تحقيق/ سلمى مسعود.
ليست كلّ الجراح تُرى بالعين، فبعضها يسكن الأعماق، في ذاكرة طفلٍ كان يفترض أن يتعلّم الحروف لا الخوف، وأن يحفظ القصائد لا الصرخات.
في ليبيا، حيث تزدحم الأيام بأعباء المعيشة وتتنازع السلطة والمعنى، امتدّ العنف إلى أقدس المساحات التي كان يُفترض أن تحمي البراءة: المدرسة.
هناك، بين السبورة والكرسي الخشبي، تتكوّن حكايات لا تُروى:
طفلةٌ تخرج من بيتها مفعمة بالأمل، تعود بعينٍ دامعة وجسدٍ يحمل آثار التأديب.
ومعلّمٌ فقد أدواته التربوية وسط ضياع النظام، فاستعاض عنها بالصوت العالي واليد الغاضبة.
وإدارةٌ تُمارس الصمت بحجة “الهيبة”، ومجتمعٌ يبرّر الإهانة باسم “التربية”.
في هذا المشهد المربك، تختلط المفاهيم حتى يغدو الخوف مرادفًا للانضباط، والعقوبة بديلاً للحوار، والسلطة وسيلةً لتثبيت السيطرة لا لبناء الوعي.
وهكذا، يتحوّل التعليم إلى تجربةٍ قاسية، يخرج منها بعض الأطفال بذاكرةٍ مثقلةٍ لا تمحى، وجيلٍ كاملٍ ينقل الألم كما يتوارث اللغة والعادات.
العنف في المدرسة الليبية ليس حادثةً طارئة، بل مرآةٌ لنظامٍ تربويٍّ فقد توازنه، ونزفَ من داخله حتى صار يؤذي من يفترض أن يحميهم.
إنها مأساة تتجاوز الصفوف والجدران، لتطرح سؤالاً أعمق من مجرد “من ضرب من؟” —
سؤالٌ عن جوهر التعليم نفسه:
هل ما زال يربّي… أم يعيد إنتاج القسوة التي تسكن مجتمعًا بأسره؟

تقول والدة الطفلة مها :“ابنتي لم تعد تنام ليلاً… ترتعب كلما رأت حقيبتها المدرسية، وتبكي عندما تسمع كلمة (أستاذ). صارت تكره المدرسة، وتخاف من الذكور جميعًا.”
ويؤكد زملاؤها في الصف أنهم اعتادوا مشاهد الضرب والإهانات اليومية، لكن هذه الحادثة كانت الأعنف.
“المدرس يصرخ ويشتم ويضرب أي طالب يخطئ، لا أحد يجرؤ على الشكوى، لأن المدير يقول إن المعلم يريد مصلحتكم.”
مشهد أوسع: العنف المنهجي
القصة ليست حادثة فردية، بل جزء من سلسلة طويلة من الوقائع التي تتكرّر في مدارس ليبيا، من طرابلس إلى سبها، ومن مصراتة إلى بنغازي.
في كلّ مرة، يختلف المكان والضحايا، لكنّ المشهد واحد:
طفلٌ يُهان، ووليّ أمرٍ يُصمت، وإدارةٌ تُبرّر، ووزارةٌ تغيب
“مدرّستنا تسبّنا… وتضربنا حتى نبكي أمام الفصل“.
في إحدى مدارس طرابلس الكبرى، “ر.س” (12 عامًا) روت لفسانيا قصتها بصوتٍ خافتٍ، وعيناها تمتلئان بالارتباك.
تقول: “معلمتنا تتلفّظ بألفاظٍ بذيئة… وتضربنا أحيانًا ضربًا مبرّحًا، حتى تبقى آثار العصا على أيدينا.
أحيانًا نُعاقَب فقط لأننا تحدثنا أو ضحكنا في الحصة.
إذا تأخرنا في حلّ الواجب، أو سألنا سؤالاً لا يعجبها، تصرخ وتشتُم وتصفنا بأوصافٍ جارحة.”
تتوقّف الطفلة قليلاً، ثمّ تضيف بصوتٍ متكسّر:”حتى والدي عندما أشتكي له، يقول لي: (تستاهلي… بيش ما تعاوديش).
يقول إن المعلمة مثل أمّنا، وإن الضرب يعلّمنا الأدب.”
