فسانيا / مصطفى عمر المغربي
في خطوة تستهدف تعزيز الحماية القانونية للحقوق الرقمية ومواكبة التحولات التكنولوجية المتسارعة، استعرض المجلس الوطني للحريات وحقوق الإنسان، بالتعاون مع لجنة برلمانية من مجلس النواب، مسودة مشروع القانون الوطني لحماية البيانات الشخصية، وسط تأكيدات بأهمية إرساء ضمانات تشريعية تصون الخصوصية، وتحد من إساءة استخدام المعلومات الشخصية، وتواكب التحديات المستجدة المرتبطة بتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
وجاء ذلك خلال الاجتماع المشترك الذي انطلقت أعماله اليوم الاثنين 27 اكتوبر 2026، بحضور الأستاذ “عبد المولى أبونتيشة” المكلف بتسيير مهام المجلس الوطني للحريات وحقوق الإنسان والسيدة “أسماء الخوجة” عضو مجلس النواب ورئيس اللجنة البرلمانية الخاصة بالتحول الرقمي، إلى جانب أعضاء اللجنة البرلمانية وأعضاء اللجنة الوطنية المعنية بإعداد مشروع القانون، حيث خُصص اللقاء لاستعراض المسودة ومخرجات عمل اللجنة الوطنية، ومناقشة الأحكام والضمانات القانونية المقترحة لحماية البيانات الشخصية وصون الحق في الخصوصية
البيانات الشخصية من القضايا المحورية في منظومة حقوق الإنسان
وافتتح أبونتيشة الاجتماع بكلمة أكد فيها أن حماية البيانات الشخصية أصبحت من القضايا المحورية في منظومة حقوق الإنسان، ولم تعد مجرد مسألة تقنية أو إجراء إداري، بل ضرورة تشريعية تفرضها طبيعة التحول الرقمي واتساع نطاق استخدام المنصات الإلكترونية، وتزايد عمليات جمع المعلومات الشخصية ومعالجتها وتداولها، وما يرافق ذلك من مخاطر قد تمس الحياة الخاصة للأفراد وحرياتهم الأساسية.

المكلف بتسيير مهام المجلس
وشدد على أهمية توسيع التنسيق بين المجلس ومجلس النواب والمؤسسات الوطنية ذات العلاقة، بما يضمن تبادل الخبرات والرؤى والاستفادة من الكفاءات القانونية والفنية في صياغة تشريع وطني قادر على الاستجابة لمتطلبات الواقع الليبي، مع الاسترشاد بالمعايير الدولية ذات الصلة بحماية الخصوصية والحقوق الرقمية.
وأشار إلى أن الحق في الخصوصية يستند إلى مرجعيات دولية راسخة، من بينها المادة (12) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمادة (17) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، اللتان تؤكدان الحماية من التدخل التعسفي في الحياة الخاصة. وأوضح أن التطور المتسارع في وسائل معالجة البيانات يضاعف الحاجة إلى قواعد قانونية واضحة تنظم التعامل مع المعلومات الشخصية، وتحد من استغلالها بصورة غير مشروعة أو استخدامها في ممارسات تمييزية.
وبيّن أن اللجنة الوطنية المكلفة بإعداد المشروع شُكلت بموجب قرار المكلف بتسيير مهام المجلس رقم (253) لسنة 2023، وعملت على مدى أكثر من عامين ونصف وفق منهجية اعتمدت الدراسة والتحليل والمقارنة التشريعية، والاستفادة من التجارب الوطنية والدولية، بهدف الوصول إلى مسودة تراعي خصوصية البيئة القانونية الليبية وتستفيد من الممارسات المتقدمة في هذا المجال.
وأوضح أن أعمال اللجنة شملت دراسة الاتفاقيات والمرجعيات الدولية، وفي مقدمتها اتفاقية مجلس أوروبا رقم (108) المتعلقة بحماية الأشخاص فيما يخص المعالجة الآلية للبيانات ذات الطابع الشخصي، إلى جانب تحليل عدد من التشريعات العربية المقارنة، من خلال مجموعات عمل متخصصة درست الأحكام القانونية واستخلصت المبادئ والضمانات التي يمكن توظيفها في إعداد مشروع وطني متكامل.
