- شكري السنكي
استضافت قناة «العربية» قرين صالح قرين، في برنامج: «سجال» الذي يُقدّمه مشاري الذايدي، كاتب الرأي والمذيع السعودي، يوم السبت الموافق 27 ديسمبر 2025م.
يثير استضافة قناة «العربية» لشخصية مثل قرين صالح قرين جملة من التساؤلات المشروعة، ليس فقط حول معايير الاختيار الإعلامي، بل حول طبيعة الرسائل التي يُراد تمريرها من خلال برنامج كبرنامج سجال. فمن الصعب على المتابع أن يفهم كيف جرى اكتشاف قرين صالح قرين، وأين وُجد، وعلى أي أساس مُنح المساحة والفرصة للظهور في مشهد إعلامي يفترض فيه الحد الأدنى من المعرفة والخلفية التاريخية.

فقرين صالح قرين، وفق الوقائع المعروفة، لا يمتلك رصيداً معرفياً أو فكرياً يؤهله للحضور في نقاشات عامة تتصل بتاريخ ليبيا ومساراتها السياسية.
من المدهش أن تستضيف قناة مثل «العربية» شخصاً مثله للحديث عن موضوع لا يملك فيه أي خبرة حقيقية، ولا يعرف ليبيا معرفة دقيقة. وجدير بالذكر أنَّه وأسرته مُنحوا الجنسية الليبية من قبل معمر القذافي بعد عودتهم من تشاد مطلع ثمانينيات القرن العشرين، وكانت الأسرة مقيمة هناك منذ العهد العثماني.
اقترن اسمه بحركة إرهابية مارست أشدّ أشكال القمع ضد الليبيين، وتمثلت في تنفيذ أحكام إعدام جائرة صادرة عن محاكم استثنائية، إضافة إلى تنفيذ عمليات تصفية جسدية لمعارضي نظام معمر القذافي في الداخل والخارج. وقد عُرفت هذه الحركة باسم «حركة اللجان الثورية»، التي أُنشئت لتكون الذراع القمعية الأبرز للنظام، حيث تولّت ملاحقة المعارضين وإخضاعهم لما سُمّي بـ«المحاكم الثورية»، وكانت الجهة التي تصدر الأحكام وتنفذها مباشرة، بما في ذلك الإعدامات شنقاً علناً في الساحات والميادين العامة.
تولّى قرين صالح قرين عدة وظائف بتعيين من القذافي، قبل أن يُعيَّن لاحقاً سفيراً في تشاد، مسقط رأسه، ليُحسب بذلك – شكلياً – على الدبلوماسية والعمل السياسي، وهما مجالان يبدوان بعيدين عنه من حيث التأهيل والخبرة، وهو ما يلحظه بوضوح كل من تابع حواره في حلقة برنامج «سجال».
وانطلاقاُ من كل ما سبق، يبرز سؤال جوهري: ما الذي يدفع قناة «العربية» السعودية إلى استضافته، وهو شخص لا يمتلك فكراً نقدياً ولا أدوات تحليل، ويكاد خطابه يختزل في عداءٍ مستحكم للنظام الملكي وشخص الملك إدريس السنوسي ؟.
فالملك إدريس، هو قائد حركة التحرير، ومُعلن الاستقلال، والأب المؤسس لدولة ليبيا الحديثة، وقد أمضى نظام القذافي اثنين وأربعين عاماً في محاولة تزوير تاريخه وتشويه دوره والنيل من رمزيته الوطنية.
وإعادة إتاحة المنابر اليوم لأصوات تكرر الخطاب ذاته، دون مساءلة أو تدقيق، يثير القلق حول دور الإعلام في إعادة إنتاج سرديات ثبت زيفها تاريخياً.
