- محمود السوكني
في زحمة العمل اليومي ، ومع تدفق المعلومات الخاطئة التي تغذيها غالباً أحقاد شخصية ونوايا مبيتة ، تتورط الحكومة في إصدار قرارات مستعجلة لا تخدم الصالح العام رغم ما يكتنفها من حسن نية وسلامة الغرض . اخر هذه القرارات ، القرار رقم (167) لسنة 2026 بشأن تقزيم “مجلس الصحة العام” إلى وحدة إدارية تتبع لإدارة مراقبة الجودة في وزارة الصحة !
تأسيس المجلس جاء تنفيذاً للقرار رقم (853) لسنة 2017 الصادر عن المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني ، وعلى كل متابع محايد أن يحكم على الفترة الزمنية التي إستغرقتها فترة التأسيس فلقد ولد المجلس من عدم ، وعلينا أن نتصور العراقيل والعقبات التي إكتنفت تلك المرحلة وما واجهته من صعوبات في ظل الروتين الإداري القاتل ، والشد والجدب ، والوضع الأمني العام الغير مستقر ، وما إلى ذلك من مطبات تحبط المرء في سعيه لشأن خاص فما بالك بالشأن العام ؟ عندما إستقر المجلس في مقره الذي تحصل عليه بشق الأنفس ، وبعد أن إستكمل كافة الإجراءات التنظيمية التي تحكم عمله ، وبدأ منتسبوه في ممارسة مهامهم فعلياً ، وأداء دورهم الرقابي المنوط بهم ، واستعدوا لتوثيق ما حصدوه من نتائج ، إذ بالحكومة الموقرة تنقض على كل ذلك وتلقي بكل ذلك المجهود الجبار جانباً ويتم تقزيم ذلك الصرح إلى ركن صغير منزو في ناحية مظلمة لا يرجى منها نفعاً !
جاء في بيان العاملين بالمجلس الصحي العام المغضوب عليهم ، أن قرار الإلغاء (إستند على توصية منطلقة من دوافع شخصية وفئوية وإنتقامية ومصالح ضيقة مثبتة بالمستندات والوقائع الدامغة المتوفرة لأي جهة تحقيق مستقلة ) .
في تصوري ، أنه لا مبرر لهذا القرار ، وأن دوافعه موضع نقاش ومشكوك في صحتها وهو ما يدعو إلى تجميده وإلغائه حتى لا نضطر إلى المطالبة بإحالته إلى القضاء الإداري للتحقيق في ملابساته وأسباب صدوره .
لا يجب أن ننسى أن أغلب القطاعات لديها هيئات تنظيمية ورقابية تضع المعايير وتراقب وتقيّم الأداء ، فالتعليم لديه مركز ضمان الجودة ، والتعليم العالي لديهم الهيئة الوطنية للبحث العلمي ، العمل يراقب أدائه مركز ضمان الجودة والمعايرة المهنية ، قطاع الطيران تراقبه هيئة الطيران ، القضاء له المجلس الأعلى للقضاء ؛ فما بالك بقطاع الصحة المتهم بالفساد من الجميع حتى من رئيس الحكومة !
كل الدول المتقدمة التي تسابق العصر لديها مجالس مماثلة والأمثلة على ذلك كثيرة ، فما بالنا نحن ؟!
لقد إستكمل المجلس جميع هياكله التنظيمية وباشر العمل فعلياً ، وأصدر مؤخراً العديد من الأدلة والمدونات اللازمة من بينها دليل مكافحة الفساد والهدر وإستدامة النظام الصحي ودليل الرقابة المهنية ودليل التطوير المهني المستمر ، وغيرها من النشاطات الفاعلة التي ترسخ وجوده وتؤكد مدى أهميته في إصلاح هذا القطاع البالغ الحساسية ، فهل بعد كل هذا تتم الإطاحة به وتقزيمه ؟!














