“الرَّوَاشاتُ الدَّامِيَة” *

“الرَّوَاشاتُ الدَّامِيَة” *

قصة قصيرة من الأدب الفارسي

بقلم : نعمت حسيني _أفغانستان 

  • ترجمة  :  حامد حبيب مصر

   استيقظتَ من النوم، لكنك لم تكن متأكداً: هل صحوتَ حقاً أم ما زلتَ في أحدِ تلك الأحلام الناقصة  التي تُترك  دائماً بلا اكتمال. كان سقفُ الغرفةِ فوق رأسك، غير أن نظرك  تجاوزه ليبلغ سماء “كابُل” الصافية؛ سماءً كنتَ تشعر أنها  لم تعد لك. شيءٌ  ما كان  يثقل  صدرك  ؛ لا هو  ألمٌ  ولا جرح ، بل أشبه بمعرفةٍ مسبقةٍ بحادثٍ لم يقع بعد.

كانت سماء “كابُل” هي ذاتها التي كبرتما تحتها، أنتَ و”نَجينة”؛ في الأزقّة الضيّقة، وعلى الأسطح المزدحمة بالذكريات، وفي أحلامٍ ظلّت دائماً ناقصة. عاد إلى قلبك مشهدُ نظرتها الأولى؛ عيناها العسليّتان، الهادئتان، البريئتان والصادقتان، وأساورها البنفسجية والبيضاء التي كانت مع كل حركة تُرنّ رنّةً خفيفة، كأنها صوت الحياة. كانت “نَجينة” تحلم دائماً  بالصعود  إلى السماء، إلى النجوم؛ أمّا أنت، فعلى كثرة ما تمنّيت، كنتَ معقوداً بهذه الأرض القاسية المغلقة.

مكثتُ أعدُّ نجوم الليل طوال الليل ، فدوّى صوت “نَجينة” في أذنك وهي تقول:

– «في هذه الأرض يتعذّب الناس.»

وفي الظلام قلتَ لنفسك إن “نَجينة” محقّة؛ هذه الأرض سجنُ تعذيب.

……

مرّت الشهور. كانت اللقاءات قصيرةً وسرّية، كأنها أنفاسٌ مسروقة. إلى أن جاء اليوم الذي اتفقتما فيه على الذهاب إلى جبل “خواجه صفا”؛ جبلٍ واقفٍ منذ سنين، شاهدٍ على” كابُل”… على العشق والخراب، على الآلام والأفراح.

كان يوم خميس حين انطلقتما. في الطريق، كانت “نَجينة” تلتفت مراراً إلى الوراء وتسأل:

– «ماذا لو رآني أحد الأصدقاء؟»

قلتَ:

– «الله كريم، لن يراكِ أحد.»

وحين سألتَ عمّا قالتْه لوالدتها، أجابتْ أنها قالت إنها ذاهبة إلى بيت أختها في الرضاعة لتساعدها في دروسها. ثم أضافت بعد تردّدٍ قصير:

– «من أجلك كذبتُ على أمي.»

قرب دكّان البقّال، علا صوتٌ يقول:

«صحة وهنا يا ولد أبيك!»

تجمّد الدم في عروقك، وهممتَ أن تغيّر طريقك، لكن “نَجينة” أمسكت بذراعك وقالت:

– «بحقّ الله، ستكون فضيحة.»

…….

على قمّة الجبل، حيث تهدأ كابُل تحت الأقدام، كانت عينُ ماءٍ تفور من قلب الصخر؛ ماءٌ صافٍ باردٌ صامت، يأتي ويذهب منذ سنين دون أن يتلوّث. جلستما إلى جانب تلك العين؛ كأن الجبل قد وضع أنقى أسراره عند قدميكما. كان نفس “نَجينة” محتبساً. جلست تحت شجرة الأرجوان، والعرَق يلمع على جبينها كندَى الصباح على شجرِ فناء بيتكم.

غرفتَ كفّاً من الماء ورششتَه على يديها. أضاء جلدُها تحت الماء، واكتسى وجهُها في ظلّ الأرغوان لوناً بين الخجل والتفتّح. علّقتَ أزهار الأرجوان في شعرها. ارتجفت يدُها في يدك. حبّات الرَّواش البيضاء العطرة في كفّك بدت كأنها لمستِ الحياة، وكان ذلك سبب ارتجافِ يديها. قبّلتَ أصابعها. سكن بينكما صمتٌ هادئ؛ صافٍ كالماء الذي يفور من قلب الجبل.

