من التدخل المبكر، بما يسهم في الحد من تحول النزاعات الأسرية إلى جرائم قتل أو اعتداءات جسيمة.
رابعًا: البعد النفسي والاجتماعي للعنف.
وتوضح الباحثة والناشطة في مجال علم النفس تودد الأخضر أن العنف يترك آثارًا نفسية وسلوكية عميقة على الأفراد، خاصة الأطفال، إذ تظهر عليهم مشاعر القلق والتوتر والخوف وفقدان الإحساس بالأمان، إلى جانب ضعف الثقة بالنفس والإحباط. وتؤكد أن الطفل يتأثر بشكل كبير بالبيئة التي ينشأ فيها، فعندما يشاهد العنف بصورة متكررة داخل الأسرة أو المجتمع قد يبدأ في اعتباره سلوكًا طبيعيًا أو وسيلة مقبولة لحل المشكلات وفرض الرأي، ما يزيد من احتمالية ممارسته لهذا السلوك في مراحل لاحقة من حياته. وتشير إلى

أن السلوك العدواني غالبًا ما يكون نتيجة تراكم ضغوط نفسية ومشاعر إحباط وتوتر لم يتم التعامل معها بشكل صحي، لافتة إلى أن غياب الحوار وكثرة النزاعات والتفكك الأسري تعد من أبرز العوامل التي تسهم في انتشار العنف وتغذي استمراره. وتحذر الأخضر من خطورة تطبيع العنف داخل المجتمع، لأن اعتياد الأطفال والشباب على مشاهدته بشكل يومي قد يجعلهم أكثر تقبلًا له وأقل حساسية تجاه آثاره على الآخرين، وهو ما قد يؤدي على المدى البعيد إلى تراجع التعاطف الإنساني وزيادة اللجوء إلى العنف في التعامل مع الخلافات، فضلًا عن استمرار معاناة الكثيرين من مشكلات نفسية مثل القلق والخوف وضعف الثقة بالنفس.
خامسًا: البعد الاجتماعي والتماسك المجتمعي.
وترى الباحثة الاجتماعية جميلة بن عيسى أن الخطابات والممارسات العنصرية تمثل أحد التحديات الخطيرة التي تهدد التماسك الاجتماعي في ليبيا، إذ تسهم في إحداث شرخ داخل النسيج الاجتماعي وتقويض روابط الإخاء والثقة المتبادلة بين المكونات الثقافية والاجتماعية المختلفة. وتوضح أن هذا التمييز يخلق لدى أصحاب البشرة السوداء شعورًا بالتهميش والإقصاء وعدم المساواة، ما ينعكس سلبًا على شعورهم بالانتماء والمواطنة. كما تشير إلى أن تداول الخطابات والمنشورات والعبارات العنصرية يسهم في تغذية النزاعات المحلية وإعادة إنتاج الانقسامات الاجتماعية، مستشهدة بما حدث عام 2011 عندما جرى ربط ذوي البشرة السوداء بصورة نمطية بالارتزاق والتشكيك في هويتهم الليبية. وتؤكد أن استمرار هذه الخطابات قد يؤدي إلى تضخيم الخلافات الاجتماعية وتكريس الانقسامات القبلية والمناطقية، بما قد يتطور إلى صدامات ونزاعات تهدد الأمن والاستقرار المجتمعي. وتضيف أن من أخطر نتائج هذه الممارسات اضطرار بعض المواطنين إلى إثبات أنهم ليسوا مهاجرين داخل وطنهم، الأمر الذي قد يدفعهم إلى حالة من الاغتراب النفسي والشعور بالغربة داخل المجتمع الذي ينتمون إليه، وهو ما يضعف ارتباطهم العاطفي بالوطن وقد يدفع بعضهم إلى التفكير في الهجرة بحثًا عن بيئة يشعرون فيها بالاعتراف والقبول والكرامة الإنسانية. كما ترى أن انتشار العنصرية يقوض القيم الأخلاقية والدينية الداعية إلى احترام الآخر ونبذ التمييز بين الناس.

خاتمة:
تشير مجمل هذه المعطيات والشهادات والوقائع إلى أن العنف في ليبيا لم يعد مجرد حوادث منفصلة، بل أصبح ظاهرة متعددة الأبعاد تتداخل فيها العوامل القانونية والنفسية والاجتماعية، وتنعكس آثارها على بنية الأسرة والمجتمع معًا. وبين غياب التشريعات المتخصصة، وضعف الحماية، وتكرار الجرائم داخل النطاق الأسري، تبدو الحاجة ملحة إلى مقاربة شاملة تعالج جذور الظاهرة، لا مظاهرها فقط، بما يضمن حماية الأفراد وتعزيز تماسك المجتمع.