لماذا تُمنح هذه المساحة لقرين صالح قرين في قناة «العربية»، وهو لا يحمل عن ليبيا سوى مغالطات وروايات مشوّهة استقاها من دعايات نظام ابن عمه معمر القذافي؟. وهل الهدف من منحه هذه المساحة يأتي ضمن سياسة تتبناها القناة، ألا وهي: التشويش على مطلب العودة إلى الشرعية الدستورية، وفق آخر ما انتهت إليه في 31 أغسطس 1969م، المتمثل في المظلة الملكية ودستور دولة الاستقلال. ولنشر الزيف، وتشويه وعي الجمهور، وقلب الحقائق وبث الأكاذيب ؟. أم الهدف هو الاستمرار في استهداف الذاكرة الليبية، حتى تُحرم البلاد من رابطها الحيوي بين الماضي والحاضر والمستقبل، الرابط الذي يمنح الشعوب هويتها وقوتها على الصمود والنهوض والنمو ؟.
طعن قرين صالح قرين في جهاد الملك إدريس، واعتبر استقلال ليبيا استقلالاً منقوصاً، زاعماً أن الملك إدريس لم يكن يملك من أمره شيئاً، بل خضع لإرادة القوى الدولية التي رسمت مسار الدولة الليبية في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية. ولم يكن مستغرباً أن تصدر عنه مثل هذه الادعاءات، بحكم انتمائه إلى عهدٍ انقلب على الشرعية، وقام على التزوير والإقصاء والافتراء.
إن الطعن في صدق جهاد الملك إدريس السنوسي لا يُعد طعناً في شخصه فحسب، بل هو طعن مباشر في قوافل المجاهدين الذين ناضلوا تحت رايته، وفي مقدمتهم شيخ الشهداء عمر المختار، وفي مجمل الحركة الجهادية الوطنية التي واجهت الاستعمار وقدّمت التضحيات الجسام من أجل حرية الوطن. كما أن التشكيك في إنجازاتنا الوطنية، وعلى رأسها الاستقلال، يُمثل مساساً خطيراً بهويتنا الوطنية، وعبثاً متعمداً بتاريخنا المجيد، ومحاولة لقطع الصلة بين الأجيال وإفراغ الذاكرة الوطنية من رموزها الجامعة.
لقد اعتمد معمر القذافي، منذ انقلابه في الأول من سبتمبر عام 1969م، سياسة ممنهجة قائمة على الطعن في الاستقلال واعتباره منقوصاً، وتشويه صورة الملك إدريس، وتزوير التاريخ الوطني، والافتراء على رموزه، ظناً منه أن تقويض شرعية دولة الاستقلال سيمنحه شرعية بديلة افتقدها منذ اللحظة الأولى.
وما نشهده اليوم من بقايا نظامه السابق وأنصاره ليس إلا امتداداً لتلك السياسة ذاتها، بدافع الخوف من التفاف الليبيين حول مظلة الشرعية الدستورية، وحول شخصية الأمير محمد الحسن الرضا السنوسي، باعتباره رمزاً وطنياً جامعاً، وامتداداً شرعياً للإرث السنوسي ولدولة الاستقلال، وتجسيداً لوحدة الوطن واستمرارية الدولة.
يزعم قرين في شهادته عن شخص الملك إدريس وعهده، في حواره مع مشاري الذايدي، قائلاً: «كانت هناك بعض الشوارع في مدينة طرابلس في عهد الملك إدريس لا يدخلها الليبيون، بل يدخلها الطليان والأمريكان والإنجليز، وقد كُتب على مداخلها: (ممنوع دخول الكلاب والليبيين)».
ونقل هذه الرواية المختلَقة يكفي مدخلاً لبيان مدى كذب هذا الشخص المتجني غير المهذب، وما ينطوي عليه من تزوير وافتراء فجّ. بالإضافة إلى أنه يفتقر إلى أي سند تاريخي موثوق أو وثيقة رسمية، ولا يقوم إلا على التشويه المتعمد والتضليل، في محاولة بائسة لإعادة صياغة التاريخ وفق أهواء أيديولوجية لا علاقة لها بالحقيقة.
قد تستغل قناة «العربية» الظروف الحالية لتغطية الأحداث في ليبيا وفق رؤيتها الخاصة، معتقدةً أنها تعمل دون رقابة وأنه لا أحد سيحاسبها أو يوقفها. وربما وجدت في شخص مثل قرين أداةً لتحقيق أهدافها، متجاهلةً أن التاريخ الليبي أعظم من أي قناة أو برنامج، وأوسع من أي ضيف، وأقوى من كل المؤامرات والدسائس الإعلامية. فالهوية الوطنية والتاريخ العريق لا يُمحى بحملات التشويش والتضليل أو بالتلاعب الإعلامي، مهما اشتدت المحاولات أو بدت القوة ظاهرة.
