أزمة خانقة أصابت المجتمع الليبي القارئ

أزمة خانقة أصابت المجتمع الليبي القارئ

 

الصحافة الليبية لعبت دوراً بارزاً في تشكيل الوعي الشعبي والسياسي لدى المواطن وازداد دورها أهمية مع أزياد حركة التعليم في ليبيا ونمو الوعي السياسي فيها،وحتى في هذه الأيام الصعبة التي نعيشها من انعدام امن وخطف واغتيالات كانت الصحف الوطنية تنقل الآراء السياسية وتكشف المخططات والأجندات المختلفة لدى البعض وبعد ثورة 17 فبراير شهدت ليبيا حراكاً صحفياً متميزاً وصدرت في ليبيا المئات من الصحف والمجلات والنشرات الصحفية إضافة الى الصحف الالكترونية التي مازالت متواصلة في الصدور ،ولكن بعد فترة وجيزة توقفت معظم الصحف لغياب الدعم المادي وغياب الإقبال الجماهيري على قراءة هذه الصحف فعشرات الجرائد تحاصر نظرك يوميا، مئات من الأخبار والمعلومات والأحداث، ملايين من الكلمات التي تغطي بياض الصحف سواء كانت مستقلة أم لا، تظهر صحف وتختفي أخرى وبين كل ذلك رسائل يبحث عنها القارئ إما ليشبع فضوله المعرفي أو ليتسلى بملء كلمات مسَهمة أو متقاطعة أو يتتبع أخبار الحوادث و تتنوع رغبة كل واحد من اقتناء الجريدة بتنوع الزاوية المعرفية والإيديولوجية لكن ما معدل القراءة لدى الليبيون في ظل الحديث عن أزمة خانقة أصابت المجتمع الليبي القارئ؟وما هي طبيعة هذه الأزمة و ما مصدرها؟ وهل المواد المعروضة لم تعد تلائم تطلعات القارئ، أم أن عوامل أخرى تقف وراء عزوف المواطن عن قراءة جرائدهم؟ وماذا أعددنا لمواجهة هذا العزوف الرهيب الذي أصبح نحسا يطاردنا في معظم المجالات الحية؟ هذه الأسئلة وغيرها سنحاول ملامستها، بمشاركة مختصين ومهتمين بالموضوع، دون أن نغفل آراء المواطن الليبي باعتباره المستهدف من كل ذلك؟ فكانت أجباتهم متباينة ومختلفة ،هذا وتوجهنا إلى أحد المكاتب بشارع مصراته بنغازى “الحاج محمد جمال سألناه عن إقبال الشباب على شراء الصحف وعلي القراءة فأكد أن الشباب في هذه الأيام لا يبحث عن المعلومة، وأغلب ما يبحث عنه هو التسلية والكلمات المتقاطعة.

وأضاف: “أعتقد أن الشباب يحتاجون إلى قدوة تشجعهم على القراءة، ليس قراءة الجرائد فحسب، بل القراءة بشكل عام، وذلك مرتبط بالتنشئة داخل المنزل، فاعتماد الأمهات على الرسوم المتحركة بإشغال وقت أبنائهم غير كاف”.

ولفت إلى أن “الشباب اليوم ليس لديه أي رغبة فعلية للقراءة، فمعظم زبائني هم من كبار السن الذين يأخذون الجريدة منذ الصباح الباكر من أجل تصفحها أيضاء صحفيين واعلامين لم أصادف شابا أو شابة تطلب الجريدة في الصباح إلا نادرا”.

عادة منسية

ويقول صاحب مكتبة المختار علي الايطوش “على الرغم من أن كثيرا من الشباب تأثروا بالانترنت حيث لا تحظى الصحف بأي أهمية لديهم في الأغلب، لكن هناك من يخالف هذه الظاهرة فبحسب اعتقادي فإن قراءة الصحف بشكل عام تعطي للقارئ ثقافة واسعة وفهما لما يحيط به من أحداث لكن للأسف أرى الكثير من الشباب في وقتنا الحاضر لا يمارسون هذه العادة، سواء الفتيان والفتيات وحتى لو تصفحوا الجريدة فهم يأخذونها من أجل التسلية مثل الكلمات المتقاطعة وغيرها وهذا للأسف ظاهرة سلبية  وتكمن أسبابها في عدم تشجيع الأطفال على القراءة منذ الصغر وعدم خلق حب القراءة فيهم، وكذا المنافسة الشديدة التي يلقاها من القنوات الإخبارية أو المصادر الأخرى.”

