- إدريس بن حميد
لقد طال الحديث، وأصابنا الملل من تكرار توصيف أزمتنا دون أن نقترب من نهايتها. سنوات ونحن ندور في نفس الحلقة: انقسام، جدل، تخوين، تباكٍ على أنظمة مضت، وتعلق بشخوص بدل التمسك بالمؤسسات. الجميع يريد الحل، والحل في جوهره ليس غامضًا ولا مستحيلاً… لكنه يصطدم بسؤال أصعب: هل نملك الإرادة والقناعة للبدء؟
الحل واضح في خطوطه العريضة؛ الاستفادة من تجاربنا، الاعتراف بأخطائنا، العودة الصادقة للوطن كفكرة جامعة لا كغنيمة، والإيمان بأننا جميعًا شركاء فيه، لا غالب ولا مغلوب. لكن بدل ذلك، ما زلنا نستهلك طاقتنا في السجالات والترهات، ونُجيد الاصطياد في الماء العكر، ونُصرّ على العناد وكأن الاعتراف بالخطأ هزيمة.
من هنا، يصبح الاجتهاد في تشخيص المشهد ضرورة لا ترفًا. ليس من أجل تسجيل المواقف، بل لتقديم حلول عملية تتطلب منا جميعًا المشاركة والتفاعل بأمانة وصدق، لأن الوطن لا يُبنى بالمشاهدة، بل بالمساهمة.
أولاً: مسؤولية المواطن… من السلبية إلى الفاعلية
لا يمكن أن نطالب بدولة قوية ونحن نمارس دور المتفرج. المواطن شريك أصيل في صناعة المشهد، سلبًا أو إيجابًا. السلبية التي سادت في مراحل كثيرة لم تكن حيادًا، بل كانت مساحة سمحت للفوضى بأن تتمدد.
مسؤولية الفرد تبدأ من:
احترام القانون. رفض الفساد وعدم تبريره. الابتعاد عن خطاب الكراهية والتعصب. التعامل مع المال العام كأمانة لا كفرصة.
حين يتحول الانتماء للوطن إلى مجرد شعار، وتصبح المصلحة الشخصية مقدمة على الصالح العام، تتراجع فكرة الدولة. أما حين يدرك المواطن أن استقرار الوطن هو استقرار لحياته ومستقبل أبنائه، فإنه يصبح جزءًا من الحل لا جزءًا من الأزمة.
ثانياً: إصلاح التربية والتعليم… إعادة بناء الإنسان.
التعليم في ليبيا يعاني من ضعف واضح، ليس فقط في البنية، بل في المضمون. المدرسة لم تعد تؤدي دورها الكامل في بناء شخصية مستقلة واعية، تؤمن بالحوار وتحترم الاختلاف.
نحن بحاجة إلى: تطوير المناهج بما يعزز مفهوم المواطنة.
تأهيل المعلم علميًا وتربويًا.
ربط التعليم بسوق العمل.
ترسيخ ثقافة التفكير النقدي بدل التلقين. فلا يمكن لمجتمع أن ينهض بعقلية لم تُدرّب على السؤال والنقاش.
ثالثاً: العلاقات الاجتماعية… بين القيم والشعارات.
مجتمعنا غني بقيم التكافل والترابط، لكن سنوات الأزمة أفرزت مظاهر سلبية: تعصب قبلي ومناطقي، نفاق اجتماعي، شعارات تُرفع في العلن وتُخالف في السلوك، ومعتقدات خاطئة تُسوّق على أنها ثوابت.
إعادة بناء المجتمع تبدأ بإحياء القيم الصادقة: الصدق بدل المجاملة الزائفة. الولاء للقانون لا للأشخاص. تقديم الكفاءة على الانتماء. احترام الرأي المختلف دون تخوين.
رابعاً: الاقتصاد… من الفساد إلى الإنتاج.
الاقتصاد المنهار انعكس مباشرة على حياتنا اليومية. سوء الإدارة والفساد العلني رسّخا ثقافة خطيرة: استباحة المال العام والتسابق عليه وكأنه حق مكتسب.
هذه ليست أزمة مالية فقط، بل أزمة ضمير.
بناء اقتصاد حقيقي يتطلب:
إدارة كفؤة وشفافة.
رقابة صارمة على الإنفاق.
محاسبة دون استثناء.
دعم الإنتاج والقطاع الخاص.
فلا يمكن أن نبني دولة حديثة بعقلية الغنيمة.
خامساً: السلاح وهيبة الدولة.
وجود السلاح خارج إطار الدولة، خاصة في بعض مناطق غرب البلاد، يمثل تحديًا خطيرًا لسيادة الدولة ووحدة قرارها. فلا دولة دون احتكار شرعي للقوة، ولا أمن مستدام دون مؤسسات عسكرية وأمنية موحدة.
إنهاء هذه الحالة يتطلب مسارًا وطنيًا جادًا، يُعيد بناء مؤسسات الدولة على أساس المهنية والوحدة، بعيدًا عن الانقسام.
وفي المقابل، فإن أي جهد يُبذل لبسط الأمن والاستقرار في أي جزء من البلاد هو مكسب لكل الليبيين، لأن الأمن لا يتجزأ، والاستقرار في منطقة ينعكس على الوطن بأسره. لكن هذا الاستقرار يجب أن يندرج ضمن مشروع وطني شامل يضمن وحدة البلاد ومؤسساتها.
بين المواطن والحاكم… شراكة لا صراع.
المواطن مطالب بالوعي والمشاركة، والحاكم مطالب بالإدارة الرشيدة والعدالة. المسؤولية مشتركة، لكن بوزن مختلف. من يملك السلطة يملك التأثير الأكبر، ومن يملك الصوت يملك مسؤولية استخدامه بصدق.
لن تُحل الأزمة بالتباكي على الماضي، ولا بانتظار منقذ، ولا بإقصاء طرف لصالح آخر. الحل يبدأ حين نؤمن أننا جميعًا شركاء في هذا الوطن، وأن مصلحته تعلو فوق كل اعتبار.
خاتمة:
لقد تعبنا من الكلام، لكن الطريق ليس مسدودًا. الحل ليس معقدًا بقدر ما هو محتاج لإرادة صادقة. أن نعود للوطن كفكرة جامعة، أن ننهي السجالات العقيمة، أن نترك العناد، وأن نتحمل مسؤولياتنا بوعي.
فالدولة ليست شعارًا نرفعه،
ولا شخصًا نتمسك به، بل عقدًا أخلاقيًا بين مواطن مسؤول وحاكم عادل.
وحين نقرر أن نكون شركاء بصدق… تبدأ ليبيا من جديد.