نأتي الآن إلى إحدى النقاط الجوهرية التي وردت في حديث قرين مع الذايدي، حين زعم أن الملك إدريس هو من ألغى الأحزاب السياسية في ليبيا، وليس معمر القذافي، مبرراً ذلك بأن الملك رأى في الأحزاب سبباً للصراعات العميقة، وأن استمرارها سيقود المجتمع إلى العنف، فآثر الإبقاء على نظام قبلي يضمن الاستقرار ويحتوي النزاعات.
يُعد هذا الزعم مجرد افتراء على التاريخ وتفسيراً خاطئاُ للوقائع والأحداث. فالسيد إدريس أميراً وملكاً احترم القبيلة، ولكنه لم يجعلها أساساً للحكم. فقد كان مؤمناً بالدولة المدنية التي تُحكم وفق الدستور، وبالبرلمان كنظام تشريعي.
ومنذ حصولها على الحكم الذاتي عام 1917م، أنشأت في إجدابيا حكومة تنفيذية عملت وفق الدستور، مع إشراف ومراقبة سلطة تشريعية متمثلة في «البرلمان».
واستمر في اعتماد نظام الحكم المدني بعد استقلال برقة عام 1949م، فأسس سلطة تنفيذية ونظم انتخابات لاختيار أعضاء البرلمان، ملتزماً بالدستور في إدارة شؤون الدولة.
ومع استقلال ليبيا في 24 ديسمبر 1951م، واصل الملك إدريس حكم البلاد وفق الدستور وصناديق الاقتراع، من خلال حكومة مسؤولة أمام البرلمان، مؤكّداً بذلك التزامه بمبادئ الدولة الحديثة والحكم المدني الديمقراطي.
أما الأحزاب، فالإجراء الذي اُتخذ حيالها لم يكن إلغاءً للأحزاب، ولا تجريماً لها، ولا تخويناً لأعضائها، بل كان تجميداً مؤقتاً، والتجميد في دلالته القانونية والسياسية يعني الإيقاف المؤقت لا الإنهاء الدائم.
الأهم من ذلك أن هذا القرار لم يصدر عن الملك إدريس، ولا علاقة له به من قريب أو بعيد، إذ صدر عن السلطة التنفيذية ممثلة في رئاسة الوزراء برئاسة محمود المنتصر، ولم يصدر بمرسوم ملكي أو بإرادة سيادية مباشرة، حتى يُقحم اسم الملك في القرار وكأنه صاحبه.
وعليه، فإن تحميل الملك إدريس مسؤولية هذا الإجراء يمثل خلطاً متعمداً بين صلاحيات الدولة ومؤسساتها، ومحاولة لإعادة كتابة التاريخ خارج سياقه الدستوري والسياسي الصحيح.
لم يتردد قرين في طرح المسألة الحزبية بالصورة التي عرضها على قناة العربية، منتقداً العهد الملكي على تجميدها المؤقت باجتهاد من رئيس الوزراء، الذي رأى أن الصراعات الحزبية التي برزت في أول انتخابات تشريعية بعد إعلان الاستقلال قد تشكّل عبئاً على عملية تأسيس دولة وليدة، كانت تعاني آنذاك من ثلاثية الجهل والفقر والمرض.
أغفل قرين الإشارة إلى أن العهد الملكي لم يجرّم الأحزاب، ولم يحظرها دستورياً، ولم يعدم منتسبيها، بخلاف نظام القذافي الذي انتمى إليه، والذي جعل من معاداة الحزبية مبدأً أيديولوجياً صريحاً، كما ورد في كتابه الأخضر: «الحزبية إجهاض للديمقراطية، ومن تحزّب خان»، وهي مقولة لم تكن مجرد رأي، بل أساساً قانونياً للقمع والإعدام.
