- متابعة | د محمود الخفيفي |خاص فسانيا
لم تكن مدينة درنة ، التي لا تزال تحمل في ذاكرتها آثار إعصار دانيال ذاك ، مجرد مكان لاحتضان مؤتمر علمي يناقش دور الإعلام في الأزمات والكوارث بل بدت خلال يومي المؤتمر وكأنها تقدم بنفسها الحالة الواقعية التي يعود إليها الباحثون كلما طرحوا سؤالًا حول مسؤولية الإعلام في مواجهة الكارثة ….
ففي الخامس والسادس من أكتوبر لهذا العام 2026 ، احتضن مسرح درنة الوطني أعمال المؤتمر العلمي دور الإعلام في إدارة الأزمات والكوارث ، بمشاركة أكاديميين وباحثين وإعلاميين وخبراء من ليبيا وعدد من الدول العربية والأوروبية ، ناقشوا عبر اربع جلسات علمية وحلقات نقاش ودورات تدريبية ، جملة من القضايا التي أصبحت تفرض نفسها بقوة على المشهد الإعلامي ، من بينها الإنذار المبكر ، وإدارة المعلومات ، والمسؤولية الاجتماعية والأخلاقية ، والإعلام الرقمي ، والذكاء الاصطناعي، والتغير المناخي ، ودور الإعلام في بناء الثقة والصمود المجتمعي ….
استُهلت أعمال المؤتمر بتلاوة آيات من الذكر الحكيم ، أعقبها النشيد الوطني ، ثم كلمة اللجنة المنظمة ، وكلمة و كيل المجلس البلدي حيث بدا أن المؤتمر يتجه إلى معالجة دور الإعلام من منظور أوسع من مجرد نقل الأخبار ، فالأزمة وفق ما عكسته محاور المؤتمر، تبدأ قبل وقوع الكارثة من خلال التحذير والإنذار والتوعية ، وتستمر إثناءها عبر إدارة المعلومات والتواصل مع الجمهور ، ولا تنتهي بانتهاء الحدث ، إذ يظل الإعلام حاضرًا في مرحلة التعافي وإعادة بناء الثقة والصمود المجتمعي .
في اعتقادي أن الجلسة الأولى ، التي ترأسها د. سعيد مفتاح شناني ، حملت عنوانًا بارزا على جوهر المؤتمر (من المعلومة إلى القرار) دور الإعلام والذكاء الاصطناعي في إدارة الأزمات ، و التي شارك بها عن عن بُعد ، براء ميكائيل، عميد جامعة ومدير مركز الأداء الاستراتيجي للكوارث والأزمات في إسبانيا ، في النقاش حول العلاقة بين المعلومة وصناعة القرار ، ودور التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي في دعم التعامل مع الأزمات .
و من التجربة الليبية ، قدم د . هشام بوشعالة ، عضو هيئة التدريس بجامعة بنغازي ، دراسة حول مؤشرات المسؤولية الاجتماعية في التناول الرقمي لكارثة إعصار دانيال في درنة ، من خلال تحليل محتوى وسائل الإعلام الرقمية ، متخذًا صفحة «بوابة الوسط» نموذجًا للدراسة ، فيما قدم عمر سفيان ، الناشط الحقوقي بجامعة زوارة ، فناقش المسؤولية الاجتماعية والأخلاقية للإعلامي أثناء الكوارث ، وهي قضية بالغة الاهمية عندما يتعلق الأمر بأحداث تحمل أبعادًا إنسانية شديدة الحساسية .
