فسانيا | عمر بن خيلب
شهدت مدينة بنغازي يومي 15 و16 يونيو 2026 حدثاً سياسياً ودبلوماسياً بارزاً يتمثل في أعمال المؤتمر العام الثاني للمجلس البرلماني الآسيوي–الأفريقي، في خطوة تعكس تصاعد الحضور الليبي في مسار الدبلوماسية البرلمانية، وتنامي دورها في بناء جسور التعاون بين قارتين تمثلان ثقلًا ديموغرافيًا واقتصاديًا وجيوسياسيًا في النظام الدولي المعاصر.

ويأتي انعقاد المؤتمر في سياق إقليمي ودولي يتسم بتعقّد الأزمات وتداخل الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية، ما يمنح هذا الحدث بعداً يتجاوز الطابع البروتوكولي إلى كونه منصة للحوار وصياغة توجهات تشريعية مشتركة بين البرلمانات المشاركة من آسيا وأفريقيا.

كلمة عقيلة صالح… رؤية سياسية شاملة
في كلمته الافتتاحية، قدّم رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، رؤية شاملة حول أهمية الدبلوماسية البرلمانية في بناء جسور التعاون بين الشعوب، مؤكداً أن ليبيا تمثل اليوم نموذجاً للاستقرار وإعادة الإعمار.
وأشار إلى أن استضافة المؤتمر في بنغازي تعكس تحولاً تاريخياً في مسار الدولة الليبية، وانتقالها من مرحلة التحديات الأمنية إلى مرحلة البناء المؤسسي، مشدداً على أن البرلمانات تتحمل مسؤولية كبيرة في حماية حقوق الإنسان، وتعزيز العدالة الاجتماعية، ومكافحة الفساد، ودعم التنمية الشاملة.

ليبيا في قلب الدبلوماسية البرلمانية
أكد المتحدث الرسمي بإسم مجلس النواب الليبي عبدالله بليحق، أن استضافة بنغازي لأعمال المؤتمر جاءت ضمن رؤية واضحة لتعزيز الدبلوماسية البرلمانية وتوسيع نطاق التعاون بين الدول، مشيراً إلى أن هذا الحدث يمثل خطوة استراتيجية لإعادة تموضع ليبيا في الفضاءين الإقليمي والدولي.
وأوضح بليحق أن المؤتمر تضمن جلسات حوارية متخصصة تناقش قضايا التنمية المستدامة، وتعزيز الأمن والاستقرار، وتفعيل دور البرلمانات في مواجهة التحديات المشتركة، إلى جانب بحث آليات تطوير المجلس البرلماني الآسيوي– الأفريقي ليصبح أكثر فاعلية وتأثيراً في الساحة الدولية.

ويبرز في هذا السياق طرح مقترح ترشيح ليبيا لرئاسة المجلس، ممثلة في رئيس مجلس النواب المستشار عقيلة صالح عيسى، إضافة إلى مناقشة مقترح اعتماد مدينة بنغازي مقراً دائماً للمجلس، وهو ما يعكس حجم الثقة المتزايدة بالدور الليبي وقدرته على استضافة المؤسسات الدولية.
بنغازي… من مدينة مواجهة إلى منصة دولية
تحولت بنغازي خلال السنوات الأخيرة إلى نموذج لمدينة خرجت من دائرة الصراع إلى فضاء إعادة الإعمار والاستقرار، وهو ما أكد عليه عدد من المتحدثين في المؤتمر، معتبرين أن اختيارها لاستضافة هذا الحدث يحمل رسالة سياسية واضحة حول عودة الحياة الطبيعية للمؤسسات الليبية.
وتعد هذه الاستضافة مؤشراً على ما تشهده ليبيا من تحسن تدريجي في البيئة الأمنية والخدمية، وهو ما أتاح تنظيم فعاليات دولية بهذا الحجم، بمشاركة رؤساء برلمانات ومجالس تشريعية، وممثلين عن منظمات إقليمية ودولية وخبراء ومراقبين.