تبتلع الفتاة دموعها وهي تضيف:”مرّة ضربتني أمام الجميع لأنني لم أفتح الكتاب في الوقت المناسب، شعرت بالإهانة أكثر من الألم… صرت أكره المدرسة، وأخاف من صوتها كل صباح.”
بين الجدارين: تواطؤ الصمت
قصة الطفلة “ر.س” ليست استثناءً؛ بل هي جزء من واقعٍ تُكرّسه ثقافةٌ مجتمعية ترى في الضرب وسيلةً للتربية، لا جريمة تربوية.
ففي كثيرٍ من الحالات، يشارك أولياء الأمور — من حيث لا يشعرون — في إعادة إنتاج العنف، بتبريرهم أفعال المعلّمين أو صمتهم عنها.
تقول إحدى الأخصائيات النفسيات–الاجتماعيات في طرابلس، فضّلت عدم ذكر اسمها لأسباب مهنية، وهي تؤكد أنها
«خبيرة في مجال علم الاجتماع التربوي منذ أكثر من ثلاثين عامًا».
تضيف قائلة: عملتُ قبل 2011 في مؤسسات تربوية مختلفة، وبعد 2011 تنقلت بين عدد كبير من المدارس العامة في طرابلس ومحيطها، ولم أعمل في مدارس خاصة على الإطلاق، لأن اهتمامي كان دائمًا بالمدرسة العمومية باعتبارها مرآة المجتمع الحقيقي.
ثقافة الضرب في المدارس لم تولد اليوم؛ هي قديمة ومتجذّرة، لكنها بعد 2011 لم تعد مجرد “سلوك خاطئ”، بل تحوّلت إلى ما يشبه لغة يومية داخل بعض الفصول.
قبل الأحداث، كنّا أمام عنفٍ تربوي تقليدي؛ مرفوض، نعم، لكنه محكوم بشيء من الضوابط الاجتماعية. بعد الحروب والانقسامات، صار العنف جزءًا من المزاج العام: الشارع أصبح خشناً، الخطاب العام صار أكثر حدّة، وهذا تسرّب بطبيعة الحال إلى المدرسة.
الكثير من الأساتذة عاشوا الحرب، شاهدوا السلاح، الفقد، الإهانات، الضغط الاقتصادي، فقدان الأمان… ولم يتلقّ أحد منهم دعمًا نفسيًا أو تدريبًا حقيقيًا على إدارة الغضب أو التواصل مع الطفل. النتيجة أن ما عاشوه من عنف صار يُفرَّغ – بوعي أو بدون وعي – في الأجساد الصغيرة أمامهم. الطفل يتحول إلى “المكان الوحيد” الذي يمكن أن تمارس عليه السلطة بلا مقاومة.
كنت دائمًا أرفض ثقافة الضرب، وأقول للإدارات التربوية: ما تسمّونه “تأديبًا” هو في الحقيقة تطبيعٌ مع العنف، وتربية على الخضوع، لا على المسؤولية. كنت أُهاجَم أحيانًا، وأُتَّهم بأنني “أدلّل التلاميذ” أو أنني لا أفهم واقع المجتمع. لكن الواقع أن التلاميذ كانوا يأتون إليّ في الجلسات الفردية يبكون، ويقولون لي حرفيًا: (نحن نكره المدرسة، نخاف من الأستاذة، نخاف من الحصة، نخاف من الطابور).
عندما يصبح مكان التعلّم مرتبطًا في وعي الطفل بالخوف والإهانة، نحن لا نفقد فقط تلميذًا مجتهدًا؛ نحن نصنع مواطنًا مكسورًا في المستقبل، إمّا خاضعًا لكل سلطة ظالمة، أو متمرّدًا بعنف على كل شيء. هذه هي أخطر نتائج العنف المدرسي: أنه لا ينتهي عند جدار المدرسة، بل يخرج مع الطفل إلى المجتمع.

من ضحية إلى جلّاد: جيلٌ يُعيد إنتاج العنف.
انتشر مؤخرًا مقطع فيديو صادم على وسائل التواصل الاجتماعي صُوّر في مدينة أوباري جنوب ليبيا، يُظهر ثلاثة طلابٍ يرتدون الزيّ المدرسي أثناء عودتهم من المدرسة.
