- آدم فتحي
أجيءُ البلاد كأنِّي أُغادِر
مُرتَبِكَ الخطوات قليلَ الكلام
خفيفًا كأمتعةِ الغرباء
يتيمًا كلاَ أحدٍ عاريًا كالمياه
نَفُورًا كذيلِ الحُبارَى
أنا آخرُ الراقصين على الأرض
لم يفتقدني حبيبٌ
ولم يدْعُني أحدٌ
فوصَلتُ الأخير إلى الحفل
أُطْعم ضيفانَها أملاً ومَحارَا
جلسْتُ على طرف الأرض كالظلّ
خبّأتُ في إبَر النّحل أطفالها القادمين
افترشتُ الحصير الأخير
تمرّغتُ في الوحل
عانقتُها ثمّ فارقتُها مدُنًا وصحارَى
تغرّبتُ فيها إلى أن تقطّعتُ كالنّعل
عانيتُ فيها من الحلو والملحِ والمُرّ
ما لو تبخّر فيها وفينا
لَصِرنا غبارَا
تعَهّدتُها في فم الذّئب
راشقتُ بالتّمر حرّاسها النّائمين
مشيتُ على الجمر
حتّى خبا الجمر في عُمْرها وتوارَى
تكوّرْتُ في طينها الطّفْل
شَيّبتُ في قلبها اللَّيلَ
قلتُ لعلّي أرى آخرَ الليل أغنيةً أو نهارَا
ولم أرَ في البرّ والبحر والوعر والسّهل
أقسَى علَيّ وأحقَد
من بعض أهلي
متى اقتربت سفُنٌ
فرَشُوني على جلْدِ ثورٍ لينتظروا
جاثمينَ على شفتي بوسائِدهم
أن يعُود إلى البحر فرسانهُ
فإذا سمعُوا الخيل تصهل من جهة البرّ
لم يكتَفُوا بالصّهيل مع الخيل
بل أحرقوني
ليتّخذوا من دخاني جدارًا وينتصروا
ثمّ راحوا بما ظلّ منّي
إلى حانةٍ في الخراب المجاور
كي يسكروا
ها هم الآن يرتجفون من الغيظ
في ساحة الغرباء
وقد خسروا حاسّةَ الرقصِ
ها أنا ذَا
آخرُ الراقصين على هذه الأرض
لا سَاقَ لِي غير ما كسَرُوا
كُلَّمَا حاق بي خطرٌ
نصحوني بسَمْل عيوني
ولم يجِدوا فكرةً كي ألِيقَ بحرّيتي
غيرَ أن يأسروني
ولم يجدوا حيلةً كُلَّما هَمَّ بي آكِلي
غير أن يأكُلوني
ولم يجدوا حُجّةً كي يردُّوا على قاتلي
غير أن يقتُلوني …














