حين يتحول البر إلى سيطرة… فهل للبر والطاعة حدود؟

حين يتحول البر إلى سيطرة… فهل للبر والطاعة حدود؟

  • الشيخ محمد الطيب

قال الله تعالى:

﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾.

حديثنا اليوم عن علاقة من أعظم العلاقات التي أمر الله بحفظها، وأرفعها منزلة، وأشدها حرمة: علاقة الأبناء بالآباء. تأملوا عباد الله كيف قرن الله الإحسان إلى الوالدين بعبادته، وكيف لم ينه عن الإساءة إليهما فحسب، بل نهى حتى عن كلمة صغيرة: «أف». فالوالدان ليسا بابًا من أبواب الدنيا فحسب، بل هما باب عظيم من أبواب الأجر. قال رسول الله ﷺ: «رغم أنفه، ثم رغم أنفه، ثم رغم أنفه»، قيل: من يا رسول الله؟ قال: «من أدرك أبويه عند الكبر أحدهما أو كليهما ثم لم يدخل الجنة». وكان أبو هريرة إذا أراد أن يخرج وقف على بابها فقال: السلام عليك يا أماه ورحمة الله وبركاته، فتقول: وعليك يا بني ورحمة الله وبركاته، فيقول: رحمك الله كما ربيتني صغيرًا فتقول: رحمك الله كما بررتني كبيرًا ثم إذا أراد أن يدخل صنع مثله…

السؤال هنا: هل البر يعني الطاعة في كل شيء؟ وما الفرق بين البر والطاعة؟

أما عن إجابة السؤال الأول فالقرآن أعطانا قاعدة عظيمة في سورة لقمان. قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾. أما عن إجابة السؤال الثاني: فالبر ليس هو الطاعة، وهناك فرق بين البر والطاعة. فالبر هو الإحسان، وحسن معاملتهما، ولين الكلام معهما، والرحمة بهما، وخدمتهما، والسؤال عنهما، والقيام بحاجتهما، والدعاء لهما، وإدخال السرور عليهما، واجتناب ما يؤذيهما. أما الطاعة فهي امتثال أمر أو طلب يصدر منهما. ولهذا قد يكون الإنسان بارًا بوالديه دون أن يطيعهما في كل ما يريدان. قال النبي ﷺ: «لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف».

إذًا ليس كل عدم طاعة عقوقًا، كما أنه ليست كل طاعة برًا.

وهذه هي المسألة التي نريد أن نفهمها اليوم: الوالدان لهما حق البر، والطاعة لها حدود وضوابط.

فهل إذا اختار الابن تخصصًا جامعيًا لا يريده أحد الأبوين أصبح عاقًا؟ هل إذا اختار الشاب زوجة لم ترضَ عنها أمه، مع كون الزواج مستجمعًا لشروطه، أصبح عاقًا؟ هل إذا اختار الأب اسمًا لابنه ولم يوافق الاسم رغبة الجد والجدة، كان بذلك مسيئًا إلى والديه؟

المسألة الأولى: هناك فرق بين: «يا بني، أنا أنصحك بهذا التخصص» وبين: «إذا لم تدخل هذا التخصص فأنت عاق لي!»

من باب البر يقول الابن: أبي، أقدر رأيك وأحترمك، لكني سأختار تخصصًا آخر.

المسألة الثانية: الوالدان لهما حق عظيم في النصح، والسؤال عن الخاطب أو المخطوبة، والتحذير من العيوب الحقيقية، والاستفادة من خبرتهما. والقضاء فصلوا في أحكام الولاية والإجبار تفصيلًا، وليس من الصواب اختزال مسائل النكاح المعقدة في الطاعة والعقوق. فالمسألة ليست مجالًا للأهواء، لا من الأب ولا من الابن ولا من البنت، وإنما نرد إلى الشرع، ويراعى فيها الحق والمصلحة.

المسألة الثالثة: «إرضاء الوالدين جميل، وإدخال السرور عليهما جميل». واختيار اسم يحبه الوالدان إذا لم يكن فيه مخالفة شرعية أمر حسن. لكن ليس كل رغبة للوالدين تتحول بمجرد غضبهما منها إلى واجب شرعي على الأبناء. ومن باب البر تقول: أعرف أنكما تحبان هذا الاسم، وأقدر رغبتكما، لكنني اخترت لابني اسمًا آخر.

قال الله تعالى:

﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾.

فيا أبنائنا: إذا اختلفتم مع آبائكم، فلا تجعلوا الاختلاف خصومة.

ويا آباءنا: إذا اختلف أبناؤكم معكم، فلا تجعلوا الاختلاف عقوقًا.

شـــارك الخبر علي منصات التواصل

صحيفة فــــسانيا

صحيفة أسبوعية شاملة - منبع الصحافة الحرة

شاركنا بتعليقك على الخبر :