تقرير/ سلمى مسعود
في ليبيا، لا تنتهي بعض الجرائم عند لحظة وقوعها، بل تبدأ فعليًا بعد ذلك، حين تختفي الحقيقة، وتتعثّر العدالة، وتُترك العائلات في فراغ طويل بين ما حدث وما لم يُحاسَب عليه أحد. من بين هذه الجرائم، تتكرر قصص قتل نساء في ظروف غامضة، لا تُعرف تفاصيلها كاملة، أو تُغلق ملفاتها قبل أن تُغلق جراح من خلّفتهم وراءها.
خلال السنوات الأخيرة، خرجت نساء من بيوتهن ولم يعدن، أو عُثر عليهن لاحقًا مقتولات في أماكن مختلفة، بينما ظلّت الأسئلة الأساسية معلّقة: من استدرج؟ كيف قُتلت؟ ومن المسؤول؟ وفي كثير من هذه القضايا، لا يكون الغموض ناتجًا فقط عن قسوة الجريمة، بل عن هشاشة منظومة الحماية، وبطء التحقيق، وتضارب الروايات، وغياب الشفافية حول ما يجري داخل مسارات العدالة.
هذا التحقيق لا يسعى إلى سرد المآسي من أجل المأساة، بل إلى تفكيك ما يحدث بعد الجريمة، إلى تتبّع المسار الذي يفترض أن يحوّل القتل إلى قضية، والقضية إلى محاسبة، والمحاسبة إلى عدالة. إنه محاولة لفهم لماذا تبقى بعض الجرائم بلا خاتمة؟ ولماذا تتحوّل حياة النساء إلى أخبار عابرة؟ فيما تتحوّل معاناة العائلات إلى انتظار بلا نهاية.
من بين هذه القصص، تبرز حكاية شابة قُتلت بعد أن استُدرجت باسم الثقة والتجارة، في جريمة تكشف كيف يمكن للعنف أن يتخفّى في تفاصيل عادية، وكيف يمكن للقتل أن يكون لحظة واحدة، بينما يكون غياب العدالة زمنًا طويلًا.

فاطمة: حين تتحول الثقة إلى فخ.
صرّح زوج فاطمة أن الحادثة وقعت في مطلع عام 2021، موضحًا أن صباح ذلك اليوم لم يكن مختلفًا عن غيره. وقال إنه خرج إلى عمله كعادته وترك زوجته في المنزل مع طفليهما، مضيفًا أنها كانت هادئة ولم تُبدِ أي إشارة توحي بأنها ستغادر المنزل أو أن شيئًا غير طبيعي سيقع.
وأضاف أنه عاد إلى المنزل قرابة الساعة الحادية عشرة صباحًا ليجد البيت فارغًا، موضحًا أنه لم يجد فاطمة ولا الطفلين، وأن هاتفها كان مغلقًا. وتابع أنه سأل الجيران، فأخبره أحدهم أنه شاهد زوجته تغادر برفقة امرأة منتقبة وكانت تحمل معها الطفلين، الأمر الذي جعله يتذكّر أن امرأة قديمة كانت تعرفها عادت للتواصل معها في الأيام السابقة، مدعية أنها تتاجر في ملابس الأطفال وتعرضها بأسعار منخفضة.
وقال الزوج إنه افترض في البداية أن فاطمة خرجت لشراء الملابس وستعود سريعًا، لكن الوقت مرّ دون أن تعود، وبقي هاتفها مغلقًا، ما أثار قلقه الشديد. وأضاف أنه علم لاحقًا أن زوجته لم تتوجه إلى متجر بل إلى منزل تلك المرأة، حيث فوجئت بوجود زوجها، وحاولت التراجع، لكن الأمور خرجت عن السيطرة.
وأوضح أنه بحسب ما تبيّن في التحقيقات، قُدّم لفاطمة ماء مخلوط بمادة مخدّرة أفقدتها القدرة على المقاومة، ثم جرى تقييدها وخنقها حتى الموت. وقال إنه لا يزال يجد صعوبة في تقبّل هذه التفاصيل أو ترديدها.
وأضاف الزوج أن الجريمة لم تتوقف عند قتل زوجته، بل امتدت إلى طفليهما، موضحًا أن ابنته التي لم تكمل عاميها وُضعت داخل حاوية قمامة، وعُثر عليها لاحقًا حيّة، بينما عُثر على جثة طفله الرضيع داخل منزل المرأة نفسها، دون أن يتلقى تفسيرًا واضحًا أو تقريرًا طبيًا مقنعًا يشرح ما حدث له.