لم يشهد العهد الملكي تغييباً للصوت المخالف، إذ وُجد برلمان فعّال وكتلة معارضة، إلى جانب صحافة أهلية تمتعت بقدر واسع من الحرية، أتاحت نشر مختلف الآراء دون رقابة صارمة. وقد اتّسمت الصحافة الليبية آنذاك بهامش حرية كبير، ربما لا يضاهيه في المنطقة سوى ما كان قائماً في لبنان. كما كان صوت المعارضة داخل البرلمان حاضراً ومسموعاً، وعبّر عن مواقفه بجرأة ووضوح عدد من الشخصيات، من بينهم الشيخ محمود صبحي، ومصطفى بن عامر، وعلي مصطفى المصراتي.
تجاهل قرين، في عرضه المخجل ببرنامج سجال، وفي هذه المشاركة البائسة التي لا تقل بؤساً عن النظام الذي كان ينتمي إليه ولا يزال يروّج له، ما تمتعت به ليبيا من حرية وتعدد آراء إبّان العهد الملكي بقيادة الملك إدريس السنوسي. فقد عرفت البلاد آنذاك برلماناً فاعلاً، وكتلاً معارضة مؤثرة، ونقاشاً سياسياً حقيقياً داخل المؤسسات الدستورية.
كما تمتعت ليبيا بصحافة أهلية واسعة الهامش، تُعدّ الأكثر حرية في المنطقة في ذلك الوقت، ولم تكن خاضعة لرقابة منهجية صارمة. وعبّر نواب ومفكرون بارزون عن آرائهم المعارضة داخل البرلمان وخارجه بحرية، وكانت أصواتهم مسموعة ومؤثرة في الرأي العام وصناعة القرار.
من الضروري التمييز بوضوح بين مرحلتين من التعامل مع الأحزاب السياسية في ليبيا: مرحلة «تجميد الأحزاب» في مطلع عهد الاستقلال، ومرحلة تجريم العمل الحزبي التي شهدتها البلاد في عهدي الجمهورية والجماهيرية لاحقاً. فقرار إيقاف النشاط الحزبي الذي اتخذته حكومة محمود المنتصر في فبراير 1952 كان إجراءً إدارياً مؤقتاً، جاء في سياق اضطرابات صاحبت أول تجربة انتخابية، وفي ظل مخاوف حقيقية من الانقسامات الداخلية والتدخلات الخارجية، خصوصاً في دولة حديثة الاستقلال تعاني الفقر والأمية وضعف البنية المؤسسية.
ولم يكن هذا القرار مؤسساً على نص دستوري، كما لم يتضمن أي تجريم قانوني للانتماء الحزبي أو ملاحقة سياسية لمنتسبيه. ويؤكد ذلك أن دستور الاستقلال كفل حرية الرأي والتعبير، ولم ينص على حظر الأحزاب أو العمل السياسي المنظم. كما احتفظت القوى الوطنية بحقها في المعارضة العلنية، ومارست النقد السياسي والإعلامي بحرية، ونجحت المعارضة البرلمانية بالفعل في إسقاط حكومة عبدالمجيد كعبار عبر الآليات الدستورية.
إضافة إلى ذلك، شهد العهد الملكي سوابق قضائية بالغة الدلالة، من بينها حكم المحكمة الدستورية ببطلان مرسوم ملكي بحل أحد المجالس التشريعية، في القضية التي رفعها المحامي علي الديب، وهو ما يشكّل تأكيداً عملياً على مبدأ سيادة الدستور وخضوع السلطة التنفيذية، بما فيها المؤسسة الملكية، للقانون.
وعليه، فإن توصيف العهد الملكي باعتباره مرحلة إقصاء سياسي أو تغييب ممنهج للرأي الآخر لا يستند إلى قراءة دقيقة للوقائع، ويتجاهل الفروق الجوهرية بين قيود ظرفية مؤقتة فرضتها متطلبات بناء الدولة، وبين أنماط حكم لاحقة قامت على تجريم العمل السياسي ومصادرة الحريات بشكل شامل وممنهج.