كان اثنان منهم يضربان زميلهما بعنفٍ في أحد الطرقات الجانبية المنقطعة، بينما الثالث يمسك الهاتف ويوثّق المشهد ضاحكًا، وكأنّ ما يحدث مشهد عادي في يومٍ دراسي طويل.
تتطاير الشتائم النابية في التسجيل، ويعلو صوت الضحك على صوت استغاثة الطفل الذي يتلقّى الضربات.
لم يتجاوز الفيديو دقيقةً واحدة، لكنه كان كافيًا ليكشف عن خللٍ أعمق بكثير من مشاجرةٍ بين تلاميذ.
فهو يُظهر كيف تحوّل العنف من فعلٍ استثنائي إلى سلوكٍ متوارثٍ يجري في الوعي الجمعي للأطفال.
لم يعد الطفل يَخاف من العنف… بل يمارسه، يبرّره، ويصوّره.
يقول أحد المربين في الجنوب الليبي:“ما شاهدناه في فيديو أوباري ليس مفاجئًا، بل نتيجة طبيعية لما نزرعه منذ سنوات. هؤلاء الأطفال يعيشون في بيوتٍ ومدارس تمارس ضدهم نفس القسوة، فيكبرون وهم يظنون أن السيطرة لا تكون إلا بالضرب، وأن الهيبة تُصنع بالصوت العالي. إنهم ضحايا قبل أن يكونوا جناة؛ أبناء بيئةٍ فقدت الطمأنينة منذ زمن، فامتلأت بالعنف اللفظي والجسدي والنفسي. عندما يعيش الطفل وسط لغة الشتم والتهديد، فمن الطبيعي أن يُعيد إنتاجها في الشارع أو في المدرسة. ما حدث في الطريق المنقطع بأوباري ليس صدفة، بل هو امتدادٌ لما يحدث يوميًا خلف جدران الفصول. المدرسة لم تعد تُصلح، والبيت لم يعد يحمي، والمجتمع كلّه يربّي على الخشونة بدل الرحمة.”

وهكذا يتحوّل الضحية إلى جلّادٍ صغير، يحمل إرث العنف من جيلٍ إلى جيل، في دوّامةٍ لا تنتهي، تقتل في الطفل براءته قبل أن تقتل ثقته بالمدرسة وبالمجتمع الذي يفترض أن يحميه.
تدخّل أمني مثير للجدل… ومسؤوليات غائبة
بعد انتشار مقاطع الفيديو التي أظهرت مجموعة من الأطفال في إحدى مدارس أوباري وهم يضربون زميلهم بوحشية داخل ساحة المدرسة، سارعت مديرية أمن أوباري إلى احتجاز هؤلاء الأطفال والتحقيق معهم عن طريق وحدة التحريات.
غير أن هذا الإجراء أثار استغرابًا واسعًا في الأوساط الحقوقية والتربوية، لأن التعامل الأمني المباشر مع أطفال قُصَّر لا يدخل ضمن اختصاص مديريات الأمن، بل هو من مهام وحدات حماية الطفل التابعة لوزارة الشؤون الاجتماعية والنيابة العامة لشؤون الأحداث، التي يفترض أن تتولى دعمهم وإعادة تأهيلهم نفسيًا وسلوكيًا بدلًا من استجوابهم أو إخضاعهم لإجراءاتٍ أمنية.
ويشير مختصون إلى أن ما حدث يعكس غياب التنسيق المؤسسي بين الجهات التربوية والاجتماعية والأمنية، وأن هذا النوع من التدخلات يُظهر فراغًا تشريعيًا ومؤسسيًا في آلية التعامل مع الأحداث داخل المدارس.
أما في حادثة مدرسة بريك سليمان خاطر، فقد تدخّلت الأجهزة الأمنية بعد انتشار صور الطفلة المعتدى عليها، والتي أظهرت آثار الضرب على وجهها.
حينها فقط تم القبض على الأستاذ المتورط في الاعتداء بعد موجة تفاعلٍ شعبي واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي.
هذا التحرك، رغم أهميته، لم يكن ليحدث لولا الضغط الإعلامي، مما يؤكد أن العنف المدرسي لا يزال يُواجَه بردود فعل مؤقتة وليس ضمن سياسة واضحة للمساءلة والمراقبة داخل المنظومة التعليمية.