وأضاف”وهذا لا يعني أن اللوم يقع على الناس فقط  حيث إننا قد نجد بعض الصحف تغفل بعض المواضيع والقضايا التي تهم المجتمع”.

هوس الانترنت

اما سفيان ألحوتي ” فيشير إلى أن كثيرا من الشباب أصبح لا يهتم بالقراءة والمطالعة، وبما يجري حوله من أحداث، وقد يكون ذلك سببا في عزوفهم، لعدم نقل موضوعات صحفية تمس الشباب بالدرجة الأولى وتناقش همومهم كما أن الانترنت اكتسح حياة الشباب؟ ويقول: “هذا الجيل بالتحديد استطاع أن يجد المصادر الجديدة للقراءة، فلا يتوجب عليه مثلا الاشتراك بجريدة يومية، يكفيني أن أشترك بالإنترنت في المنزل لأتصفح الجرائد العالمية والمحلية وقراءة ما أريد وما أبحث عنه”.

وتابع “إذا كنا نتحدث عن الجريدة بوصفها مجرد ناقل للخبر فهناك وسائل تنقل الأخبار بشكل أكثر إمتاعا وجذبا من الصحف، فالمذياع ينقل الأخبار بالصوت، والتلفاز بالصوت والصورة”.

مهم

أما عبير ألعوامي فتؤكد أن قراءة الجريدة أمر ضروري فالجريدة تعكس الواقع الذي نعيش فيه، وفيها مساحة كبيرة يمكن من خلالها التأثير في مختلف حياتنا  إلا أن نسبة الشباب الذين يقبلون على قراءة الجرائد قليلة جدا والأسباب عديدة، حيث إن الشباب سواء فتيان وفتيات، يستطيعون الحصول على آخر المستجدات من خلال وسائل أخرى أكثر سرعة وليس بالضرورة أن يذهب لشراء الجريدة ثم قراءتها، فشاشات التلفزيون والموبايل والانترنت هي الآن أكثر الوسائل التي تجذب الانتباه حيث ان ظهور الإذاعة والتلفزيون اصبح تحديا كبيرا أمام الصحافة لكي تثبت مكانها وتستمر هذا التحدي اليوم زاد مع ظهور الانترنت، وهو ما يدعو إلى الاهتمام أكثر بالصحف فكما نلاحظ أن المادة الصحفية في الجريدة في وقتنا الحاضر أصبحت ثقيلة من حيث كبر المادة حتى تنفر القارئ ولا تجذبه فالعصر اليوم هو عصر المانشتات والصور والمعلومات المفيدة في أقل كلمات ويعني هذا أن المادة الصحفية بأنواعها لا بد أن تختصر وتأتي بالمفيد، وليس الموضوع تعبئة فراغ في الصفحة فقط”

 

غياب الحقيقة …هو السبب

تقول أسمهان الزاوي” إن العزوف عن القراءة مشكلة عويصة يواجهها المجتمع عامة وشباب ليبيا خاصة  ،ولا شك أن يكون ذلك هو أحد الأسباب الرئيسية في تأخر ليبيا فالقراءة بصفة عامة وخاصة الصحف الورقية هي مصدر الوعي في المجتمعات وهي نماء للعقول وبناء للثقافات المتنوعة وبها تحصل الرفعة والتقدم و النماء،  إن فعـل القراءة أصبح غائبا اليوم عن شعبنا وتـرى ذلك واضحا جليا في بعد  الطلبة و التلاميذ والشباب عامة و نفورهم من الكتب  و المكتبـات وقراءة الصحف الورقية والمجلات حـتى أصبحت هذه الظاهرة سمة واضحة علـى جيـل بأكمله ولذلك  و غيـره لا بد من تشخيصها و وضع مشاريع علاجها  وقبل أن نذكر العلاج نذكر الأسباب التي جعلت هذه الظاهرة متفشية بين الشباب الليبي ففي الحقيقة اغلب الصحف الصادرة لا تلبي حاجة المواطن الى المعلومة الدقيقة والمؤكدة بل ان بعض الصحف تنقل إخبار لا صحة لها في الواقع وبالتالي المواطن عندما يكتشف ذلك فانه يسارع لاتهام الصحافة بالكذب وعموماً إنا مواظبة دائما على قراءة صحيفة واحدة وبشكل يومي تقريباً .

