- أ. أبوبكر بن خيلب، أستاذ القانون بجامعة سبها
تُمثّل أزمة توفير المشتقات النفطية وتوزيعها في مناطق الجنوب الليبي إحدى أكثر الإشكاليات الهيكلية دلالةً على الاختلال في منظومة إدارة الموارد العامة وتقديم الخدمات الأساسية. فبينما تُشير الحقائق الاقتصادية والجغرافية إلى أن منطقة فزان تحتضن كبرى الحقول النفطية المنتجة للخام في البلاد، يواجه المواطن هناك عجزاً مستمراً في التزود بالوقود وغاز الطهي، وهو ما ينقل القضية من مجرد تعثر لوجستي لشركة البريقة لتمويل النفط إلى مسألة قانونية ودستورية تتصل مباشرةً بمدى التزام المؤسسات التنفيذية بقواعد العدالة الناجزة، وحقوق المواطنة المكفولة بموجب التشريعات الوطنية والمواثيق الدولية.
أولاً: التكييف القانوني لالتزامات شركة البريقة لتمويل النفط
تتولى شركة البريقة لتمويل النفط، باعتبارها إحدى الذرعان التنفيذية للشركات الوطنية للنفط، إدارة المرفق العام الخاص بتوفير المشتقات النفطية وتوزيعها في كافة أرجاء الدولة، وتخضع هذه الممارسة للمبادئ المستقرة في القانون الإداري، وفي مقدمتها مبدأ استمرار سير المرفق العام بانتظام وانضباط، ومبدأ المساواة أمام الأعباء والخدمات العامة.
إن وقوع اضطرابات متكررة في سلاسل التوزيع للمناطق الجنوبية، بصرف النظر عن التذرع بالظروف الأمنية أو التحديات اللوجستية، يُعد قصوراً في تحقيق الغاية التشريعية التي أُنشئ من أجلها المرفق.
فالقانون يُحمل جهات الادارة مسؤولية اتخاذ التدابير الاحترازية والترتيبات الأمنية والفنية للوفاء بالتزاماتها تجاه المواطنين دون تمييز مكاني.
كما أن تسرّب الإمدادات النفطية إلى “السوق الموازية” وارتفاع وتيرة التهريب يُلقي على عاتق الشركة الأهلية والجهات الرقابية مسؤولية تنظيمية وقانونية تقتضي تفعيل المنظومات الإلكترونية بالتتبع الحثيث للشحنات، وتشديد الجزاءات الإدارية والجنائية على المتورطين في تعطيل أو تحريف مسار التوزيع.
ثانياً: الأساس الدستوري والقانوني لحق الجنوب في إنشاء مصفاة لتكرير النفط
لا يُمكن التعاطي مع مطلب إنشاء مصفاة للتكرير في الجنوب بوصفه مجرد مطلب فئوي أو حل مؤقت لخنق الأزمات، بل هو استحقاق تنموي يستند إلى أُطر قانونية واقتصادية صريحة:
مبدأ العدالة المكانية والتنمية المتوازنة: تُقر القوانين والتشريعات المتعلقة بإدارة الموارد الطبيعية بوجوب إعادة إعمار وتطوير المناطق المنتجة للثروة، ومنع تركيز المشاريع الصناعية والخدمية في الإقليم المورد فقط دون إحداث تنمية محلية موازية.
حماية الأمن القومي والطاقوي: ينص القانون على حق الدولة في اتخاذ كافة الإجراءات الاستراتيجية لتأمين إمدادات الطاقة الحيوية. ويُعتبر إنشاء مصفاة في الجنوب تطبيقاً لمبدأ اللامركزية التنموية وتقليل المخاطر الشديدة الناجمة عن الاعتماد على خطوط نقل برية تمتد لمئات الكيلومترات وتتأثر بالتقلبات المختلفة.
الحد من الهدر المالي ومكافحة الجريمة الاقتصادية: قانونياً، تُكلف عمليات نقل الوقود من الشمال إلى الجنوب خزانة الدولة مبالغ طائلة، وتفتح ثغرات واسعة أمام جرائم تهريب المحروقات المقررة عقوباتها في قانون العقوبات الليبي والقوانين المكملة له.
وإنشاء المصفاة يُحقق الغاية القانونية من الحفاظ على المال العام وقطع دابر هذه الجرائم عبر تلبية الاستهلاك المحلي مباشرة من الحقول المجاورة.
ثالثاً: التكييف الحقوقي والأثر الاجتماعي
إن استمرار أزمة الوقود يترتب عليه انتهاك لسلسلة من الحقوق الأساسية المكفولة قانوناً؛ حيث يؤدي شح المحروقات إلى شلل القطاعات الخدمية والصحية، وارتفاع أسعار السلع الأساسية نتيجة تكاليف النقل، مما يمسّ مباشرة الحق في مستوى معيشي ملائم والحق في الصحة والتنقل. ومن ثم، فإن المماطلة في تنفيذ المشاريع الاستراتيجية كمصفاة الجنوب لا تُعد مجرد تأخير إداري، بل مساساً غير مباشر بحقوق المواطنة المكفولة دستورياً.
ختاماً، إن تكريس دولة القانون يقتضي الانتقال من المعالجات المؤقتة واستراتيجيات إدارة الأزمات إلى معالجة الجذور الهيكلية للمشكلات، وإن التزام شركة البريقة لتمويل النفط بضمان التوزيع العادل والآمن للوقود يمثل الواجب القانوني المباشر والأولي، غير أن القضاء النهائي على جذور هذه الأزمة يتطلب الشروع الفوري والفعلي في تنفيذ مشروع مصفاة الجنوب، وإن هذا المطلب يقف على أرضية قانونية صلبة تُراعي المصلحة العليا للدولة، وتُجسد العدالة الناجزة في توزيع الثروة، وتضمن صون كرامة المواطن الليبي في كافة أرجاء الوطن.