دلالات سياسية لمقترح الرئاسة والمقر الدائم
من أبرز محاور المؤتمر النقاش حول ترشيح ليبيا لرئاسة المجلس البرلماني الآسيوي–الأفريقي، وهو مقترح يحمل دلالات سياسية تتجاوز الإطار التنظيمي إلى إعادة صياغة موقع ليبيا في الخارطة البرلمانية الدولية.
ويرى مراقبون أن هذا الترشيح، في حال اعتماده، سيمنح ليبيا مساحة أوسع للتأثير في السياسات البرلمانية المشتركة بين القارتين، كما سيعزز من حضورها في ملفات التعاون الاقتصادي والتشريعي والأمني.
كما أن مقترح اعتماد بنغازي مقراً دائماً للمجلس يمثل نقلة نوعية في البنية المؤسسية للعمل البرلماني الآسيوي–الأفريقي، ويعكس في الوقت ذاته اعترافاً دولياً متزايداً بالدور الليبي في دعم مسارات الحوار والتقارب بين الشعوب.

تصريحات رسمية تؤكد رمزية الحدث
في السياق ذاته، أكد النائب الثاني لرئيس مجلس النواب مصباح دومة، أن استضافة المؤتمر تعكس المكانة المتقدمة التي بات يحظى بها مجلس النواب الليبي على مستوى العمل البرلماني الدولي، مشيراً إلى أن بنغازي باتت مؤهلة لاحتضان كبرى الفعاليات الإقليمية والدولية.
وأضاف دومة أن المؤتمر يمثل فرصة لتعزيز التعاون بين آسيا وأفريقيا، وتبادل الخبرات في المجالات التشريعية والتنموية، بما يسهم في دعم الاستقرار الإقليمي.
كما شدد على أن ما تشهده بنغازي من تطور عمراني وخدمي يعكس جاهزيتها الكاملة لاستقبال الوفود الدولية، ويؤكد نجاح مشاريع إعادة الإعمار.
من جانبه، أكد عضو مجلس النواب وعضو البرلمان الأفريقي يوسف الفاخري، على أن انعقاد المؤتمر في ليبيا يمثل خطوة مهمة في مسار عودة البلاد إلى المشهدين الإقليمي والدولي، موضحاً أن المشاركة الواسعة تعكس ثقة متزايدة بدور ليبيا كشريك فاعل في القارة الأفريقية.

وأشار الفاخري إلى أن المجلس البرلماني الآسيوي– الأفريقي يمثل منصة مهمة لتعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، مؤكداً أن تطوير العلاقات البرلمانية سيعزز من فرص التنمية والتكامل الاقتصادي والسياسي.
كما أوضح رئيس ديوان مجلس النواب عبدالله المصري، أن انعقاد المؤتمر في بنغازي يشكل محطة مفصلية في مسار العمل البرلماني المشترك، مشيراً إلى أن المدينة تشهد نهضة تنموية شاملة جعلتها مؤهلة لاستضافة الفعاليات الكبرى، مضيفا أن البنية التحتية والمشروعات الحيوية الجارية في المدينة تعكس مستوى الاستقرار، وتؤكد قدرة ليبيا على تنظيم أحداث دولية بكفاءة عالية.
البعد المؤسسي للمؤتمر وتوسيع دور المجلس
تضمن جدول أعمال المؤتمر مناقشة تطوير آليات عمل المجلس البرلماني الآسيوي–الأفريقي، وتعزيز بنيته المؤسسية، بما يتيح له التحول من إطار تشاوري إلى منصة تأثير تشريعي فاعل في القضايا الدولية.
كما يناقش المؤتمر قضايا محورية مثل: التنمية المستدامة، الأمن الإقليمي والدولي، التحول الرقمي، التغيرات المناخية ، الهجرة غير الشرعية، مكافحة الفساد، تمكين الشباب والمرأة.
ويُتوقع أن تسفر النقاشات عن توصيات استراتيجية تعزز من التنسيق البرلماني بين القارتين.