البحث عن المعلومة الصحيحة وسط كم هائل منها

وتقول إيمان الترهوني”المواطن يبحث عن المعلومات بصورة مستمرة ولكنه وجد بديلاً مناسباً وهو الفضائيات التي تنوعت وأصبحت تغطي كل نواحي الحياة واتجاهاتها فالبحث عن المعلومة صار مجانياً وبالتالي لا يكلف المواطن نفسه عناء القراءة وصرف مبالغ لشراء صحيفة بالرغم من ان أثمانها زهيدة”

ضعف التسويق …وغياب المهنية هو السبب

ويقول الصحفي محمد الحاسي” ان العزوف عن قراءة الصحف مجملا ً دون استثناء له أسبابه وفي مقدمتها تسلط الفضائيات ووكالات الإنباء والصحف الالكترونية من خلال السرعة في نقل الخبر وتعدد البرامج التي تقدمها القنوات الفضائية وغيرها من أساليب جذب المواطن ،ولكن أقول مع تنوع اتجاهات الصحف الليبية من المستقلة وغيرها،بقي الكثير من المواطنين والقراء محافظون على هوايتهم في شراء الصحف لأنهم يعتبرون الصحيفة شيء مهم وله مميزاته وخصائصه التي لا يجدونها في الفضائيات او ألاذعات المحلية ،وكذلك فان اغلب الصحف غير قابلة للتسويق بسبب حزبيتها وعدم انفتاحها وتحولها من الإعلام الحر الى الإعلام التعبوي وكذلك افتقارها الى المهنية الصحفية” .

صحف إعلانات لا تلبي حاجة المواطن

ويقول الإعلامي علاء ألشيخي ” فالقراءة بصفة عامة وخاصة الصحف الورقية هي مصدر الوعي في المجتمعات والتحول الذي شهدته البلاد كان له إبعاده المتعددة في كل مظاهر الحياة ،وكانعكاس لهذا التغيير كانت الصحافة قبل غيرها تتلمس هذه التحولات النوعية ،وبروز أيدلوجيات واتجاهات كانت ممنوعة أفرزت تحاوراً نوعياً ولذلك فان ظهور الصحف كان نتيجة هذا الاختلاف الفكري الذي تشهده البلاد،إما عزوف المواطن عن متابعة الصحف الصادرة فهو له أسبابه منها هذا التطور التقني ووسائل الإعلام الحديثة مواقع وفضائيات مكنت المواطن من الحصول على الخبر أولا بأول ،ومع ذلك هناك سبب أخر هو تحول الصحف الى صحف إعلانات وهذا التحول كان على حساب الموضوع الصحفي والمادة الإخبارية ،وهذا شجع المواطن  على العزوف عن الصحف وقراءتها”.

صحفنا تفتقر الى التحقيقات الاستقصائية

وتقول الإعلامية فتحية فرج” في رأي إن الأسباب المؤدية الى هذا الأمر عديدة منها وجود هذا الكم الهائل من الفضائيات ومحطات التلفزة الأرضية  وتوفر الشبكة العنكبوتية التي أضحت بدائل صالحة  ومتوفرة للكثير من الناس في معرفة الأخبار اليومية والتقارير السياسية والتي هي ضالة الكثير منهم ،كما  إن اغلب الصحف المحلية هي صحف يمكن أن نعدها حزبية بمعنى إنها  لسان حال المدينة التي تصدر عنها وهذا يؤدي الى عزوف العامة عنها واقتصار تصفحها على المنتمين لها ، والأمر الثالث ربما يعود الى افتقار اغلب الصحف المحلية الى المصداقية في نقلها للأخبار وتعاملها مع تلك الأخبار وكأنها شائعة وليس خبر ممكن الاعتماد الى مصادره ،  كما إن بعض الصحف تعتمد على صحفيين أو إعلاميين يتعاملون مع الخبر وكأنه سلعة يمكن المتاجرة بها فيدفعونها الى أكثر من صحيفة وفي آن واحد وبإجراء تغيير طفيف فيها مما يفقد الموضوع أو الخبر طزاجته ،ثم إننا لا ننسى بان اغلب صحفنا تفتقر الى التحقيقات الاستقصائية التي  تجعل المتلقي يتابع تلك التحقيقات بشغف ويقبل على معرفة ما تؤول إليه النتائج كل ذلك وربما أكثر جعل المواطن الليبي يجد بدائل للصحف المحلية واعني ما يجود عليه به الإعلام المرئي أو المسموع .

