السلال الرمضانية… مهرجان العطاء أم مسرح إذلال الفقراء؟

السلال الرمضانية… مهرجان العطاء أم مسرح إذلال الفقراء؟

تحقيق : عمر ميلاد بن خيلب

ما بين فرحة الوصول وحساسية الظهور

أحمد حمزة: استغلال معاناة الفئات الضعيفة إعلاميا مساس مباشر بالخصوصية الإنسانية

مبادرة محمد سلطان في سبها: شفافية في المال وسرية في التوزيع نموذج يُحتذى

مع حلول شهر رمضان المبارك، تتجدد في المجتمع مشاهد التكافل والتراحم، وتتصدر السلال الرمضانية واجهة العمل الخيري بوصفها رمزًا للأمل والعون في زمن الحاجة. في بيوت كثيرة، تمثل هذه السلال فرقًا حقيقيًا بين الضيق والانفراج، وبين قلق يومي على لقمة العيش وطمأنينة مؤقتة تعيد للأسر بعض الاستقرار.

لكن السلة الرمضانية ليست مجرد مواد غذائية تُنقل من مخزن إلى منزل؛ إنها في الوقت نفسه مرآة دقيقة لمجتمعنا، تعكس طريقة فهمنا للعطاء، وحدود احترامنا لخصوصية المحتاجين، ومدى التزامنا بروح التضامن بعيدًا عن الاستعراض. بين عطاءٍ يُقدَّم في صمت يحفظ سرية المستفيد، وآخر يُرافقه تصوير ونشر وترويج، يتشكل سؤال أخلاقي عميق: هل ما يزال العمل الخيري رسالة إنسانية خالصة، أم أن بعض ممارساته بدأت تنزلق نحو التنافس الإعلامي وكسب النفوذ؟

روى أحد المتعففين قصة تختصر الكثير من الجدل الدائر حول العمل الخيري بين السرّ والعلن، في زاوية هادئة من المدينة. يقول الرجل: “أتاني رجل أعرفه جيدًا، شخص أراه دائمًا يساعد الناس، جاءني في وقت متأخر يحمل بعض المساعدات. أقسم عليّ ألا أرجعها وقال إنها لله.” وأضاف: “أخذتها… وفرحت عائلتي بها. كنا فعلًا بحاجة لها.”

لكن المفاجأة لم تتأخر، في اليوم التالي جاء شخص آخر وقال له: “أتاك فلان وجلب لك مبلغًا ماليًا وتموينًا، وذكر أسماء عدة أسر.” هنا يقول الرجل، لم تكن الصدمة في العطاء… بل في الحديث عنه، شعرت بشيء انكسر داخلي. المساعدة التي فرحنا بها في الليل، صارت ثقيلة في النهار.

وتابع الرجل بصوت مختلط بين الامتنان والألم: “فورًا رجعت للبيت، وانتظرت إلى منتصف الليل. حملت الأغراض والمبلغ، وذهبت إلى باب منزله، وضعت كل شيء، طرقت الباب، ومشيت.” ترك الرجل ورقة صغيرة كتب فيها: “إن كان فعلك لله… فاتركه بينك وبين الله، وليس في المجالس.” وأضاف: “لا أتهم أحدًا بسوء النية، لكن اكتشفت حساسية عميقة لدى المتعففين، فالمحتاج قد يقبل المساعدة، لكنه لا يقبل أن يتحول إلى حديث في المجالس.”

بين الامتنان والخصوصية خيط رفيع، وبين الصدقة والستر ميزان دقيق. أحيانًا لا يكون الألم في الحاجة نفسها، بل في انكشافها أمام الآخرين. وربما تختصر تلك الورقة الصغيرة المعادلة كلها: الخير الذي يُقال في المجالس… ليس كذاك الذي يبقى سرًا بين العبد وربه.