وقال قرين في حواره المُشار إليه آنفاً في إشارة أخرى، أن الملك إدريس السنوسي لم يكن مناضلاً بالمعنى التقليدي للقيادة العسكرية ضد المستعمر، معتبراً أنه كان شخصاً مهادناً قدّم تنازلات متكررة للعدو بهدف تحقيق مصالحه الخاصة. بينما السيد أحمد الشريف كان رجل ميدان وفارس حرب، رافضاً كل مساومة مع المستعمر، ومختلفاً تماماً عن الملك إدريس في أسلوبه ونهجه.
هذا يبيّن أنه يجهل التاريخ، ويخطئ إذا ظن أن التفاوض أو عقد الهدنة يقللان من قيمة صاحب القضية أو من شأن الرجل المجاهد والمناضل. فالسيد أحمد الشريف كان رجلاً صاحب قضية وعالم دين، مجاهداً ومناضلاُ، ورجل سياسة واعٍ تماماً بأهمية قضيته. كان يعرف متى يتفاوض، ومتى يتحرك، ومتى يستخدم قوته عند الحاجة.
لم يكن مجرد محارب، بل كان عقلاً يقود خطواته، وروحاً تصون حلمه، وعيناً ترى الفرص والمخاطر قبل وقوعها.
كان السيدان أحمد الشريف وإدريس المهدي السنوسي رجلَي حربٍ وسلام، وشخصيتين دينيتين وسياسيتين في الوقت نفسه. حاربا وفاوضا، وكانت لهما تحالفات وداعمون وأصدقاء، أسهموا في تشكيل مسيرتهما ودورهما في الأحداث التي عاصراها.
تفاوضَ السيد إدريس، عندما كان أميراً، مع المستعمر الإيطالي، في خطوة لم تكن استثناءً أو خروجاً عن المألوف، إذ يُعدّ التفاوض أحد أدوات العمل السياسي، كما أن الهدنة والتهدئة شكّلتا عبر التاريخ محطات طبيعية في مسار الصراعات المسلحة. وكان السيد أحمد الشريف السنوسي قد سبق ذلك بإرسال وفد إلى إيطاليا في يوليو 1912م للتفاوض مع الملك فيكتور إيمانويل، متقدماً بهذه الخطوة على الدولة العثمانية نفسها، التي دخلت لاحقاً في مفاوضات مع مملكة إيطاليا أفضت إلى توقيع معاهدة أوشي–لوزان في 3 أكتوبر 1912م، والتي ترتب عليها انسحاب الدولة العثمانية من ليبيا. ويُفهم من هذه المبادرة أن السيد أحمد الشريف كان يسعى إلى هدنة لمعالجة أوضاع الناس الصعبة ويلتقط بها أنفاسه، ويوجه في الوقت ذاته رسالة واضحة إلى الإيطاليين مفادها أن الليبيين هم أصحاب القضية، وأنه لا يجوز التفاوض في شيء يخصهم مع أي طرف آخر.
والذي حدث، بعد وفاة السيد محمد المهدي السنوسي، شيخ الطريقة السنوسية وحامل لواء الدعوة والجهاد، في الأول من يونيو سنة 1902م، آلَت المشيخة شرعاً إلى ابنه السيد إدريس السنوسي، غير أنّ صغر سنّه آنذاك حال دون تولّيه مسؤوليات القيادة. ووفقاً لأعراف الطرق الصوفية، تنتقل المشيخة إلى الابن بعد والده ما لم يوجد مانع معتبر.
وبسبب حداثة سن السيد إدريس، انتقلت قيادة الدعوة والجهاد إلى ابن عمّه السيد أحمد الشريف السنوسي، الذي تولّى مهام القيادة بصفته وصياً على الطريقة السنوسية وحاملاً لوائها، فقادها خلال مرحلة دقيقة وحسّاسة من تاريخها. واستمر السيد أحمد الشريف في هذا الدور إلى أن بلغ السيد إدريس من العمر والخبرة ما يؤهله لتحمّل أعباء القيادة، فسلّمه الأمانة سنة 1916م، ومنذ ذلك التاريخ انتقلت القيادة رسمياً إلى السيد إدريس السنوسي.
