ليبيا التي أهدرت المليارات على  الكهرباء بينما بقي المواطن في العتمة!

ليبيا التي أهدرت المليارات على  الكهرباء بينما بقي المواطن في العتمة!

  • تقرير اقتصادي – صحيفة فسانيا – إعداد: وائل أحمد.

لا تبدو أزمة الكهرباء في ليبيا مجرد عطل فني أصاب محطة توليد، ولا  نتيجة طارئة لموجة الحر وارتفاع  الاستهلاك. فكلما انطفأت المدن، اشتعل الصراع بين الحكومة والشركة العامة للكهرباء حول الطرف  المسؤول، بينما يبقى السؤال الأخطر

 بعيدًا عن الأضواء: كم أنفقت الدولة فعليًا على القطاع؟ وماذا حصل المواطن مقابل هذه الأموال؟

المفارقة أن ليبيا، الدولة المنتجة للنفط والغاز، لا تزال تواجه انقطاعات تمتد لساعات، رغم أن الكهرباء حظيت خلال السنوات الأخيرة بترتيبات مالية استثنائية ومخصصات تنموية وإنفاق بالنقد الأجنبي، إضافة إلى كلفة الوقود والغاز المقدمين لمحطات التوليد بأسعار لا تعكس قيمتهما الاقتصادية.

بهذا المعنى، لا تدفع الخزانة فاتورة واحدة للكهرباء، بل تدفع عدة فواتير متداخلة؛ بعضها ظاهر في بيانات الإنفاق العام، وبعضها يمر عبر النقد الأجنبي، وجزء ضخم منها يختبئ

 داخل منظومة دعم الطاقة.

أموال ظاهرة.. وتكلفة تختبئ خلف الوقود.

وفق بيان مصرف ليبيا المركزي عن عام 2023، بلغت الترتيبات المالية المخصصة للشركة العامة للكهرباء 7.2 مليارات دينار، ضمن إنفاق عام وصل إلى 125.7 مليار دينار. وهذه

 القيمة لا تمثل بالضرورة التكلفة الاقتصادية الكاملة للقطاع، لأنها لا تشمل بصورة مباشرة كل ما تتحمله الدولة من وقود وغاز ومنتجات نفطية تستخدم في التوليد.

وفي عام 2024، سجل المصرف المركزي إنفاقًا مباشرًا لصالح الشركة العامة للكهرباء بقيمة 4.316 مليارات دينار، منها 4.25 مليارات دينار تحت الباب الرابع للدعم، ونحو

 66.9 مليون دينار نفقات تسييرية. كما نُفذ مبلغ إضافي قدره 3.104 مليارات دينار، استكمالًا للميزانية الاستثنائية المقررة للشركة خلال عام 2023.

وبذلك بلغ ما ظهر باسم الشركة في الجداول نحو 7.421 مليارات دينار خلال العام، مع ضرورة الانتباه إلى أن جزءًا منه يعود إلى التزامات مالية مقررة في السنة السابقة.

كما أدرج بيان 2024 مخصصًا بقيمة 10 مليارات دينار لمشروعات النفط والكهرباء، لكنه وصفه بأنه «معلّق». ولذلك لا يجوز مهنيًا احتساب كامل هذا المبلغ على أنه إنفاق منفذ على

 الكهرباء، كما لا يمكن فصل نصيب الشركة منه عن نصيب المؤسسة الوطنية للنفط من البيانات المنشورة وحدها.

هنا تظهر أولى مشكلات قراءة الملف:

 الرقم السياسي قد يخلط بين المخصص والمنفذ، وبين أموال الكهرباء وأموال النفط، ثم يقدم

 الناتج للرأي العام باعتباره إجماليًا نهائيًا، بينما المحاسبة الدقيقة تفرض الفصل بين الاعتماد، والإحالة، والتنفيذ الفعلي.

2.1 مليار دولار خلال ثلاث سنوات.

لا يتوقف إنفاق القطاع عند الدينار. فقد أظهرت بيانات مصرف ليبيا المركزي ارتفاع استخدامات النقد الأجنبي لصالح الشركة العامة للكهرباء من:

– 465 مليون دولار في 2022.

– 741 مليون دولار في 2023.

– 896 مليون دولار في 2024.