حين تتحول المساعدة إلى عبء على قلب طفل

أوضحت أرملة تُربي أبنائها الأيتام أن المساعدة التي تلقتها خلال رمضان، رغم حاجتها الشديدة، تحولت إلى عبء نفسي بسبب انكشاف خصوصيتها. تقول الأم: “تواصل معي شخص لجلب بعض المساعدات، ارتبكت… أول ما خطر ببالي: هل سيتم تصويرنا؟ هل سيُذكر اسمي؟

وأضافت أن أبنائها شعروا بالإحراج بعد أن علم زملاؤهم بمن جلب لهم السلة، ما جعل المساعدة التي كان يُفترض أن تكون فرحة تتحول إلى ضغط نفسي. وأكدت الأم: “هو لم يرفض المدرسة… بل رفض الإحساس الذي جاء بعدها. الخير لا يُقاس بحجم السلة، بل بحجم السرية والخصوصية التي ترافقها.

 الوطني وسيلة للحرمان الفقراء خارج منظومة “التوزيع

قالت الصحفية بيّه خويطر ، السلال الرمضانية المربوطة بالرقم الوطني تحولت إلى وسيلة تعجيزية أكثر من أنها دعم حقيقي للمحتاجين. فالفقراء الذين لا يمتلكون رقم وطني يُحرمون من أي مساعدة، بينما كثير من أصحاب الرواتب أو المنح يحصلون على السلال رغم أنهم لا يحتاجونها ،وأشارت أن هذا النظام لا يحمي الفقراء، بل يكرّس التمييز ويضع حاجات المستحقين الحقيقيين خارج الحساب.

وأضافت الأمر أصبح مرفوضا أخلاقيا، فالصدقات في جوهرها وجدت للفقراء والمساكين وابن السبيل والمؤلفة قلوبهم، لا لمن اجتازوا شروط التسجيل فقط ، فهل يعقل أن يبقى  بعض الفقراء خارج السلال فقط لأنهم خارج المنظومة؟

وأكدت ، أن هذا التوزيع يدل على عجز المنظمين عن فهم الهدف الحقيقي للعمل الخيري، ويكشف عن إدارة مرتبكة وعاجزة ومتناسية الغاية الإنسانية للصدقة ، فحين يتحول الرقم الوطني إلى معيار وحيد يصبح العمل الخيري جزء من لعبة بيروقراطية تعجيزية، بعيدا عن الرحمة، وقريبا جدا من الإحباط الاجتماعي.

وأشارت إلى أن هذا الوضع يحتاج تدخلا عاجلا لمراجعة القواعد، وضمان وصول الدعم إلى من يستحقه فعليا، وإلا سنجد أن رمضان هذا العام سيصبح موسم للحرمان أكثر من كونه موسم رحمة.

السلال الرمضانية حلول موسمية لا تعالج جذور المشكلة الاقتصادية

الصحفي وائل أحمد أشار إلى أن الانتشار الكبير للسلال الرمضانية يعكس اتساع فجوة الدخل وارتفاع كلفة المعيشة، وضعف القدرة الشرائية للأسر، موضحًا أن الطلب على السلع الأساسية يزداد بدافع الحاجة وليس الرفاه. وأضاف أن الحملات تؤثر على السوق إيجابيًا بتعزيز السيولة وتخفيف فجوة الغذاء، لكنها قد ترفع الأسعار مؤقتًا إذا لم تُنسق جيدًا، خصوصًا في مناطق الجنوب محدودة العرض.

ويرى أحمد أن توجيه الدعم نقدًا يمنح الأسر حرية اختيار ويقلل الهدر، بينما التوزيع العيني يضمن وصول الغذاء فعليًا لكنه قد يزيد الكلفة، مؤكدًا أن الشفافية المالية ضرورية لضمان وصول الموارد للأسر المستحقة، ومنع التكرار أو سوء الاستخدام. وختم بالقول إن السلال الرمضانية حلول موسمية لا تعالج جذور المشكلة الاقتصادية، ويجب ربط الدعم الموسمي ببرامج تمكين دخل، مشاريع صغيرة، تدريب مهني، وتحسين سلاسل التوريد لضمان أثر مستدام.