نسخ لصق

ويضيف صاحب مكتبة الشروق محمد المصراتي” هناك عدة أسباب أدت وتؤدي الى عزوف المتلقي والقارئ الليبي عن الصحف المحلية ، في مقدمة تلك الأسباب هو عدم مصداقية تلك الصحف فيما تنشر من إخبار فينشر فيها كل ما هب ودب بدون أي مصادر وأدلة توثق الموضوعات سواء الخبرية او غيرها وأيضا هناك سبب أخر للعزوف وهي كثرة الصحف وتشابه ما تنشر من مواد تكون اغلبها مستلة من مواقع الانترنت  ( كوبي بيست) او من الفضائيات وبهذا يكون هناك إشباع مسبق للمتلقي لأنه حصل على المادة قبل ذلك من ألنت ، إضافة إلى تأخر الصحيفة عن الحدث والسبق فنرى مثلا صحيفة تصدر بعد يومين او ثلاث أيام تنقل خبر وقع قبل ذلك بأسبوع يكون المتلقي بغنى عن قراءة هذا الخبر لأنه اطلع عليه تماما في عالم ألنت فعالم ألنت كما أرى ويرى الجميع انه اخذ القاري من الصحف ،شبكة الإنترنت هي بصدق إعجاز العصر الحديث الذي توفر لكل الناس المعلوماتية ولهذا فان للأهمية البالغة لهذا العالم شبكة المعلومات العنكبوتية أتاح بشكل كبير وعبر واحات المنتديات والمواقع الثقافية نشر نتاجات الكتاب والأدباء الليبيين بشكل متواصل ومستمر عكس الصحف المحلية التي يكون مجالها وسعتها محدودة وبطيئة بعض الشيء ، فعالم الانترنت الذي صار يستقطب كل الكتاب من مختلف البلدان صار قرية صغيرة لتلاحق المعارف والعلوم الأدبية والفنية وغيرها ، وبهذا قد استفاد المثقف الليبي والعربي والمتلقي معاً بدرجة كبيرة من هذا العالم من خلال التواصل وكسب المعارف وكذا استفاد كثيرا من صفة التفاعلية الذي يوفره هذا العالم ”

وأضاف بقوله” وكذلك هناك أمر مهم وهو ضعف وركاكة الموضوعات التي تطرح في تلك الصحف فاغلب من يكتب فيهم يسطرون كلام ممكن لاي إنسان عادي ان يتكلمه في الشارع وبهذا يكون القارئ متململ في بعض الأحيان عندما يقرأ عمود او مقالة لكاتب لا يجيد ابسط أبجديات الكتابة او يتكلم عن موضوع بعيداً كل البعد عن البيئة النفسية والجغرافية للفرد الليبي”