وبذلك بلغ مجموع النقد الأجنبي المسجل لصالح الشركة خلال السنوات الثلاث نحو 2.102 مليار دولار. كما ارتفع الاستخدام السنوي بالدولار بنحو 59% بين 2022  و2023، ثم بنحو 21% خلال 2024.

وبذلك بلغ مجموع النقد الأجنبي المسجل لصالح الشركة خلال السنوات الثلاث نحو 2.102 مليار دولار. كما ارتفع الاستخدام السنوي بالدولار بنحو 59% بين 2022 و2023، ثم بنحو 21% خلال 2024.لكن جمع هذه المبالغ الدولارية مباشرة مع الإنفاق المحلي قد يؤدي إلى الازدواج المحاسبي، ما لم توضح الجهات الرسمية ما إذا كانت بعض تغطيات النقد الأجنبي مقابلة لمخصصات دينارية مسجلة مسبقًا. وهذه نقطة جوهرية غائبة عن الخطاب العام: نملك أرقامًا متفرقة، لكننا لا نملك حساب تكلفة موحدًا ومفصلًا لقطاع الكهرباء.

الكهرباء لا تحرق الوقود فقط.. بل تحرق فرصة تصديره.

الكلفة الأثقل قد لا تظهر أصلًا في ميزانية الشركة العامة للكهرباء، وإنما في الوقود الذي تحصل عليه محطات الإنتاج.بحسب دراسة صندوق النقد الدولي حول إصلاح دعم الطاقة في ليبيا، استهلك قطاع الكهرباء خلال عام 2023 نحو 10 مليارات متر مكعب من الغاز الطبيعي، ونحو 5 ملايين برميل من النفط الخام، وقدرت كلفة هذه المدخلات بحوالي 4.4 مليارات

 دولار.

هذه الكلفة لا تعني أن الأموال كلها دفعت نقدًا إلى الشركة؛ بل تمثل قيمة موارد طاقوية كان يمكن توجيه جزء منها للتصدير أو للاستخدام الصناعي. ومن ثم فإن الكهرباء تكلف الدولة مرتين: مرة عندما تمول المشروعات والتشغيل والصيانة، ومرة عندما تستهلك النفط والغاز بأسعار مدعومة دون تحصيل مقابل اقتصادي يعادل قيمتهما.

ويقدر صندوق النقد إجمالي دعم الطاقة في ليبيا خلال 2024 بنحو 17 مليار دولار، بما يعادل قرابة 35% من الناتج المحلي الإجمالي.

 ويشمل هذا الرقم دعم الوقود والكهرباء والغاز، ولذلك لا يجوز نسبته بالكامل إلى الشركة العامة للكهرباء، لكنه يكشف حجم البيئة المالية التي يعمل داخلها القطاع.

كما أشار الصندوق إلى أن دعم الطاقة يستنزف نحو 25% من الناتج المحلي، وما يقارب 43% من الإنفاق الجاري وفق تقديراته، محذرًا من أن هذه السياسة تدفع الموارد بعيدًا عن

 أوجه إنفاق أكثر إنتاجية، وتشجع الاستهلاك المفرط والتهريب.

قدرة إنتاجية أكبر.. لكن الأزمة لم تنتهِ.

وفق البيانات التي نقلها تقرير إصلاح دعم الطاقة عن الشركة العامة للكهرباء، ارتفعت قدرة توليد الكهرباء بنحو 40% بين عامي 2020 و2024. ومع ذلك، استمر ارتفاع استهلاك الغاز والديزل، وظلت الشبكة عرضة للعجز والانهيار والانقطاعات.وهنا لا تكمن المشكلة في غياب الإنفاق فقط، بل في كفاءته.

زيادة القدرة الاسمية لا تعني بالضرورة زيادة الكهرباء المتاحة للمستهلك. فقد تكون الوحدة

 موجودة على الورق، لكنها خارج الخدمة بسبب عطل أو نقص الصيانة أو الوقود. وقد تنتج

 المحطات الكهرباء، ثم يُفقد جزء منها داخل شبكة نقل وتوزيع متهالكة. كما قد ترتفع الأحمال دون توسع موازٍ في خطوط النقل ومحطات التحويل.لذلك فإن الرقم الحقيقي الذي يجب أن تخضع به الإدارة للمحاسبة ليس عدد المليارات المصروفة ولا القدرة الاسمية المركبة، بل: كم ميغاواط أضيف فعليًا إلى الشبكة؟

كم كلف كل ميغاواط؟

كم ساعة عملت الوحدات؟

كم تبلغ نسبة الفاقد؟

كم تراجع عدد ساعات الانقطاع مقابل كل مليار دينار أُنفق؟

دون هذه المؤشرات، يتحول الإعلان عن المشروعات إلى دعاية مالية لا يمكن قياس أثرها.