وفي الحالتين — أوباري وبريك — اتضح أن المعالجة بقيت سطحية وعاجلة، بينما الجذور العميقة للمشكلة لا تزال قائمة:
من ضعف الرقابة التربوية، إلى غياب التدريب النفسي للمعلمين، إلى غياب مؤسسات حماية الطفل الفاعلة في المدارس.
فما يُعالج اليوم بالقبض والتحقيق، سيعود غدًا بأشكالٍ أشد قسوة ما لم يُعَد بناء المنظومة التربوية من أساسها.
تحقيق غائب… ومؤسسات غائبة.
من خلال اتصالاتنا مع بعض إدارات التعليم في طرابلس، تبيّن أن غالبية الشكاوى المتعلقة بالعنف المدرسي لا تصل أصلًا إلى الجهات المسؤولة، إذ يخاف أولياء الأمور من الانتقام ضد أبنائهم أو من “السمعة” داخل المدرسة.
كما أنّ اللجان التأديبية — إن وُجدت — غالبًا ما تنتهي بعبارةٍ رسمية:”تمّ تنبيه المعلمة… وتعهدت بعدم التكرار.”
لكنّ الطفلة تبقى وحدها، تواجه خوفها كل صباح، وتحمل جرحًا جديدًا مع كلّ حصة.
“الصفّ الذي تحوّل إلى ساحة عقاب”: فيديو يهزّ الضمير الليبي
لم يكن الفيديو الذي اجتاح مواقع التواصل الاجتماعي مجرّد مشهد عابر من داخل مدرسة، بل صفعة في وجه كلّ من ظنّ أن العنف التربوي لم يعد موجودًا.
المقطع — الذي لم يتجاوز دقيقتين — وثّق ما لم تجرؤ الكثير من الكاميرات على إظهاره: معلمة تصرخ وتشتم طلابها بألفاظ نابية، وأستاذ ينهال على تلاميذه ضربًا مبرحًا بطريقة وحشية، وسط صمتٍ ثقيلٍ من بقية الهيئة التدريسية.
تبدأ اللقطات بصفّ دراسي مزدحم، أصوات الطلبة ترتفع قليلاً، وفجأة يُسمع صوت المعلمة تصرخ:”يا حيوانات! ما فيش حد فيكم يتربّى؟!”
ثمّ تنهال عليهم بسيلٍ من الشتائم، متوعدةً بالعقاب الجسدي.
في مقطعٍ آخر من الفيديو، يظهر أستاذ في ساحة المدرسة يحمل خرطومًا بلاستيكيًا سميكًا، ويقف أمام طالبين في المرحلة الثانوية، لا يبدوان صغيران في العمر، لكنه ينهال عليهما ضربًا متواصلًا بعنفٍ يشبه الجلد، في مشهدٍ يصعب على العين احتماله.
لم يكن الأمر تأديبًا كما يُقال، بل مشهدًا من الإذلال؛
الأستاذ يرفع الخرطوم عاليًا ويهبط به على جسدي الطالبين بقوةٍ متكرّرة، كمن يُعاقب حيوانًا لا بشرًا.
حتى الحيوان — كما قال أحد المعلّقين — لا يُجلَد بهذه الطريقة.
الطالبان ينحنيان من شدّة الألم، يحاولان الاتقاء بأيديهما، لكن الضرب يتواصل بلا رحمة، بينما تُسمع ضحكات بعض التلاميذ الأكبر سنًا الذين يصوّرون المشهد بهواتفهم وكأنه عرضٌ يوميّ.
في تلك اللحظات، لم يكن هناك تعليمٌ ولا تربية، بل طقس من الإهانة العلنية يُمارَس باسم الانضباط.
صمت الزملاء، وضحك المتفرجون، ويد المعلّم المرفوعة، كانت كلّها ملامح لدرسٍ مؤلم عن الخضوع والخوف، لا عن العلم والمعرفة.

صدمة مجتمعية… وصمت رسمي
تداول الليبيون الفيديو على نطاقٍ واسع عبر منصّات فيسبوك وتيك توك وإكس، لكن ما كان لافتًا هذه المرة لم يكن فقط المشهد، بل حجم الانقسام في التعليقات.