سألتْك عن البناية العالية المستديرة. حدّثتَها عن بيت الحمام، وعن “بابر”، وعن” كابُل” المهيبة. قالت بهدوء:

– «أنا أيضاً جئتُ من الهند.»

قلتَ:

– «من هناك جاؤوا فعمّروا، ومن هنا رحلوا فخرّبوا، وأنتِ أيضاً خرّبتِ قلبي.»

صمتَت، ثم حدّثتْك عن نسبها، وحين أغمضتْ عينيها قالت:

– «منذ اليوم الأول جئتَ ودخلتَ قلبي وسكنتَه.»

رأيتَ نظرة الشيخ الواقف في الظل؛ نظرةً ثقيلةً صامتة، رمزاً لكلّ الجدران والمحرّمات. لكن “نَجينة” كانت عند عين الماء؛ أنقى من كلّ إدانة وأطهر من كلّ حكم.. هبّت ريحٌ قوية، وتساقطت أوراق الأرجوان على الصخور. أمسكت نَجينة بكتفك وقالت:

– «أشعر بالبرد.»

فجأةً خمدت سماءُ كابُل خمودٌ تعرفه هذه المدينة جيداً. أردتَ أن تقول شيئاً، فإذا بالصوت يأتي؛ لا، ليس صوتاً، بل إطلاقُ صاروخ. جاء الصاروخ من الجهة الأخرى من الجبل، غافلاً عن العشق، وعن نَجينة، وعن عين الماء والأرجوان. لحظةُ نور، ولحظةُ غبار، ثم اخترق صدرك؛ دقيقاً بلا رحمة.

انقطع نَفَسُك، وانهدّت الأرض تحت قدميك. اندفعت يدك لا إرادياً إلى صدرك، وشعرتَ بحرارة الدم؛ حقيقيةً ومتدفّقة. صرخت نَجينة:

– «لا!»

لكنّك لم تسمع صوتك. رأيتَ فقط أنها تشبّثت بصدرك. كانت يدا نَجينة البيضاء الناعمة، الشبيهة بالرَّواش، تحمران ببطء، وتتشكّلان على هيئة «الرَّواشات الدامية».

امتلأت عيناها وارتجفتا. شدّت يديها أكثر، كأنها تريد أن تمنعك من الرحيل. تحرّكت شفتاك، ولم يخرج صوت، لكنها فهمت.

وضعتَ رأسك على ركبتيها. امتزج عطر الأرجوان ورائحة ماء الجبل برائحة الدم. كانت عين الماء ما تزال تفور؛ صافيةً وغير مكترثة، كما كانت دائماً. كانت سماء كابُل مليئة بالنجوم، لكن في تلك الليلة لم تنطفئ نجمةٌ في السماء، بل انطفأت نجمةٌ في صدرك. أغمضتَ عينيك؛ لا نحو سماء الله، بل نحو هذه الأرض، أرض التعذيب.

بقيت نَجينة؛ بيديها البيضاوين الشبيهتين بالرَّواش وقد غمرهما الدم، وبحبٍّ حُبس في الدم. رحلتَ أنت، وعرفتْ هي أن الحبّ في هذه المدينة ليس مجرّد جريمة، ولا مجرّد خطٍّ أحمر، بل إنسانٌ يموت بدلاً من معشوقه. وبقيت الرَّواشات الدامية، إلى الأبد، في صدر كابُل.

____________

*الرَّواشات هي جمع رَواش، وهو نباتٌ بريٌّ معروف في بلاد خراسان وأفغانستان وإيران،  له ساقٌ بيضاء مائلة إلى الخضرة أو الحمرة، وطعمُه حامضٌ منعش، ويؤكل غالبًا طازجًا مع الملح، واستخدمه الكاتب ليرمز به لبياض يدَي نَجينة وبراءتها.

—————&&&

مدينة فولدا – ألمانيا

شـــارك الخبر علي منصات التواصل

صحيفة فــــسانيا

صحيفة أسبوعية شاملة - منبع الصحافة الحرة

شاركنا بتعليقك على الخبر :