العمل الخيري بين الرسالة الإنسانية والاستعراض الإعلامي

أكد الناشط الاجتماعي أحمد التواتي أن العمل الخيري بطبيعته رسالة إنسانية نبيلة، لكنه في بعض الحالات يتحول إلى استعراض إعلامي موسمي، خصوصًا خلال رمضان، حيث يصبح الاهتمام بالصورة الإعلامية وعدد المستفيدين وظهور أسماء الجهات أو الأفراد أهم من الجوهر الإنساني للمساعدة.

وأشار إلى أن الطريقة التنفيذية تحدد أثر المبادرة على الأسر: السلة التي توزع بسرية، دون تصوير أو نشر علني، تحافظ على خصوصية الأسر وتصل الرسالة الإنسانية كما يجب. أما التوزيع المصحوب بتصوير ونشر، فيضع المستفيد في موقف محرج، ويثير شعورًا بالفضح الاجتماعي، خاصة عند كشف الوجه أو عنوان السكن، ما قد يؤدي إلى رفض بعض الأسر استلام المساعدة خوفًا من التشهير أو النظر المجتمعي السلبي.

ونوه التواتي من أن العمل الخيري يفقد جوهره عندما يصبح الإنسان مجرد وسيلة لتحقيق مصالح شخصية أو سياسية، موضحًا أن بعض الجهات تستغل حاجة المحتاجين لكسب نفوذ اجتماعي أو تعزيز شعبية، أو لربط المبادرة باسم فرد أو جمعية محددة، ما يحوّل الدعم إلى متاجرة بالمعاناة الإنسانية.

العمل الخيري يفقد قيمته حين يتحول إلى سباق صور ومنشورا

قال الناشط الاجتماعي عبدالرحمن الحضيري إن العمل الخيري المرتبط بالسلال الرمضانية يظل في جوهره فعل تضامن مهم، لكنه في بعض الحالات فقد جزءًا من رسالته الإنسانية نتيجة الطريقة التي يُقدَّم بها، موضحًا أن بعض المبادرات خلال شهر رمضان تتحول إلى سباق على الصور والمنشورات واللايكات بدل التركيز على الأثر الحقيقي على الأسر المحتاجة. وأكد أن الإشكال لا يكمن في حجم المساعدات أو عدد السلال الموزعة، بل في أسلوب التنفيذ، لأن السؤال الحقيقي – بحسب تعبيره – ليس كم وزعنا، بل كيف وزعنا.

وأوضح الحضيري أن التوزيع المصحوب بتصوير المستفيدين أو إظهارهم إعلاميا يجرح خصوصيتهم ويضعهم في موقف نفسي واجتماعي حرج، وقد يحوّل المساعدة من دعم إنساني مرحب به إلى عبء ثقيل، خاصة في البيئات الصغيرة التي تنتشر فيها الأخبار بسرعة، حيث قد يشعر المستفيد بأن حاجته أصبحت معروفة ومتداولة بين الناس.

وأضاف أن بعض الأسر قد تتردد في قبول المساعدة أو ترفضها أساسًا خوفًا من انكشاف ظروفها، وهو ما يناقض الهدف الأساسي للعمل الخيري القائم على الستر وصون الخصوصية.

وأشار إلى أن التوثيق والشفافية أمران ضروريان في أي نشاط خيري، لكنهما  برأيه لا يتطلبان بالضرورة تصوير المستفيدين أو نشر هوياتهم، إذ يمكن توثيق العمل عبر الفواتير والتقارير المالية وبيانات التوزيع دون المساس بخصوصية الأسر.

ولفت إلى أن العمل الخيري يفقد قيمته عندما يتحول إلى استعراض إعلامي موسمي، أو إلى وسيلة لبناء صورة اجتماعية أو تحقيق حضور رقمي، لأن جوهر العطاء في نظره يقوم على الوصول إلى المحتاج بطريقة تحفظ كرامته وخصوصيته، لا على إظهار المانح أو عدد المستفيدين.