وصل حال الليبيين في سنة 1916م إلى أسوأ درجات التردّي والفقر، إذ داهمهم المرض والجوع، وتواصلت ضربات المستعمر الإيطالي ضدهم، وضيّق الخناق عليهم. كما هُزمت قوات المجاهد الكبير أحمد الشريف في مصر إثر مشاركته في الحرب ضد الإنجليز استجابةً لطلب العثمانيين. وكان الناس في حالة يُرثى لها، وأصبح أحمد الشريف محاصراً ومطلوباً من الإيطاليين والإنجليز على حدّ سواء.
كان السيد إدريس يتشاور مع ابن عمه وقدوته، السيد أحمد الشريف، منذ أن تسلّم الراية منه. ونظراً لأن السيد أحمد الشريف كان مطلوباً لدى الإنجليز والإيطاليين، جرى تنسيق بين الدولة العثمانية والأمير إدريس السنوسي والسيد أحمد الشريف، أُفضيَ بموجبه إلى الاتفاق على مغادرة الشريف إلى تركيا لتهنئة السلطان العثماني محمد السادس بتولًي الحكم، والذي تولاه في 4 يوليو 1918م خلفاً لأخيه محمد الخامس.
غادر أحمد الشريف ليبيا في أغسطس 1918م على متن غواصة ألمانية أُرسلت بتنسيق مع الدولة العثمانية، متجهاً إلى النمسا ثم إلى إسطنبول. وعند وصوله، كان السلطان محمد السادس في استقباله، حيث حظي بحفاوة بالغة، وقلّده السيف، ومنحه وساماً ورتبة وزارية دعماً لمواقفه.
ظلّ الأمير إدريس على تواصل مع السيد أحمد الشريف منذ رحيله إلى إسطنبول وحتى وفاته في المدينة المنوّرة، يوم الجمعة في منتصف شهر ذي القعدة سنة 1351هجري، الموافق 10 مارس 1933م، حيث دُفن في مقبرة البقيع.
وفي الوقفة الأخيرة، أعبر عن استغرابي الشديد إزاء ما طرحه قرين حول الزعيم بشير السعداوي وقضية الإبعاد !.
تناول قرين موضوع السيد بشير على أنه تعرض للظلم على يد الملك إدريس، الذي قابل مواقفه الوطنية بالجحود والنكران، فطُرد من وطنه، ودفع غالياً ثمن وفائه لمبادئه وشجاعته في الدفاع عن الحق ووحدة البلاد الوطنية.
ولا شك أن السعداوي كان رجلاً وطنياً ولا أحد ينكر عليه ذلك، ولكن سياسياً هناك ما يقال عنه وما يختلف فيه معه. ولا شك أيضاً أنه لعب دوراً مهماً فى وحدة ليبيا، وقد بايع السيد إدريس أميراً وملكاً ثلاث مرات، إلا أنه تحول بعد إعلان الاستقلال إلى معارضٍ، حيث كان يرى احقيته فى تولى رئاسة الحكومة بدلاً من المرحوم محمود المنتصر، واخذ منذئذ يهدد بالإضرابات وزعزعة الأوضاع وقام بعض اتباعه بالتعدي على دوائر الحكومة المختلفة ودخلوا في اشتباكات مع قوَّات الأمن والشرطة أثناء أول انتخابات تعقد في البلاد بعد إعلان استقلالها. ويُذكر أن الإضطرابات بدأت في الليلة التي سبقت الانتخابات، وتم الهجوم على بعض مراكز الإقتراع في المنطقة الغربية وأضرمت النيران في مقرِّ من مقرّات الإقتراع حدث على إثره تأجيل الأنتخابات.
كان علاقة الملك إدريس بالسعداوي علاقة جيدة بالرغم من الاختلاف الذي طرأ بينهما في بعض الأوقات بحكم ظلال عبدالرحمن باشا عزام التي كانت تظهر على شخصية السعداوي بين الحين الآخر، وجعلت من مواقفه السياسية متذبذبة أحياناُ. ولم تسوء العلاقات بين الملك والسعداوي إلا قبل فترة وجيزة من الانتخابات التشريعية في فبراير 1952م، لأسباب عدة أهمها: تراجع السعداوي عن قبول الشكل الاتحادي للدولة بعد موافقته السابقة عليه، ولا سيما بعد تكليف محمود المنتصر برئاسة الوزراء ولم يتم تكليفه هو كما كان يتوقع !.