فبدل أن يثير المقطع موجة تعاطفٍ واسعة مع الطلاب الذين تعرّضوا للضرب، غلبت على التعليقات لهجةٌ صادمة تُبرّر العنف وتُطبّعه اجتماعيًا.
كتب أحد المعلّقين:“هذه هي التربية الحقيقية… نحن تربّينا بالعصا، وما ضرّنا شيء.”
وقال آخر:“هذا الجيل فاسد، ويستحق الشدة حتى يتأدّب.”
بينما علّقت ولية أمرٍ غاضبة ترفض ما جرى قائلة:“ما جرى ليس تربية، بل إهانة.
من يضرب أبناء الناس بهذا الشكل لا يستحق لقب (مربٍّ).”
ورغم وجود بعض الأصوات الرافضة للعنف، فإن الأغلبية في التعليقات كانت تميل لتبريره والدفاع عن المعلّم، معتبرةً أن “الضرب وسيلة للإصلاح”.
هذا الانقسام لا يعكس فقط تضارب الآراء، بل يضعنا أمام حقيقةٍ مرّة:أنّ العنف في المدارس الليبية لم يعد استثناءً أو خطأ فرديًا، بل تحوّل إلى ثقافةٍ متجذّرة في الوعي الجمعي، تُمارَس وتُبرَّر وتُقدَّم كجزءٍ من “التربية الصحيحة”.
وهنا تكمن المأساة الأكبر:
حين يصبح العنف قيمةً تربويةً بحدّ ذاته، ووسيلةً مشروعة لضبط الأجيال، تفقد المدرسة رسالتها، ويتحوّل التعليم إلى شكلٍ جديد من الخوف المنظّم.
شهادات من الميدان.
تلميذة من نفس المدرسة (رفضت ذكر اسمها خوفًا من الانتقام). قالت:“الأستاذ معروف بعصبيته، يضربنا لأي سبب“
حتى لو نسينا القلم.
المعلمة تسبّنا بألفاظٍ سيئة أمام الجميع، وتقول إننا جيل فاسد لا يستحق التعليم.”
وأضافت أخرى:“صرنا نعيش الخوف كل صباح… ليس من الامتحان، بل من المعلمة نفسها.”
أزمة تتجاوز الأفراد.
هذه الواقعة، كسابقاتها، ليست حادثة منفصلة.
هي مرآة لواقع تربوي مأزوم فقد توازنه بين التعليم والتعنيف.
في غياب التدريب النفسي للمعلمين، وضعف الرقابة التربوية، وغياب الردع القانوني، يتحوّل الانفعال إلى عنف، والعقاب إلى إهانة، والمدرسة إلى ساحة تُزرع فيها أول بذور القسوة.
إنّ من يشاهد هذا الفيديو لا يرى مجرد مشهدٍ صادم، بل يرى أجيالاً تُهدم قيمها بالضرب والشتائم، في بلدٍ يحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى بناء الإنسان قبل بناء المناهج.
من تدهور التعليم إلى تفشي العنف: وجهان لأزمة واحدة
ليست حوادث العنف داخل المدارس الليبية مجرد أخطاء فردية لمعلّمين فقدوا أعصابهم، بل هي انعكاس مباشر لأزمةٍ أعمق تضرب جذور النظام التعليمي في البلاد.
فالتصريحات الرسمية وتقارير الهيئات المحلية والدولية ترسم صورةً قاتمة لواقع التعليم، تُفسّر كيف أصبح العنف سلوكًا متكرّرًا في الفصول الدراسية.
يقول المفتّش التربوي خليفة بن ناصر إنّ “أزمة التعليم في ليبيا هي انعكاس لأزمة الدولة نفسها، وإن غياب التدريب النفسي والمهني للمعلمين جعل من المدرسة ساحةً للفوضى بدل التربية.”
هذا التصريح يختصر علاقة وثيقة بين ضعف التأهيل وازدياد السلوك العنيف داخل المؤسسات التعليمية.
من جهتها، أشارت تقارير منظمة REACH إلى أنّ أكثر من 160 ألف طفل ومعلم بحاجة إلى دعمٍ نفسي وتعليمي عاجل بسبب الظروف المتدهورة في المدارس الليبية.
وهذا يعني أن جزءًا كبيرًا من الكادر التربوي يعمل تحت ضغطٍ نفسيٍ هائل دون أي تأهيل، مما يجعل الانفعال والعنف وسيلة تفريغ غير مقصودة لكنها مدمّرة.