وأضاف أن المسودة الأولية عُرضت على خبير قانوني دولي كلّفه مجلس أوروبا بتقديم الدعم الفني، حيث درست اللجنة الملاحظات المقدمة وأدخلت تعديلات على عدد من النصوص، في إطار مساعيها إلى رفع جودة المشروع وتعزيز اتساق أحكامه وقابليتها للتطبيق.
الذكاء الاصطناعي في صلب النقاش التشريعي
وفي تطور يعكس اتساع نطاق المشروع لمواكبة التحولات التقنية الحديثة، كشف أبونتيشة عن إدراج باب خاص بالذكاء الاصطناعي ضمن مرحلة متقدمة من إعداد المسودة، بالنظر إلى ما تثيره الأنظمة الذكية من تحديات قانونية وحقوقية، خصوصاً في ما يتعلق باستخدام البيانات الشخصية في تدريب هذه الأنظمة وتشغيلها، وضمان الشفافية والمساءلة، وصون الخصوصية، والحد من مخاطر التمييز.
وأكد أن هذا التوجه يعكس أهمية بناء تشريع يستبق التحديات المستقبلية، بدلاً من الاقتصار على معالجة الإشكالات القائمة، مشيراً إلى ضرورة إخضاع الأحكام المقترحة لمراجعة فنية وقانونية دقيقة، بما يضمن وضوحها وتحديد نطاق تطبيقها وإمكانية إنفاذها على أرض الواقع.
ولفت إلى أن المجلس أحال مسودة المشروع إلى مجلس النواب باعتبارها مقترحاً أولياً، إيماناً بأهمية الدور التشريعي للمجلس في دراسة المواد المقترحة ومناقشتها وتطويرها، وصولاً إلى صيغة نهائية تحقق التوازن بين حماية الحقوق والحريات الأساسية والاستجابة لمتطلبات التحول الرقمي.
وفي سياق استكمال النقاش المجتمعي والمؤسسي حول المشروع، أعلن أبونتيشة استعداد المجلس لتنظيم ندوة وطنية قبل نهاية العام الجاري، بمشاركة الجهات والمؤسسات الوطنية المعنية والخبراء والمتخصصين، لعرض المسودة ومناقشة أحكامها وتلقي الملاحظات والمقترحات التي من شأنها تطويرها وتعزيز جودتها، بما يتوافق مع المعايير الدولية والاحتياجات الوطنية.
وجدد المجلس تأكيد استعداده للتعاون مع مجلس النواب واللجنة البرلمانية، وتوفير الدراسات والوثائق ومخرجات عمل اللجنة الوطنية، والمشاركة في المراجعات الفنية والقانونية اللازمة، بما يدعم استكمال المسار التشريعي وإرساء إطار قانوني وطني فاعل لحماية البيانات الشخصية، وتعزيز الثقة في البيئة الرقمية وترسيخ احترام حقوق الإنسان وسيادة القانون.
حماية البيانات.. استحقاق عالمي متجدد
وتأتي هذه الجهود في سياق اهتمام دولي متزايد بحماية البيانات الشخصية، باعتبارها أحد المكونات الأساسية للحق في الخصوصية، في ظل التوسع في الخدمات الرقمية والذكاء الاصطناعي والتجارة الإلكترونية وتبادل المعلومات عبر الحدود. وتحتفل دول العالم في 28 يناير من كل عام بيوم حماية البيانات (Data Protection Day)، المعروف أيضاً في عدد من الدول باسم يوم الخصوصية، إحياءً لذكرى فتح اتفاقية مجلس أوروبا رقم (108) للتوقيع في 28 يناير 1981، وهي من أبرز الاتفاقيات الدولية المبكرة التي أرست إطاراً لحماية الأفراد في مواجهة المعالجة الآلية لبياناتهم الشخصية.
ويؤكد هذا الاهتمام العالمي أن وجود تشريع وطني واضح لحماية البيانات لم يعد خياراً مؤجلاً، بل أصبح ضرورة لتعزيز الثقة في الخدمات الرقمية، وتحديد مسؤوليات الجهات التي تجمع المعلومات وتعالجها، وضمان حقوق الأفراد في مواجهة الاستخدامات غير المشروعة لبياناتهم، بما يجعل استكمال مشروع القانون الليبي خطوة مهمة نحو مواكبة التطور الرقمي وترسيخ الحماية القانونية للخصوصية.






