بنغازي كرمز للتحول وإعادة الإعمار
أحد أبرز الرسائل التي حملها المؤتمر هو تقديم بنغازي كرمز للتحول السياسي والعمراني في ليبيا، حيث أشار عدد من المتحدثين إلى أن المدينة التي واجهت تحديات أمنية كبيرة أصبحت اليوم قادرة على استضافة مؤتمرات دولية رفيعة المستوى.
وينظر إلى هذا الحدث باعتباره شهادة عملية على نجاح جهود إعادة الإعمار التي تقودها مؤسسات الدولة، والدور الذي لعبته الأجهزة الأمنية والقيادة العامة في توفير بيئة مستقرة.
الدبلوماسية البرلمانية كأداة نفوذ دولي
يرى مراقبون أن هذا المؤتمر يعكس تصاعد دور الدبلوماسية البرلمانية كأداة موازية للدبلوماسية الرسمية، حيث باتت البرلمانات تلعب دوراً محورياً في صياغة التفاهمات الدولية وبناء الشراكات بين الدول.
وفي هذا السياق، يشكل المجلس البرلماني الآسيوي–الأفريقي منصة واعدة لتنسيق المواقف تجاه القضايا العالمية، بما في ذلك التنمية، الأمن الغذائي، الطاقة، والتغير المناخي.
رسالة ليبيا إلى العالم
يحمل انعقاد المؤتمر في بنغازي رسالة سياسية واضحة مفادها أن ليبيا عادت إلى محيطها الإقليمي والدولي كشريك قادر على الإسهام في صناعة القرار والتأثير في مسارات التعاون الدولي.
كما يعكس الحدث ثقة متزايدة في قدرة المؤسسات الليبية على تنظيم واستضافة الفعاليات الكبرى، بما يعزز من صورتها الدولية ويعيد تموضعها في الخارطة الدبلوماسية.
نحو مرحلة جديدة من التعاون الآسيوي–الأفريقي
يمثل المؤتمر البرلماني الآسيوي–الأفريقي الثاني في بنغازي محطة مفصلية في مسار التعاون بين القارتين، وفرصة لإعادة صياغة العلاقات البرلمانية على أسس أكثر فاعلية وتكاملاً.
وبينما تتجه الأنظار إلى مخرجات هذا المؤتمر، يبقى الأهم هو الرسالة التي حملها إلى العالم: أن ليبيا، وبنغازي تحديداً، باتت قادرة على أن تكون منصة للحوار، وجسراً للتعاون، ونقطة التقاء بين آسيا وأفريقيا نحو مستقبل أكثر استقراراً وتنمية وازدهاراً.
وقد اختتمت أعمال المؤتمر، بمشاركةِ رؤساء وأعضاء وفود برلمانية يُمثلون عددًا من دول قارتي آسيا وإفريقيا، إلى جانب مُمثلين عن الاتحاد الدولي لنقابات آسيا وإفريقيا وعددٍ من المنظمات البرلمانية الإقليمية والدولية.
إذ شهدت الجلسة الختامية، اعتماد البيان الختامي للمؤتمر، الذي تضمن في قراره الثاني التوافق بالإجماع على اختيار رئيس مجلس النواب الليبي، المستشار عقيلة صالح عيسى، رئيسًا للمجلس البرلماني الآسيوي الإفريقي لمدة 4 سنوات، في خطوةٍ تعكس الثقة بالدور الذي يضطلع به مجلس النواب الليبي في دعم وتعزيز العمل البرلماني المشترك بين دول القارتين.
كما أكدت التوصيات الختامية على أهمية الدور البرلماني في تعزيز العلاقات الآسيوية الإفريقية، وضرورة ترسيخ ثقافة الحوار والتشاور البرلماني المنتظم، إلى جانب توسيع آليات تبادل الخبرات التشريعية بين البرلمانات الأعضاء، خاصة في مجالات الحوكمة وسيادة القانون وحقوق الإنسان.
وأصدر المشاركون “إعلان بنغازي”، الذي شدّد على الالتزام بتطوير التعاون البرلماني الآسيوي الإفريقي، وتعزيز أطره المؤسسية بما يخدم مصالح الشعوب ويرسخ مكانة القارتين على الساحة الدولية، كما تبنى الإعلان مبدأ الشراكة القائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة والمنفعة المتبادلة بعيدًا عن الإملاءات والشروط غير المتكافئة.
وجدد الإعلان التأكيد على الدعم الكامل للشعب الفلسطيني في نضاله المشروع، من أجل نيل حقوقه الوطنية المشروعة، وفي مقدمتها إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، مع إدانة الجرائم بحق الشعب الفلسطيني.
كما أقرت الجلسة الختامية وثيقة ” الرؤية المستقبلية للعلاقات الآسيوية الإفريقية 2026 – 2030″ تحت عنوان ” نحو تكامل تشريعي ودبلوماسية برلمانية فاعلة “، والتي تهدف إلى تعزيز التنسيق البرلماني المشترك، ودعم مسارات التعاون والتنمية بين دول القارتين.