وتابع أن التحقيقات شهدت تناقضًا في الروايات وتعددًا في الاعترافات، وأن المتهمين أُوقفوا وأُحيلوا إلى القضاء في فبراير 2021، وأن جلسات المحاكمة بدأت، لكنها استمرت لسنوات دون صدور حكم نهائي. وقال إن المحامين انسحبوا واحدًا تلو الآخر، وإن القضية دخلت في مسار طويل من التأجيل.
وختم الزوج تصريحه بالقول إن القضية لم تعد بالنسبة له مجرد ملف قضائي، بل مأساة مفتوحة، وفقد لا يُغلق، وانتظار ثقيل لعدالة لا يعرف إن كانت ستأتي يومًا، مؤكدًا أن ما تبقّى له اليوم هو ذاكرة بيت فارغ، وهاتف مغلق، وأطفال كبروا على غياب لا يجد تفسيرًا ولا نهاية.
خنساء المجاهد: حين يتحول الاغتيال إلى ملف مفتوح بلا خاتمة.
في مساء يوم 21 نوفمبر 2025، كانت خنساء محمد عبدالمجيد المجاهد (34 عامًا) تمضي لحظات عادية في غرب العاصمة طرابلس، في منطقة السراج، حين تحوّل هذا المساء إلى لحظة حطّمت حياتها وحياة من يعرفونها. كانت خنساء سيدة أعمال وصانعة محتوى معروفة على منصات التواصل الاجتماعي، تجمع بين نشاطها في مجال الموضة والعناية والتجميل، وأمومة طفلتها الصغيرة، وزوجة لزوجها معاذ المنفوخ، المعروف بنشاطه السياسي وعضويته السابقة في لجنة الحوار السياسي الليبية.
كانت خنساء داخل سيارتها في أحد شوارع المنطقة حين فُوجئت بإطلاق نار من قبل مسلحين مجهولين. وفق شهود وشواهد مصورة انتشرت على مواقع التواصل، حاولت خنساء النزول من السيارة والفرار لحظة بدء إطلاق النار، لكنهم استهدفوها مباشرة، وسقطت مضروبة برصاصة في الرأس. مقاطع وصور تداولها الجمهور أظهرت آثار طلقات على زجاج السيارة وجسدها ملقى على الأرض بعد أن فارق الحياة متأثرًا بإصابته.
الحادثة لم تكن مجرد إطلاق نار عابر، بل جريمة مروّعة أثارت صدمة واسعة في المجتمع الليبي. لم تُعرف هوية الجناة بشكل رسمي، وظلّت دوافع الحادثة غامضة لدى الرأي العام، ما أثار استنكارًا وغضبًا واسعًا عبر منصات التواصل وداخل الأوساط الحقوقية.
أثار اغتيال خنساء مخاوف من تصاعد العنف وتكرار استهداف النساء في المجال العام، خصوصًا أن لحظات مقتلها تزامنت مع تحركات أوسع حول العنف ضد النساء في ليبيا في سياق هشاشة الأمن وإطلاق النار العشوائي في بعض المناطق. وقد دعت منظمات حقوقية، مثل المنصّة الليبية للنساء من أجل السلام، إلى إجراء تحقيقات سريعة و جدية في هذا الحادث وغيره من جرائم العنف ضد المرأة، معتبرة أن هذه الجرائم جزء من مشكلة أكبر تتعلق بغياب حماية فعالة وآليات للمساءلة.
السلطات الأمنية في ليبيا أكدت فتح تحقيق عاجل في الجريمة، وطلبت تشكيل فرق مختصة لجمع الأدلة وتحديد هوية المتورطين، لكن حتى اللحظة لم يُعلن رسمياً عن اعتقال أي مشتبه به أو إحالة القضية إلى القضاء بحكم نهائي، ما ترك أسئلة كثيرة معلّقة حول دوافع الجريمة وأطرافها.
تحوّل اسم خنساء المجاهد إلى رمز للعنف الذي يطال النساء في ليبيا، وكذلك مثالًا آخر على التحديات التي تواجه تحقيق العدالة في جرائم مُدانة اجتماعيًا لكن يعجز النظام القضائي عن حسمها بشكل شفاف أمام الرأي العام — في حين يظل المجتمع المدني يطالب بالكشف الكامل عن الملابسات وتقديم الجناة إلى العدالة.
سلوى بوقعيقيص: قضية بقيت معلّقة منذ 2014.