ايضا اثبتت الأفلام الوثائقية حضورها ، فتناول الأستاذ فضيل السليماني ، عضو هيئة التدريس بجامعة بنغازي ، إسهامات صناع الأفلام الوثائقية في تعزيز الوعي المجتمعي أثناء الأزمات والكوارث، من خلال دراسة ميدانية ، كما تناول المقدم فرج العوكلي التابع الي جهاز مكافحة المخدرات و المؤثرات العقلية درنة معالجة الإعلام الأمني للأزمات والكوارث وتأثير البيئة الإعلامية الجديدة ، وبعد انتهاء عروض الأوراق ، كانت هناك حلقة نقاش شارك فيها الحضور حول الأوراق التي طرحت في الجلسة الأولى ، ثم خصصت فترة للاستراحة ، تخللتها وجبة إفطار سريعة للمشاركين
مازلنا في اليوم الاول في الجلسة الثانية ، اتسع نطاق النقاش ليشمل دور وسائل الإعلام في إدارة الأزمات ، من الإنذار المبكر إلى الاستجابة الاستراتيجية وبناء الصمود المجتمعي ، حيث شرح فيها د. عمر الصديق بوشعالة ، ورقة حول هذا المحور ، فيما شاركت مبروكة خذير من تونس بالحضور الشخصي ، متناولة الدور الذي يمكن أن تؤديه المعلومة في مواجهة الكوارث الطبيعية ، عندما تتحول في لحظة الأزمة إلى مسألة مرتبطة بحماية الأرواح ، كما تناولت ورقتي البحثية رفقة زميلي د. ناصف فرج موسى المنفي ، من جامعة طبرق ، فاعلية الإعلام الرقمي في تعزيز المسؤولية الاجتماعية أثناء الكوارث والأزمات ، و قدمت الأستاذة هاجر خليفة محمد دور القنوات الفضائية الليبية في توعية الشباب الجامعي الليبي بالكوارث الطبيعية، من خلال اتخاذ عاصفة دانيال في مدينة درنة نموذجًا .
ومن الجزائر، شارك د. مبروك كاهي عن بُعد في ورقة حول الكارثة والرسالة الإعلامية، والالتزام المهني وقيود المعلومات ، كما قدمت د. سارة كيرة، مديرة المركز الأوروبي الشمال إفريقي للأبحاث وخبيرة العلاقات الدولية في مصر، مداخلة عن بُعد حول تغطية الكوارث والأزمات وصياغة الاستراتيجيات وعرض التجارب المحلية والدولية ، واختتمت الجلسة بحلقة نقاش تناولت ما طرحته الأوراق من قضايا تتعلق بسرعة نقل المعلومات ، ودقة المحتوى الإعلامي ، وقيود الوصول إلى المعلومات ، والمسؤولية المهنية في الظروف الاستثنائية …
لم يكتف المؤتمر بالجانب الأكاديمي ، إذ خصص في الفترة المسائية من اليوم الأول دورة تدريبية بعنوان ، التغطية الإعلامية أثناء الكوارث والأزمات ، قدمتها الأستاذة وسن النويصري ، وكان حضور الجانب التدريبي لافتًا، لأنه نقل النقاش من المستوى النظري إلى المستوى العملي ،
مع انطلاق اليوم الثاني، انتقل المؤتمر إلى ملف أكثر اتساعًا و هو العلاقة بين الكوارث الطبيعية والتغير المناخي ، الجلسة الأولى ناقشت الأزمات والكوارث الطبيعية في ظل التغيرات المناخية المتوقعة، وسياسات التكيف والتخفيف للحد من الخسائر الإنسانية والمادية ، قدم الأستاذ الدكتور سامي الأوجلي، مدير مركز الاستشارات للعلوم البيئية والتنمية المستدامة بجامعة بنغازي ومدير شبكة التغيير المناخي العربي وخبير دولي في الأزمات والكوارث الطبيعية ، ورقة تناولت التحديات التي تفرضها التغيرات المناخية المتوقعة ، وأهمية بناء سياسات قادرة على التكيف مع المخاطر والحد من آثارها ، كما ناقشت الأستاذة زاهية فرج علي المنفي المعايير المهنية لتغطية الكوارث والأزمات، من خلال إعصار دانيال نموذجًا ، وفي محور الإعلام الرقمي، قدمت الأستاذة بتول عطية السعيطي ، عضو هيئة التدريس بجامعة عمر المختار ، ورقة حول الشبكات الرقمية البديلة وإعادة بناء الثقة المجتمعية في أوقات الكوارث .
وتناول د. ياسين عثمان ، عضو هيئة التدريس بمعهد السياحة والفندقة في بنغازي ، ود. هشام بوشعالة ، معالجة القنوات الفضائية الليبية لكارثة إعصار دانيال في مدينة درنة ، وشهدت الجلسة مداخلة عن بُعد قدمها د. حكيم غريب ود. السعيد بن عزة ، حول هندسة الاتصال أثناء الكوارث ، ودور الإعلام بين إدارة المعلومة وصناعة الاستجابة المجتمعية، مستفيدين من تجربة درنة بعد إعصار دانيال ، وعقب العروض ، جاءت حلقة النقاش لتفتح الباب أمام مزيد من الأسئلة حول العلاقة بين الإعلام وإدارة الكارثة، وكيف يمكن بناء منظومة اتصال أكثر استعدادًا للأحداث المستقبلية .
