استدارة بنغازي الكُبرى.. ليبيا تطوي زمن التوجس وتفرض شروطها في المتوسط

استدارة بنغازي الكُبرى.. ليبيا تطوي زمن التوجس وتفرض شروطها في المتوسط

  • فرج عبدالشافي المنصوري

شهدت الساحة الليبية والإقليمية تحولاً جيو-استراتيجياً بالغ الأهمية؛ حيثُ صادق مجلس النواب الليبي بالإجماع على الاتفاقية البحرية الموقعة مع تركيا، مُلغياً بجرة قلم واحدة مواقفهُ وقراراته السابقة المُناهضة لها والداعية لقطع العلاقات مع أنقرة.

هذا التبدل الجذري لم يكن مُجرد تراجع أو مرونة سياسية عابرة، بل قضية وعي بالمصلحة العُليا للدولة؛ إذ إن صياغة الموقف البرلماني من الاتفاقية مرت بمخاض سيادي طويل ارتبط بتجاذبات في مراكز القوى الداخلية والتحالفات البراغماتية، وهو ما استلزم تفكيك جدار التوجس بالأمس وبناء صرح التحالف النفعي اليوم، لإعادة صياغة موازين القوى مع دول الجوار والفاعلين الإقليميين.

عندما وضعت حكومة الوفاق الوطني السابقة ورئاسة الجمهورية التركية حبرهما على هذه الاتفاقية عام 2019، اصطدمت بصد تشريعي صلب من البرلمان في بنغازي، تُغذيهِ أسباب موضوعية وضغوط إقليمية مُتقاطعة. وكان البرلمان ينطلق من مبدأ دستوري أصيل مفادهُ أن توقيع مُعاهدات تمس تخوم السيادة الوطنية هو شأن لا يمْلِكهُ فصيل بمُفردهِ دون تصديق سُلطة تشريعية مُنتخبة.

لكن البُعد الأخطر كان عسكرياً بامتياز؛ إذ تزامنت المُذكرة البحرية مع اتفاق دفاع مُشترك شرعن التدخل التركي المباشر في معركة العاصمة، مُحبطاً تمدد القوات المسلحة بالشرق بقيادة المشير خليفة حفتر. وهو ما جعل الاتفاقية في نظر برلمان بنغازي حينها مُجرد غطاء لتسليح معسكر ضد آخر في أتون حرب، فجاء الرفض سياسياً وتضامنياً مع حلفاء المشرق كـمصر واليونان.

إلا أن التحول الراهن فُرض بفضل تغير كامل في جغرافيا المواقف والمصالح؛ حيث أتقنت أنقرة هندسة استراتيجية جديدة قائمة على النفعية المُتبادلة والانفتاح الشامل على إقليم برقة والقيادة العامة، مدشنةً جسوراً استخباراتية واقتصادية متينة تجسدت في زيارات رفيعة المستوى من أبناء المشير حفتر لتركيا، وزيارة رئيس المُخابرات التركية إبراهيم قالن لشرق ليبيا.

وتبرز حزمة المكاسب الاستراتيجية المتلاحقة التي حصدتها الدولة الليبية في سبيكة واحدة متكاملة؛
-إذ يبدأ الأمر بإعلان مجلس النواب عن تَحَرُّرِهِ الكامل وعدم ارتهانهِ لأي محور إقليمي خارجي بفرضهِ لنفسهِ كطرف ندّي مستقل، جعل من ختمهِ التشريعي الممر الإجباري الوحيد لأي شرعية تسعى إليها أنقرة، لينتزع بذلك قرار السيادة الوطنية المُطلقة من التفاهمات الدولية السابقة.

-وينعكس هذا التحول الجغرافي والاقتصادي مباشرة بعد أن نجحت ليبيا في القفز بمساحتها البحرية ونفوذها الخالص من 35 ألف كيلومتر مربع فقط قبل الاتفاقية، بانتزاع 39 ألف كيلومتر مربع إضافية من المياه الاقتصادية، ليُصِبحَ الإجمالي الاستراتيجي 74 ألف كيلومتر مربع؛ مُجهضةً بذلك أطماع اليونان التي طالما سعت لقضم تلك المياه الغنية بالثروات جنوب جزيرة كريت مُستغلة ضعف الدولة سابقاً.

-كما يمتد هذا النفوذ الجغرافي ليتقاطع مُباشرة مع مسار مشروع خط أنابيب “إيست ميد” الافتراضي لنقل غاز شرق المتوسط إلى أوروبا. ومن الناحية الواقعية والقانونية، يواجه مشروع “إيست ميد” في الأصل عقبات تمويلية وفنية ضخمة وتعقيدات ترتبط بجدواه الاقتصادية؛ وبناءً على ذلك، تُمثل الاتفاقية البحرية ورقة تفاوضية سياسية وقانونية بالغة القوة والتعقيد لتركيا وليبيا في مواجهة المشاريع الإقليمية، حيث تمنح طرابلس وأنقرة موقعاً مُتقدماً لفرض شروطهما، وتضمن عدم تمرير أي ترتيبات للطاقة أو ترسيم حدود في هذه المنطقة الحيوية دون إشراكهما كأطراف رئيسية في المُعادلة.

-وتتوج هذه المكاسب المُترابطة بالانتقال الكامل للاتفاقية من خانة أداة صراع داخلي قسّمت الليبيين، إلى مربع حصانة وطنية وجبهة سيادية مُوحدة تحمي ثروات الأجيال القادمة وتجعل من ليبيا رقماً صعباً لا يُمكن تبديده في هندسة الطاقة العالمية.

إن إقرار البرلمان الليبي لاتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع تركيا لم يكن تنازلاً، بل كان استثماراً ذكياً في مصالح وطنية مُتطابقة تماماً؛ حيث عُطلت المعاهدة سابقاً عندما هددت القوات المسلحة، وفعّلت اليوم لتضمن للدولة الليبية حماية حدودها، وتُحقق اعترافاً سياسياً وشراكة اقتصادية ندية لا يمكن تجاوزها.

شـــارك الخبر علي منصات التواصل

صحيفة فــــسانيا

صحيفة أسبوعية شاملة - منبع الصحافة الحرة

شاركنا بتعليقك على الخبر :