كان الملك إدريس رجلاً تقيّاً ورعاً، لا يعرف قلبه القسوة أو الانتقام. فقد كان يتعامل مع خصومه بلطف ورحمة، بل حتى مع الذين حاولوا قتله في يوم من الأيام.
لم يكن اختلافه مع السعدواي سبباً لمنعه من المشاركة أو حرمان البلد من الاستفادة من خبراته المتراكمة. فقد عُرض عليه رئاسة الديوان الملكي في طرابلس، كما تولّاها رفيقه عمر فائق شنيب في بنغازي، وعُرضت عليه حقيبتان في الحكومة الاتحادية بشرط التخلي عن جنسيته السعودية، ولكنه رفض ذلك ولم يقبل به.
كان السعداوي، رحمه الله، يحمل جنسية أخرى «سعودية»، وقد دخل إلى ليبيا بصفته دبلوماسياً سعودياً، وبموجب تأشيرة دخول صدرت له من القاهرة. وقد رفض الامتثال أمام التحقيق بعد استدعائه للاستجواب عقب الأحداث التي شهدتها الانتخابات بحجة امتلاكه حصانة دبلوماسية بصفته دبلوماسياً سعودياً، فأبعد نتيجة ذلك ولم يسجن، ولم تسئ معاملته بأي شكل من الأشكال. وما حدث له كان إبعاداً وليس نفياً بحال من الأحوال، لأنه كان لا يصح امتثاله أمام القانون الليبي بحكم الحصانة الدبلوماسية التي كان يتمتع بها «دبلوماسي سعودي».
صدر قرار ترحيل بشير السعداوي إلى الدولة التي يحمل جنسيتها من حكومة محمود المنتصر، ويُعد هذا القرار إبعاداً وليس نفياً كما يروج البعص.
جاء القرار بعد وقوع المشكلة معه على خلفية انتخابات فبراير 1952م، التي شابها التزوير ووقعت فيها اشتباكات عنيفة في إقليم طرابلس فقط، أدت إلى سقوط 17 قتيلاً وحوالي 200 جريح. وقد وُصف السعداوي بأنه المحرض على هذه الاشتباكات، بعد أن توعد الحكومة بالإضرابات قبل انعقاد الانتخابات بفترة.
ولذا، حصرّت الدولة الوليدة، التي لم يمضِ على تأسيسها شهران كاملان، القضية في شخصه إلى حدٍ بعيد، ولم تُوسّع دائرة التحقيق كثيراً. واستمر عدد من رفاقه في تولي مناصب عليا في الدولة الوليدة، وظلوا في مواقعهم دون أن يتعرضوا لأي أذى. وما يلفت الانتباه أن رفاقه في البرلمان لم يفتحوا ملف قضيته أو يطالبوا بعودته، رغم وجود خمسة نواب مرتبطين به، يتقدمهم نائبه في الحزب السيد مصطفى ميزران، وشخصية بارزة أخرى، السيد عبدالعزيز الزقلعي.
لقد اجتهد كل من بشير السعداوي والملك إدريس السنوسي، فأصاب وأخطأ، وكان الخلاف بينهما خلافاً سياسياً من أجل الوطن وقضيته، إذ عبّر كل منهما عن رأيه واجتهاده، وتحمل مسؤوليته أمام الله وأمام أبناء أمته. وكانا رجلين مختلفين في آرائهما، ورحل كل منهما تاركاً سيرةً يُذكر فيها اسمه بخير.
أخيراً، لولا ظهور قرين صالح على شاشة العربية، ثاني أكثر القنوات الإخبارية مشاهدة في العالم العربي، لما أزعجت نفسي بالرد عليه أو حتى أعطيت له أي اهتمام، فهو حقاً لا يستحق ذلك.