أزمة قراءة

وتقول طالبة الإعلام سهير احمد الصرمانى”تعتبر القراءة حاجة ماسة لكل واحد لينمي قدراته المعرفية، ومهاراته التواصلية، إنه فعل قائم على إعمال الذاكرة والتركيز من أجل التحصيل الجاد والهادف، فهي تختلف إذن بين قراءة عابرة، وأخرى متفحصة ومتأنية وتختلف طرق الحصول على الخبر والمعلومة، بين فئة ارتضت لنفسها هجران القراءة والاكتفاء بوسائط تواصلية متنوعة، و أخرى تعزف على أوتار وطقوس معرفية من أجل الحصول على الخبر أهمها ثقافة السمع ومن هنا تطرح العديد من التساؤلات عن الأسباب التي تحول دون انتشار ثقافة القراءة، وبالتالي محاولة معرفة الوسائل القمينة بالخروج من الأزمة وهي أزمة لا تخص ليبيا فقط بل أصبح صداها يتردد في شتى بقاع المعمور وإن بدرجات مختلفة، وتزداد استفحالا في الدول المتخلفة، وهكذا كلما تم الحديث عن إشكالية القراءة بليبيا، إلا وتم ربط هذه الأزمة بـ ”سوق القراءة” في حجمه وفي بنياته وفي طبيعة الفاعلين فيه، كتابة أو استثمارا أو تلقيا نهائيا لما يفرزه ذات السوق”

هناك الكثير لا يقتنون جريدة

وتضيف رانيا يوسف “لا يسلم حقل الصحافة الليبية من هذه الأزمة، فمختلف المعطيات تشير بما لا يدع مجالا للشك أن هناك الكثير ممن لا يقتنون جريدة إلا في القليل النادر، وبرئي ان عزوف الليبيين عن قراءة الصحف يرجع إلى عوامل ذاتية تتمثل بالأساس في غياب مضمون يغري القارئ باقتناء الجرائد، ذلك أن ما يتوفر من إنتاجات ‘إذا لم تكن رديئة ومكررة فهي بالقطع متواضعة ولا ترقى إلى ما يطلبه القارئ منها، وخاصة التي لم تعد تلامس قضايا المواطن”.

الانفجار التلفزيوني والرقمي

مسؤول المكتبة المركزية عمر الصيد بدوره يطالب “بتوفير جرائد تحقق السبق الصحفي، ناهيك عن ضعف المحتوى إلى جانب غياب المضمون، هناك إحساس تولد لدى القارئ بأنه لا جدوى ولا نفع يمكن أن يجنيهما من القراءة، كما أن الثقافة الشفوية السائدة قد تحول دون توسيع دائرة المتلقين، فالقارئ ينفر مما هو مقروء لأنه يجعل مسافة بين القارئ والخبر مما يسبب التعب ويتطلب التفكير والتركيز أكثر، بالإضافة إلى أن هناك عاملا آخر يتمثل في الانفجار التلفزيوني والرقمي، الذي أغرى المواطن باكتشاف هذا العالم الجديد، مما أغناه عن ركوب دروب القراءة الوعرة ومنحدراتها المُشْكلِة”.

الأفق النقدي

ويقول الإستاد عمر الفيتورى”ضعف الأفق النقدي فهناك نمط من الصحف تحاول الاهتمام بالهموم الحقيقية للمجتمع فتعكس أنماط الوعي، وتعمل على الرفع من مستوى الوعي بالواقع  وهي حالة لا يمكن أن تتحقق بدون أفق معرفي وثقافي وتخطيط وفتح المجال أمام الرأي والرأي الآخر، واتخاذ المبادرة الحية التي من شأنها أن تجدد في أبواب الصحيفة وموادها، وتجعل من كل جريدة متميزة تميزا حقيقيا عما عداها وتجعلها فعلا صحافة تقرأ ويحتفظ بها، لا أن تتصفح في دقائق ويلقى بها وبالنظر إلى الصحافة العربية، التي تطورت وحاولت معانقة آفاق تواصلية أخرى، وفي ظل تقدم الوسائط المتفاعلة التي ساهمت في تطوير وتيرة العمل الصحفي نجد أن الصحافة في ليبيا ما زالت بعيدة عن تطلعات الجمهور ومسايرة الركب”

ربع صفحة لكل مواطن

ويقول أستاذ علم النفس ربيع الفزانى” ففي ما يتعلق بقراءة الجرائد والصحف في ليبيا فكما سمعت ان الأرقام تقول أن عدد سحب الصحف من أماكن توزيعها لم يتجاوز 500 نسخة لكل صحيفة او جريدة على أقصى تقدير، وهكذا إذا وُزع العدد على عدد السكان القادرين على القراءة، فلا يتجاوز ربع صفحة لكل مواطن.