وختم الحضيري بالتأكيد على أن السلال الرمضانية ينبغي أن تظل وسيلة للتكافل الصامت الذي يحقق الأثر دون ضجيج، داعيًا إلى ترسيخ ثقافة التوزيع السري المنظم، والتفريق بين الشفافية الواجبة في المال، والسرية الواجبة في الأشخاص، حتى يبقى العمل الخيري عامل دعم حقيقي للأسر لا مصدر حرج لها.

شفافية المال لا تعني كشف هوية المستفيدين

قالت الناشطة المدنية مريم مشمور إن السلال الرمضانية تمثل جانبًا مهمًا من التكافل الاجتماعي في المجتمع، لكنها ترى أن قيمتها الإنسانية ترتبط بدرجة كبيرة بطريقة تقديمها، مؤكدة أن الخصوصية ليست تفصيلًا ثانويًا بل عنصر أساسي في أي مبادرة موجهة للأسر المتعففة. وأوضحت أن كثيرًا من العائلات تقبل المساعدة بدافع الحاجة، لكنها في الوقت ذاته تخشى انكشاف ظروفها أو تداولها اجتماعيًا، خاصة في البيئات المحلية الصغيرة.

وأضافت أن بعض الممارسات المرتبطة بتصوير المستفيدين أو نشر تفاصيل المساعدات قد تخلق أثرًا نفسيًا غير مرئي، يتمثل في شعور المستفيد بأنه أصبح موضع شفقة أو حديث للآخرين، وهو ما قد يؤثر على إحساسه بالكرامة والاستقلالية.

قاعدة بيانات موحدة تضمن العدالة وسرية التوزيع في السلال الرمضانية

أكدت رئيس فرع الشؤون الاجتماعية سبها الدكتورة تهاني العقوري أن توزيع المساعدات والسلال الرمضانية يتم وفق قاعدة بيانات دقيقة تشمل الأسر المستحقة، موضحة أن دور الفرع في الحملات الرمضانية يقوم على المشاركة الفاعلة ودعم ورعاية الأسر المحتاجة استنادًا إلى المنظومة المعتمدة لديه، وبالتعاون مع جهات عدة في مقدمتها صندوق الزكاة، بهدف التخفيف من معاناة الأسر في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة. وأوضحت أن الشؤون الاجتماعية لا تقتصر على التنسيق أو الإشراف، بل تُعد شريكًا مباشرًا في التنفيذ، سواء عبر التعاون مع الجهات العامة أو من خلال تقديم السلات مباشرة للأسر المسجلة.

وبيّنت العقوري أن الفرع يعتمد قاعدة بيانات موحدة مع صندوق الزكاة لمنع الازدواجية وضمان العدالة في التوزيع، مع إجراء بحث اجتماعي ميداني مستمر لتحديث بيانات الأسر المعوزة والمطلقات والأرامل والأيتام والنازحين، مؤكدة أن كثرة الحملات الرمضانية تصب في مصلحة المواطن لكنها تتطلب تنظيمًا يضمن عدم تكرار الاستفادة لنفس الأسر وحرمان أخرى. وأشارت إلى أنه عند التوزيع تُشكل لجنة مختصة، ويُسجل الاستلام رسميًا لضمان الشفافية، مع توثيق العمليات دون تصوير الأشخاص احترامًا لخصوصيتهم، معتبرة أن نشر صور المستفيدين دون إخفاء هوياتهم يُعد انتهاكًا واضحًا لخصوصيتهم.