من يدفع ثمن الكهرباء المجانية؟ تعرفة الكهرباء المنخفضة وضعف التحصيل يجعلان إيرادات الشركة بعيدة عن تغطية نفقاتها. والنتيجة أن العلاقة بين مقدم الخدمة والمستهلك تفقد منطقها الاقتصادي:

 المواطن لا يحصل على كهرباء مستقرة، والشركة لا تحصل على إيرادات كافية، والخزانة العامة تتحمل الفرق، بينما لا توجد حوافز قوية لترشيد الاستهلاك أو خفض الفاقد أو تحسين التحصيل.

لكن أي تعديل للتعرفة في ظل الانقطاعات الحالية سيكون تحميلًا للمواطن كلفة فشل لم يصنعه.

 الإصلاح لا يبدأ برفع السعر، بل يبدأ بتدقيق الحسابات، وقياس الأداء، وحماية الفئات محدودة الدخل، ثم الانتقال إلى تعرفة تدريجية تميز بين الاستهلاك الأساسي والاستهلاك

 المرتفع.

فالأسرة التي تشغل بعض المصابيح وجهاز تبريد في الجنوب ليست مساوية اقتصاديًا لمن يستهلك الكهرباء في نشاط تجاري كبير أو دون عداد أو تحصيل.

الروايتان المتصارعتان.تفسر الشركة العامة للكهرباء الانقطاعات عادة بارتفاع الأحمال،

 وخروج وحدات التوليد، ونقص الوقود أو الغاز، وأعطال خطوط النقل، واضطرارها إلى طرح الأحمال لحماية الشبكة من الانهيار.

أما رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة، فقد انتقل في تعليقه الأخير من التفسير الفني إلى الاتهام الإداري، محملًا إدارة الشركة مسؤولية الفشل رغم ما وفرته الحكومة من أموال ودعم.لكن التراشق لا يقدم إجابة مكتملة. فإذا كانت الإدارة فاشلة، فمن أبقاها؟ ومن راقب عقودها واعتمد خططها؟ وإذا كانت الحكومة قد وفرت المليارات، فأين تقارير تقييم

 الأثر؟ وإذا كانت الأزمة فنية فقط، فلماذا تتكرر بالصورة نفسها بعد كل مخصص استثنائي؟

الحكومة ليست ممولًا خارجيًا للقطاع؛ إنها الجهة التي تعين وتوافق وتراقب وتوفر التمويل

 والوقود. والشركة ليست مجرد ضحية للطقس؛ إنها المؤسسة المسؤولة عن التخطيط والتشغيل والصيانة وتقديم بيانات دقيقة عن العجز.

المسؤولية، إذن، ليست كرة يتقاذفها الطرفان، بل سلسلة تبدأ بالقرار وتنتهي بالمصباح المنطفئ.

هل أنفقت ليبيا 107 مليارات دولار على الكهرباء؟

تتداول منصات وصفحات رقمًا يزعم إنفاق 107.5 مليارات دولار على قطاع الكهرباء منذ عام 2012. لكن لا يظهر في البيانات الرسمية التي جرى الرجوع إليها جدول رقابي

 موحد يثبت هذا الرقم بصورته المتداولة.قد يكون الرقم ناتجًا عن جمع الإنفاق المباشر مع قيمة الوقود والدعم والمخصصات والمشروعات عبر سنوات طويلة، وربما باستخدام أسعار صرف مختلفة. غير أن تقديمه باعتباره حقيقة رقابية نهائية دون منهج حساب منشور يمثل مخاطرة مهنية.

الثابت رسميًا هو أن القطاع حصل على مليارات الدينارات في ترتيبات مباشرة، وأكثر من ملياري دولار من النقد الأجنبي خلال 2022–2024، واستهلك وقودًا وغازًا بمليارات

 الدولارات، داخل منظومة دعم طاقة وصلت كلفتها الكلية إلى مستويات شديدة الارتفاع.

وهذا وحده يكفي لفتح تحقيق اقتصادي ورقابي شامل، دون الحاجة إلى تضخيم الأرقام.