أما التحقيقات التي فتحتها النيابة الليبية ضد وزير التعليم المكلّف علي العابد بسبب أزمة الكتب المدرسية، فهي تكشف عن جانبٍ آخر من المشكلة:
حين يعجز النظام عن تأمين الكتب، فكيف سيؤمّن بيئة تعليمية آمنة؟
غياب التخطيط، وسوء الإدارة، واللامبالاة المؤسسية كلّها عوامل تخلق بيئة خصبة لتدهور القيم التربوية، فيصبح الضرب والصراخ لغة يومية داخل الفصول.
وتؤكد تقارير فرانس 24 وجسور بوست أن المدارس الليبية اليوم تعاني من اكتظاظٍ خطير ونقصٍ في المعلمين والمعدات، وأن بعض المدارس في الجنوب تُقام في مبانٍ من صفيح، بلا أبوابٍ ولا نوافذ.
في مثل هذه الظروف، يصبح الانضباط مستحيلًا، ويلجأ المعلم — دون تدريبٍ أو دعمٍ نفسي — إلى أقصر طريقٍ للسيطرة: العنف.

الإطار القانوني: حين يتحوّل “التأديب” إلى جريمة
على المستوى القانوني، لا يُعدّ ما يحدث داخل بعض المدارس الليبية مجرد “سلوك تربوي خاطئ”، بل يدخل في نطاق الأفعال المجرّمة صراحة في قانون العقوبات الليبي، الذي ينص في مواده (381–386) على تجريم الضرب والإيذاء البدني، مع تشديد العقوبة إذا كان الضحية قاصرًا أو واقعًا تحت سلطة الجاني، وهي حالة تنطبق بشكل مباشر على العلاقة بين المعلم والتلميذ.
كما يؤكد القانون رقم 5 لسنة 1997 بشأن حماية الطفولة على حق الطفل في الحماية من جميع أشكال العنف الجسدي والنفسي، ويُلزم مؤسسات الدولة، بما فيها المدارس، بتوفير بيئة آمنة تحفظ كرامته وسلامته.
وبذلك، فإن ما يُبرَّر أحيانًا تحت مسمى “التأديب” قد يرقى قانونًا إلى جريمة اعتداء على قاصر، تستوجب المساءلة الجنائية والإدارية، لا التبرير أو الصمت المؤسسي.
الخاتمة: إصلاح يبدأ من الوعي قبل النظام.
في ليبيا اليوم، لم يعد العنف المدرسي مجرّد سلوك خاطئ داخل جدران مدرسة، بل مرآة تعكس اختلالًا أعمق في بنية المجتمع والدولة.

حين ينهار التعليم، تتفكك الأخلاق، وحين يُهان الطفل في مقعد الدراسة، يُهان المستقبل بأسره.
ما يحدث في المدارس الليبية ليس فقط قضية تربية، بل قضية هوية وطنية؛ هل نريد أن نُخرّج أجيالًا تحفظ الدروس عن ظهر قلب، أم أجيالًا تفهم أن الكلمة أقوى من العصا؟
فالعنف، حين يُستخدم باسم “التأديب”، لا يُصلح النفوس، بل يقتل الفضول، ويزرع الخوف، ويصنع مواطنًا مهزومًا قبل أن يبلغ الرشد.
إنّ ما يحتاجه التعليم الليبي اليوم ليس لجانًا مؤقتة ولا بيانات استنكار، بل إعادة بناءٍ شاملة للمنظومة التربوية تبدأ من المعلم نفسه:
من تكوينه النفسي، وتأهيله المهني، وتحسين وضعه المعيشي، حتى يشعر أن رسالته أسمى من الانفعال.
كما يحتاج الطفل إلى منظومة حماية حقيقية، تنظر إليه كإنسانٍ لا كموضوع للعقاب.
فالإصلاح التربوي لا يبدأ بالمناهج، بل يبدأ بالإنسان —
حين نحترم الطفل، نحترم الوطن.
وحين نجعل المدرسة مكانًا للحوار لا للعقاب، نزرع أول بذرةٍ لمستقبلٍ لا يخاف فيه التلميذ من المعلّم، ولا المواطن من السلطة.