في الخامس والعشرين من يونيو عام 2014، شهدت مدينة بنغازي واحدة من أكثر الجرائم التي هزّت المجتمع المدني الليبي في مرحلة ما بعد الثورة، حين قُتلت المحامية والناشطة الحقوقية سلوى سعيد بوقعيقيص داخل منزلها في حي الهواري، بعد ساعات قليلة من مشاركتها في الانتخابات البرلمانية العامة.
كانت سلوى واحدة من أبرز الوجوه الحقوقية في ليبيا، وشاركت منذ عام 2011 في تأسيس منظمات مدنية، والدفاع عن حقوق الإنسان، والدعوة إلى دولة القانون والمؤسسات. عُرفت بمواقفها العلنية المناهضة للعنف والتطرف، وبنشاطها في دعم المشاركة السياسية، خصوصًا مشاركة النساء في الشأن العام.
في مساء ذلك اليوم، اقتحم مسلحون مجهولون منزلها، وأطلقوا النار عليها بعد إصابة حارس المنزل، قبل أن تنقل إلى مركز بنغازي الطبي حيث فارقت الحياة متأثرة بجراحها. لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الجريمة، ولم تُكشف هوية الجناة، كما لم تُقدّم للرأي العام رواية رسمية كاملة حول ما جرى أو دوافعه.
أثارت الجريمة موجة واسعة من الغضب والاستنكار داخل ليبيا وخارجها، ودعت منظمات حقوق الإنسان إلى إجراء تحقيق مستقل وشفاف، إلا أن التحقيقات لم تسفر عن نتائج معلنة، ولم يُعلن عن توقيف مشتبه بهم أو إحالة متورطين إلى القضاء، وبقيت القضية، حتى يومنا هذا، معلّقة دون حسم قضائي أو كشف علني للحقيقة.
بعد أكثر من عشر سنوات على اغتيالها، ما تزال أسئلة أساسية بلا إجابة: من قتل سلوى بوقعيقيص؟ ولماذا؟ ومن الذي حمى الجناة من المساءلة؟ وبينما تتجدد الذكرى كل عام، تتجدد معها مطالب عائلتها وزملائها والمنظمات الحقوقية بإنهاء حالة الإفلات من العقاب، وإغلاق هذا الملف بما يليق بحجم الجريمة ومكانة الضحية.
قضية سلوى بوقعيقيص لم تعد مجرد حادثة قتل، بل تحولت إلى رمز لحالة أوسع من استهداف المدافعين عن الحقوق في ليبيا، ولسؤال أكبر حول قدرة الدولة على حماية مواطنيها، وضمان حقهم في الحياة، والعدالة، والمساءلة.
وفي تعليق لمنظمة العفو الدولية، قالت إن “استمرار قتل النساء دون محاسبة يكرّس مناخ الإفلات من العقاب” مطالبة بفتح تحقيقات فورية ومستقلة في هذه الجرائم. كما أكدت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا أن “حماية النساء مسؤولية أساسية على عاتق الدولة”، داعية إلى مساءلة الجناة وفقًا للقانون. من جهتها، اعتبرت هيومن رايتس ووتش أن جرائم قتل النساء تمثل “انتهاكًا خطيرًا للحق في الحياة وفشلًا مستمرًا في حماية النساء”، مشددة على ضرورة ضمان عدم إفلات أي متورط من المحاسبة. بدورها، شددت هيئة الأمم المتحدة للمرأة على أن قتل النساء يشكل “أحد أخطر أشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي”، داعية إلى اعتماد نهج شامل يشمل التحقيق، والدعم، وتعزيز آليات الحماية. وفي السياق نفسه، قالت منظمة فرونت لاين ديفندرز إن استهداف النساء، لا سيما الناشطات، “يقوّض أسس دولة القانون”، وطالبت بتحقيقات فورية ونزيهة في كل جريمة قتل تستهدف النساء. كما طالبت منظمة محامون من أجل العدالة في ليبيا بفتح تحقيقات حقيقية ونشر نتائجها للرأي العام، معتبرة أن استمرار هذه الجرائم دون محاسبة يعكس أزمة عميقة في منظومة العدالة.
وفي بيان رسمي، حذّرت وزارة الدولة لشؤون المرأة بحكومة الوحدة الوطنية من تصاعد موجة العنف ضد النساء والفتيات في مختلف المدن الليبية، داعية إلى تحقيق عاجل وشفاف لضمان حماية كل امرأة ليبية من الاعتداءات التي تهدّد أمن المجتمع. كما أكدت وزيرة المرأة أن الدولة لن تسمح بالإفلات من العقاب تحت أي ظرف، مع تنسيق مع النيابة العامة لتسريع التحقيقات في قضايا القتل المكتملة الأركان. وبدورها، طالب المجلس الوطني الأعلى للمرأة بفتح تحقيقات عاجلة وشفافة في كل حوادث العنف ضد النساء، بما في ذلك جرائم القتل والأسرى، ودعا إلى تعزيز آليات الوقاية والحماية.