الجنوب يدفع الفاتورة مرتين.

بالنسبة إلى فزان، لا تُقاس الأزمة بالمؤشرات المالية فقط. ارتفاع الحرارة، واتساع المسافات، وضعف البنية الأساسية، وتأخر الصيانة، تجعل ساعة الانقطاع في الجنوب

 أكثر كلفة من مناطق أخرى.

المواطن يدفع ثمن الوقود للمولدات، ويتحمل تلف الأجهزة والأغذية والأدوية، ويتوقف نشاط المحال والورش، وتتضرر إمدادات المياه والاتصالات والخدمات الصحية. أي أن الخزانة تدفع مليارات لقطاع الكهرباء، ثم يدفع المواطن من دخله الخاص ثمن البديل.

هذه خسارة اقتصادية لا تظهر في بيانات مصرف ليبيا المركزي، لكنها تظهر في ميزانية كل أسرة ونشاط تجاري.

المطلوب ليس مليارًا جديدًا.

أزمة الكهرباء في ليبيا لم تعد تحتاج إلى تمويل استثنائي جديد قبل الإجابة عن مصير التمويلات السابقة. المطلوب أولًا نشر حساب قطاعي موحد يوضح: الإنفاق الفعلي على الشركة سنة بسنة.

المبالغ المنفذة بالنقد الأجنبي.

قيمة الوقود والغاز المستخدمين في التوليد.

المشروعات المنجزة والمتوقفة ونسب تنفيذها.

كلفة كل محطة ووحدة وعقد صيانة.

الطاقة المتاحة مقابل القدرة الاسمية.

الفاقد الفني والتجاري ونسب التحصيل.

توزيع ساعات طرح الأحمال بين المناطق.كما يجب إخضاع العقود الكبرى

 لمراجعة مستقلة، وربط أي تمويل جديد بمؤشرات قابلة للقياس، لا بمجرد وعود دخول وحدات جديدة إلى الشبكة.العدادات المسبقة… أزمة فوق أزمة.

زاد نظام العدادات الجديدة من حالة الاحتقان بين المواطنين، خصوصًا مع حصر شحنها في بطاقات دفع مسبق تُستخرج من شركة الكهرباء ومكاتبها فقط.والمفارقة أن هذه المكاتب تغلق أبوابها أحيانًا بسبب انقطاع التيار نفسه، فيجد المواطن نفسه أمام دائرة مغلقة: كهرباء منقطعة، ومكاتب متوقفة، وعدادات لا تعمل دون شحن.

ومع تعقيد الإجراءات وطول الانتظار، تحولت العدادات من أداة لتنظيم الاستهلاك والتحصيل إلى مصدر ضغط يومي، ودفع الغضب بعض المواطنين إلى العبث بها أو تدميرها، في تعبير عن رفض منظومة لم تُهيأ لها بدائل دفع إلكترونية مرنة ولا نقاط شحن كافية.

فالتحول الرقمي لا يقاس بتركيب عداد جديد، وإنما بقدرة المواطن على استخدامه بسهولة، وفي أي وقت، ودون أن يصبح الحصول على الكهرباء رحلة جديدة من المعاناة.

المشهد ليس دولة فقيرة عاجزة عن شراء الكهرباء، بل دولة أنفقت مبالغ ضخمة ولم تنشئ حتى الآن منظومة شفافة تُظهر للمواطن ما اشترته هذه الأموال.في ليبيا، تُضاء جداول الإنفاق بينما تنطفئ البيوت. وحين يقع الانهيارتتهم الحكومة الشركة، وترد الشركة

 بالأعطال والحرارة والأحمال، ثم يعود التيار مؤقتًا وتُغلق الأسئلة حتى الأزمة التالية.

المشكلة الأخطر ليست انقطاع الكهرباء وحده، بل انقطاع العلاقة بين المال العام والنتيجة.

وعندما تنفق الدولة المليارات دون أن يعرف المواطن تكلفة الكيلوواط، أو مصير المشروعات، أو سبب استمرار العجز، يصبح الظلام أكثر من خلل فني؛ يصبح وسيلة مثالية

 لإخفاء الحسابات.

شـــارك الخبر علي منصات التواصل

صحيفة فــــسانيا

صحيفة أسبوعية شاملة - منبع الصحافة الحرة

شاركنا بتعليقك على الخبر :