فاتقوا الله واعدلوا بين أبنائكم

فاتقوا الله واعدلوا بين أبنائكم

  • الشيخ محمد الطيب

ليست كل الجراح التي تصيب الإنسان تأتي من خارج البيت، فبعضها يولد في المكان الذي يفترض أن يكون مصدر الأمان والسكينة. وقد يحمل بعض الأبناء في قلوبهم آلامًا صامتة بسبب شعورهم ب عدم العدل أو التمييز بينهم وبين إخوانهم، ليس بسبب نقص المال أو صعوبة الحياة، وإنما بسبب غياب الإنصاف، أو قلة الاحتواء، أو استمرار التذكير بالأخطاء حتى تصبح جدارًا يفصل بين القلوب.

لقد جعل الإسلام الأسرة ميدانًا للرحمة والمودة، وجعل الأبناء نعمة عظيمة ومسؤولية كبيرة، فقال الله تعالى:

﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾

فالأبناء زينة الحياة، ولكنهم في الوقت نفسه أمانة يسأل الله عنها الوالدان؛ كيف رعياها؟ وكيف تعاملا معها؟ وهل كان التعامل قائمًا على العدل والرحمة أم على التفضيل والتمييز؟

وقال سبحانه:

﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾

فالأبناء اختبار من الله، وقد ينجح الإنسان في توفير الطعام واللباس والتعليم، لكنه قد يقصر في أمر أعظم، وهو بناء علاقة قائمة على المحبة والإنصاف.

العدل بين الأبناء عبادة ومسؤولية

جاء الإسلام بتوجيه واضح في قضية العدل بين الأبناء، فعن النعمان بن بشير رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم»

متفق عليه.

فالنبي ﷺ ربط العدل بين الأبناء بتقوى الله، لأن الظلم داخل الأسرة أشد أثرًا؛ فالإنسان قد يتحمل ظلم الغريب، لكنه يتألم كثيرًا عندما يأتي الجرح ممن كان ينتظر منه الحماية والحنان.

إن العدل لا يعني أن تكون مشاعر الأب تجاه أبنائه متطابقة دائمًا، فالقلوب بيد الله، لكن العدل يعني ألا يتحول الميل أو الغضب إلى ظلم، وألا يصبح أحد الأبناء محرومًا من حقه أو مكانته بسبب خطأ وقع منه أو اختلاف في الرأي.

*بين التربية والجرح فرق كبير :

لا شك أن للأب حق التربية والتوجيه، ومن حقه أن يغضب من الخطأ، لكن هناك فرقًا كبيرًا بين التربية التي تصلح الإنسان، والعقوبة التي تكسر القلب.

فقد يخطئ الابن، لكنه يبقى ابنًا، وقد تختلف البنت مع أبيها، لكنها تبقى ابنته التي تحتاج إلى الرحمة والاحتواء.

إن بعض الكلمات التي تقال في لحظة غضب قد تبقى آثارها سنوات طويلة، فكم من ابن لم يكن يحتاج إلا إلى كلمة طيبة تعيد له الثقة، وكم من ابنة كانت تنتظر من أبيها أن يقول لها: “أخطأتِ، لكنك ما زلتِ ابنتي ولك مكانتك في قلبي”.

إن رفض الخطأ أمر محمود، لكن رفض الإنسان بسبب خطئه قد يفتح أبوابًا من الألم والقطيعة.

*الرضا الأبوي نعمة وليس وسيلة للضغط :

إن رضا الوالدين مكانة عظيمة في الإسلام، وبرهما من أعظم القربات، لكن لا ينبغي أن يتحول الرضا إلى وسيلة للضغط أو التهديد في كل خلاف.

فالأب الحكيم لا يجعل محبته مشروطة بالموافقة الدائمة على كل شيء، بل يربي أبناءه على الحوار، ويصحح أخطاءهم بالحكمة، ويحفظ لهم كرامتهم ومكانتهم.

فالأبوة ليست سلطة فقط، بل رحمة ومسؤولية، والقوة الحقيقية ليست في القدرة على كسر الابن، وإنما في القدرة على إصلاحه واحتوائه.

*احترام الكبير لا يعني امتلاك حقوق الآخرين:

ومن القضايا التي تسبب خلافات كبيرة داخل بعض الأسر: أن يتحول الابن الأكبر بعد وفاة الأب إلى صاحب السلطة المطلقة، فيظن أن كبر سنه أو ما قدمه من خدمة يعطيه حق التحكم في كل شيء.

ولا شك أن الأخ الأكبر له احترامه وتقديره، ولكن الاحترام شيء، وامتلاك حقوق الآخرين شيء آخر.

فالميراث ليس ملكًا للعائلة تتصرف فيه كما تشاء، وليس قرارًا للأخ الأكبر، وإنما هو حكم شرعي من الله تعالى.

قال سبحانه:

﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾

وقال بعد بيان أحكام المواريث:

﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾

فمن تعدى على حق أخيه أو أخته فقد تجاوز حدود الله، والمال الذي يُؤخذ بالظلم قد يكون سببًا في فقدان البركة قبل أن يكون سببًا في زيادة الرزق.

*أجمل تركة يتركها الأب:

إن أعظم ما يمكن أن يتركه الأب لأبنائه ليس المال فقط، بل أن يترك بينهم المحبة والوحدة والقلوب السليمة.

فقد يترك الإنسان بيتًا كبيرًا، لكنه يترك أبناء متخاصمين، وقد يترك مالًا كثيرًا، لكنه يترك خلفه قلوبًا مكسورة بسبب الظلم.

*أيها الآباء…

قد لا تستطيعون أن تحققوا لأبنائكم كل ما يتمنون، لكنكم تستطيعون أن تمنحوهم العدل والرحمة والكلمة الطيبة.

*وأيها الأبناء…

قد يخطئ الآباء، وقد يقصرون، لكن الإصلاح لا يكون بالعقوق والقطيعة، وإنما بالحوار والصبر والبحث عن طريق يعيد المحبة.

إن العدل بين الأبناء ليس مجرد سلوك اجتماعي حسن، بل هو أمانة دينية ومسؤولية سيقف الإنسان بين يدي الله ليسأل عنها.

 فاتقوا الله واعدلوا بين أبنائكم، فإن القلوب إذا انكسرت داخل البيت، كان إصلاحها أصعب من إصلاح الجدران.

شـــارك الخبر علي منصات التواصل

صحيفة فــــسانيا

صحيفة أسبوعية شاملة - منبع الصحافة الحرة

شاركنا بتعليقك على الخبر :