وبشأن الإطار القانوني لهذه القضايا، قال مستشار قانوني مستقل، فضّل عدم ذكر اسمه لأسباب أمنية، إن “تأخر الفصل في قضايا قتل النساء لسنوات دون صدور أحكام نهائية أو نشر نتائج التحقيق، يكرّس عمليًا ثقافة الإفلات من العقاب، حتى وإن لم يكن ذلك مقصودًا رسميًا”. وأضاف أن “الدولة، بموجب التزاماتها الدستورية والدولية، مسؤولة عن حماية الحق في الحياة، وعن إجراء تحقيقات فعالة ومستقلة في كل جريمة قتل، لا سيما عندما تكون الضحية امرأة أو في وضع هش“.
وأوضح المستشار أن القانون الليبي يُجرّم القتل بشكل صريح، إذ ينص قانون العقوبات الليبي في مادته 368 وما يليها على أن القتل العمد يُعاقَب عليه بالإعدام أو السجن المؤبد، كما يُجرّم التسبب في الموت والإيذاء المفضي إلى الموت، ويُقرّ عقوبات مشددة في حال اقتران الجريمة بسبق الإصرار أو الترصد أو القسوة. وقال إن النص القانوني، من حيث المبدأ، “كافٍ لتجريم هذه الأفعال ومعاقبتها بأقصى درجات الردع“.
غير أنه انتقد الفجوة بين النص والتطبيق، موضحًا أن “الإشكال في ليبيا ليس في غياب النص القانوني، بل في ضعف إنفاذه، وتعثّر التحقيقات، وتأجيل المحاكمات، وعدم حماية الشهود، وغياب الشفافية حول ما يجري داخل المسار القضائي”. وتابع أن “وجود نص صارم لا يعني شيئًا إذا لم يُفعَّل، وإذا لم يشعر المواطن أن القانون سيُطبَّق فعلًا على كل من يرتكب جريمة، بغضّ النظر عن نفوذه أو موقعه“.

وختم المستشار بالقول إن “استمرار هذه الفجوة بين القانون والواقع يُحوّل العدالة إلى وعد نظري، ويُضعف الثقة في الدولة، ويجعل جرائم قتل النساء لا تُقرأ فقط كجرائم جنائية، بل كأعراض لفشل أوسع في حماية الحق في الحياة“.
خاتمة:
بين فاطمة التي استُدرجت باسم الثقة، وخنساء التي قُتلت في الشارع، وسلوى التي اغتيلت داخل بيتها، تتبدل الأسماء والظروف، لكن السؤال يبقى واحدًا: لماذا تُقتل النساء في ليبيا، وتبقى القضايا بلا نهاية واضحة؟
التصريحات الحقوقية والرسمية لا تنقص، والإدانات تتكرر، والوعود بالتحقيق تُعاد بعد كل حادثة، لكن الواقع يكشف فجوة عميقة بين القول والفعل، بين الإعلان عن فتح تحقيق وبين الوصول إلى الحقيقة، وبين توقيف مؤقت وبين محاسبة نهائية تعيد شيئًا من العدالة لعائلات الضحايا.
هذا التحقيق لا يدّعي امتلاك الإجابات، لكنه يضع الوقائع جنبًا إلى جنب، ويكشف نمطًا لا يمكن تجاهله: قتل، غموض، تأجيل، ثم صمت. وفي هذا الصمت، لا تُدفن الجريمة فقط، بل تُدفن معها ثقة الناس في القانون، وإحساس النساء بالأمان، وقدرة المجتمع على حماية أضعف أفراده.
إن إنهاء قتل النساء لا يبدأ فقط بإدانته، بل بتحويل كل جريمة إلى قضية، وكل قضية إلى محاسبة، وكل محاسبة إلى رسالة واضحة مفادها أن حياة النساء ليست هامشًا، وأن العدالة ليست خيارًا مؤجلاً، بل حقًا لا يسقط بالتقادم ولا بالانتظار.
إلى أن يحدث ذلك، ستظل هذه القصص تُكتب، لا لأنها استثناءات، بل لأنها واقع لم يُغلق بعد.