الجلسة الثانية من اليوم الثاني ، التي أدارها الأستاذ سعد المبري ، اقتربت أكثر من الجمهور نفسه ، وناقشت مصادر المعلومات التي يعتمد عليها الليبيون عندما تقع الكوارث ، حيث قدمت الأستاذة منال العلواني والأستاذة إيمان حمد ، من جامعة عمر المختار ، دراسة حول اعتماد الجمهور الليبي على الصحافة الإلكترونية الليبية في متابعة الكوارث الطبيعية ، متخذتين إعصار دانيال نموذجًا ، كما بحث الأستاذ المهدي الخزعلي اعتماد الشباب الجامعي الليبي على مواقع التواصل الاجتماعي كمصدر للمعلومات أثناء الكوارث والأزمات، في ضوء أحداث عاصفة دانيال ، وتناولت الأستاذة سرين خليفة إبراهيم ، المسؤولية الاجتماعية للمؤسسات الأكاديمية والإعلامية خلال مرحلة إعصار دانيال ، من خلال دراسة ميدانية على النخبة المتخصصة في جامعتي درنة وعمر المختار .
ومن تونس ، حضر مالك زغدودي شخصيًا ، مقدمًا معجم مفاهيم البيئة والمناخ ( دليل علمي مكثف للصحفيين ) في إشارة إلى أهمية امتلاك الصحفي أدوات معرفية تمكنه من التعامل مع المصطلحات والقضايا البيئية والمناخية بصورة دقيقة ، ومن الجزائر ، شاركت زهرة سي فضيل عن بُعد ، ببحث حول هندسة التغطية الإعلامية للكوارث ، والسعي إلى بناء نموذج استراتيجي للإنذار والتوعية وإدارة تداعيات الأزمات ، مع اتخاذ إعصار دانيال نموذجًا ، ومرة أخر …. اختتمت الجلسة بحلقة نقاش ، ناقش خلالها المشاركون علاقة الجمهور بوسائل الإعلام ، وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي في صناعة الرأي العام خلال الكوارث .
أخي القارئ الكريم يكاد من الصعب قراءة البرنامج العلمي للمؤتمر دون ملاحظة الحضور الكثيف لإعصار دانيال في عناوين الأوراق ، فالإعصار ظهر في الدراسات المتعلقة بالمسؤولية الاجتماعية ، والإعلام الرقمي ، والقنوات الفضائية ، والإعلام الأمني ، والصحافة الإلكترونية ، ومواقع التواصل الاجتماعي ، وهندسة الاتصال ، والمعايير المهنية ، والشبكات الرقمية ، والمسؤولية الاجتماعية للمؤسسات الأكاديمية والإعلامية ، فهذا التنوع يكشف أن تجربة درنة لا تزال مفتوحة على أسئلة عديدة ، وأن الكارثة تحتاج إلى قراءات متعددة لا تقتصر على الجانب الإنساني أو العمراني ، وإنما تمتد إلى الإعلام والاتصال وإدارة المعلومات وصناعة القرار ، ومن هنا اكتسب انعقاد المؤتمر في درنة دلالة خاصة ، فالمدينة لم تكن مجرد خلفية مكانية للحدث ، بل كانت جزءًا أساسيًا من موضوعه .
اختُتمت فعاليات المؤتمر بإلقاء التوصيات والجلسة الختامية ، فبعد يومين من النقاشات العلمية والتدريبية والمداخلات الحضورية وعن بُعد ، خرج المؤتمر بصورة عامة تؤكد الحاجة إلى تطوير منظومة الإعلام المتخصصة في إدارة الأزمات والكوارث ، ورفع كفاءة الإعلاميين في التعامل مع المعلومات خلال الأحداث الاستثنائية ، وتعزيز المسؤولية المهنية والأخلاقية ، وتطوير قنوات التعاون بين المؤسسات الإعلامية والأكاديمية والجهات المختصة بإدارة الأزمات ، كما أكدت موضوعات المؤتمر أهمية الاستثمار في الإنذار المبكر والتوعية المجتمعية ، والاستفادة من التكنولوجيا والذكاء ، الاصطناعي ، وبناء معرفة إعلامية متخصصة بقضايا المناخ والبيئة ، وتعزيز قدرة وسائل الإعلام على مواجهة الشائعات والمعلومات المضللة .