من جانبها، أوضحت رئيس مؤسسة بيت فزان عائشة يوسف أن المؤسسة توفر السلال الرمضانية هذا العام بالتعاون مع صندوق الزكاة – سبها، مستهدفة مئات الأسر المسجلة في المنظومة المشتركة وفق الإمكانيات وحجم التبرعات، مؤكدة اعتماد معايير واضحة للاختيار تشمل التسجيل في المنظومة، والتحقق من الدخل والحالة الاجتماعية، وإعطاء الأولوية للأرامل والأيتام وكبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة، مع منع الازدواجية عبر نظام فلترة إلكتروني يمنح كل أسرة رمزًا سريًا خاصًا ويضمن سرية البيانات. وأضافت أن كل عملية تسليم تُسجل عبر الكود الخاص بالأسرة مع توقيع الاستلام ومطابقة البيانات بإشراف المؤسسة وصندوق الزكاة.

وأكدت يوسف أن الحفاظ على كرامة الأسر أولوية قصوى، ويتم ذلك بتنظيم التوزيع دون إعلان الأسماء أو إظهار المستفيدين، والتعامل باحترام كامل وإيصال المساعدات بهدوء، مع توجيه المتطوعين مسبقًا بالالتزام بالسرية ومنع التصوير العشوائي، موضحة أن التوثيق يقتصر على السلات أو فرق العمل دون وجوه الأسر، لأن الإعلام وسيلة لتعزيز الشفافية لا لاستعراض الفقر.

صندوق الزكاة منظومة إلكترونية وضوابط صارمة

أوضح مصدر مسؤول داخل صندوق الزكاة – سبها أن الصندوق يعتمد منظومة إلكترونية تمنح كل أسرة رقمًا تعريفيًا خاصًا، ما يسهم في منع التكرار وضبط عمليات الصرف. وأشار إلى أن البحث الاجتماعي يمر بعدة مراحل تبدأ بالتحري الميداني وتنتهي باعتماد الحالة، مؤكّدًا أن الصندوق يرفض بشكل قاطع تصوير المستفيدين أو نشر أسمائهم، لأن الزكاة عبادة قبل أن تكون إجراء إداري، وأي ممارسة تمس خصوصية المحتاج تتنافى مع مقصدها الشرعي.

مبادرة من قلب فزان… 700 ألف دينار في أقل من 5 أيام

صانع المحتوى الشاب امحمد سلطان أطلق حملة تبرعات لدعم الأسر المحتاجة خلال رمضان، ولم يتوقع أن تصل التبرعات إلى سقف كبير. قال محمد كنت مبتعدًا عن هذا النوع من المبادرات ، لكن حاجة الأسر هي ما دفعتني للبدء. توقعت أن يصل المبلغ إلى 20 ألف دينار ليبي بالكثير. غير أن ما حدث فاق كل التوقعات، فخلال أقل من 5 أيام وصلت التبرعات إلى نحو 700 ألف دينار ليبي.”

وأكد سلطان لن أصور أي عائلة، ولن أذكر اسم أي شخص، العمل سيكون في سرية تامة. وأوضح أن التوثيق سيقتصر على فواتير المشتريات، القيم الإجمالية، الخصومات، وتقارير مالية مفصلة توثق حركة الأموال، مع تنسيق مباشر مع صندوق الزكاة لضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها وفق قاعدة بيانات معتمدة، بما يعزز الشفافية ويمنع الازدواجية.

هل الخير لمن يملك رقمًا وطن

ورغم الإشادة الواسعة بمبادرة سلطان لدعم الأسر المحتاجة، برزت تساؤلات إنسانية موجعة من بعض الفئات التي لا تشملها قواعد البيانات الرسمية.

أحد المتعففين المهجرين ممن يعيشون خارج منظومة الأرقام الوطنية، قال في حديث مؤلم تفاجأت أين يذهب المتعففون الذين ليست لديهم أرقام وطنية؟ هل أصبح الخير مخصصا فقط لمن يملك رقمًا وطني؟ ماذا يفعل النازح من الحرب الذي ينام في العراء؟ أين يذهب المهجّر الذي فقد أوراقه وبيته وأهله؟.

الرأي القانوني والحقوقي

أوضح المستشار القانوني أبوبكر خيلب أن تصوير المستفيدين ونشر صورهم لأغراض دعائية يُعد “جريمة مكتملة الأركان” وفقًا للمادة 431 من قانون العقوبات الليبي، وأن أي تلاعب في قوائم المستفيدين يُكيف قانونًا كجريمة تزوير. وأضاف أن القانون الليبي يكفل للمستفيد الحق في التعويض عن أي انتهاك لخصوصيته.

قال رئيس المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان بليبيا –أحمد حمزة “ما هذا العبث الذي تقوم به بعض الجهات في إذلال المتعففين والفئات الفقيرة والأكثر احتياجا، من خلال تصويرهم والاستثمار الإعلامي في معاناتهم؟  في إشارة له على إحدى مناشير جهة عرضت صور المتعففين أثناء تسليمهم ، وأكد أن إظهار هوية المحتاجين والمستفيدين من المساعدات الإنسانية أمر ممنوع وغير مقبول، ويعد مساسًا مباشرًا بالخصوصية الإنسانية ويهدر كرامتهم.”

وأضاف ، أي استغلال إعلامي لمعاناة الفئات الضعيفة يتعارض مع القانون الليبي ومع المواثيق الدولية لحقوق الإنسان. يجب احترام خصوصية المستفيدين وحماية حياتهم الإنسانية والاجتماعية، فالعمل الخيري رسالة إنسانية قبل أن يكون نشاطًا دعائيًا، وكل تجاوز في هذا المجال غير مقبول تحت أي ظرف.

ضوابط شرعية للصدقات والسلال الرمضانية

أكد الشيخ عيسى رمضان على التفريق بين الصدقة والسلة الرمضانية، وأن السلة المرتبطة بشهر رمضان لتحقيق الإفطار والسحور يجب أن تحافظ على خصوصية الأسر المستفيدة. وأشار إلى أن الإعلان عن الصدقة جائز إذا خلا من الرياء، أما تصوير المحتاجين فهو مرفوض شرعًا إذا أدى إلى أذى نفسي أو اجتماعي.

وشدد على أن استغلال العمل الخيري لأغراض سياسية أو دعائية لا يُقبل شرعًا أو عرفًا أو قانونًا، لأن العمل الخيري عبادة، والعبادة لا تُبتغى بها المصالح الدنيوية الضيقة. وأكد على ضرورة المعاملة باحترام كامل للمتعففين، وإيصال المساعدة بطريقة سرية أو عبر طرف وسيط مأمون، مستشهدًا بآيات قرآنية وأحاديث نبوية تدعو إلى حماية الكرامة والستر.

الخاتمة

ويبقى السؤال الأعمق الذي يفرض نفسه، ما مصير العائلات الليبية العالقة خارج منظومة الأرقام الوطنية والأرقام الإدارية؟ تلك الأسر التي تعيش داخل الجغرافيا الليبية لكنها خارج اعتراف المنظومات.

وإذا كانت المساعدات اليوم تربط بالرقم الوطني كشرط للاستحقاق، فماذا عن الفقراء الذين لا تملك الدولة أوراقهم؟ وماذا عن أطفال يولدون بلا أرقام؟ وأمهات معيلات بلا قيود؟ وأسر لا خلاف على ليبيتها لكن الخلاف على أوراقها؟ هل تتحول المعايير الإدارية إلى بوابة إقصاء جديدة تُضاف إلى قسوة الحاجة؟

ثم يبقى السؤال الأكثر حساسية هل تصل السلال فعلا إلى كل مستحقيها؟ وما الضمانات الحقيقية التي تمنع الإقصاء أو التكرار أو تسرب المساعدات خارج الفئات الأشد حاجة؟.

شـــارك الخبر علي منصات التواصل

صحيفة فــــسانيا

صحيفة أسبوعية شاملة - منبع الصحافة الحرة

شاركنا بتعليقك على الخبر :