واستطرد قائلا”وهناك عزوف شديد عن القراءة والسؤال هنا ماذا أعدت ليبيا لمواجهة هذا العزوف الرهيب الذي أصبح نحسا يطاردنا في معظم المجالات الحية؟فغير بعيد عنا نجد في مصر حملة قوية لتشجيع القراءة بشتى ألوانها، عن طريق إعادة طبع الكتب وتوزيعها بثمن زهيد على المواطنين، ومن جانب اخر فهل منظومتنا التعليمية تركز على القراءة كفعل تغييري تهذيبي من شأنه أن يساهم في تأهيل كفاءات، وتوفير المهارات القادرة على الانسجام مع متطلبات السوق، وذلك عن طريق تشجيع القراءة بشتى ألوانها وخصوصا قراءة الجرائد في القطاعات الطلابية وجعلها إستراتجية وطنية؟

اختفاء الحُـلم

وفي نقلة نوعِـية كبيرة يرى رمضان لوحيشي “أن انصِـراف الشباب عن حضور المعارض وشِـراء الكتب وقراءة الصحف هو جزء من أزمة كبيرة تُـعاني منها ليبيا في السنوات الأخيرة وهي أزمة خاصة بالشباب حيث يُـعاني الشباب من الاغتراب داخل أوطانهم  كما يُـعاني من الإحْـباط وعدم وجود حُـلم كبير يسعى إلى تحقيقه أو فكرة كبيرة يعيش لها، وهو ما كان يدفعهم من قبل للقراءة والاطلاع”.
ويضيف رمضان أن “هناك عامِـل آخر هامّ لا يجب أن نغفله، ألا وهو ضُـعف البرامج الثقافية التي كانت تُـصاحب المعارض من قَـبل ففي الزّمن الجميل، الذي شهد حضورا وشراءً كثيفا من معرض الكتاب بالجامعة كان البرنامج الثقافي المُـعدّ على هامش المعرض يضمّ باقة من ألمَـع المفكِّـرين الليبيون أما اليوم فلا نجدهم علي الساحة ”

عزوف قرّاء أم ندرة مكتَـبات

وتقول القاصة منى عبدالرحمن” انصراف الشباب في المدارس والجامعات عن دخول المكتبات لشراء جرائد او حتى مجلات إلى عدم جدوى القراءة من وِجهة نظرهم وانشغالهم بالبحث عن فرصة عمل لتحسين أوضاعهم المعيشية كما ان المكتبات العمومية المتبقِّـية في ليبيا باتت خاوية على عُـروشها بعد أن كُـنا  ذات زمن  نستبِـق افتتاحها بساعات لكي نظفُـر بمقعد شاغر وبكِـتاب مفضّـل او جريدة او مجلة وهذا الوضع لا يتحمّـله الشباب الليبي المُـفترض وحده المسؤولية وإنما تتضافر عدّة عوامل لكي ترسم واقعا مُـريعا للقراءة وتتحمّـل السياسات الرسمية مسؤولية كبيرة عن هذا الواقع”.

النظام التعليمي سبب من الاسباب

وترى نجاة عيسي ” والواقع أن مشكلة العزوف عن القراءة وخاصة الصحف هي مشكلة عالمية  حتى أن الدول التي كانت شعوبها مدمنة على القراءة مثل الشعب الإنجليزي والشعب الفرنسي والشعب المصري تعاني اليوم من هذه المشكلة بوجود وسائل اكثر سهولة كالشبكة العنكبوتية الانترنت والقنوات الفضائية فالصحف اليوم تتعرض لمنافسة قوية وربما غير متكافئة مع وسائل الاتصال المعرفية مثل التلفزيون والفيديو و الأنترنت كما ذكرت سابقا وكل ما يتصل بها من وسائل سمعية وبصرية فشخص من كل شخصين في ليبيا يشاهد التلفزيون طيلة ساعات النهار و أن متوسط ما يخصصه الشاب الليبي للقراءة يبلغ حوالي 34دقيقة للصحف و 14دقيقة للمجلات، و 23دقيقة فقط للكتب كما ان نسبة الإقبال على القراءة قد قلّت بشكل كبير، كما أن نوعية القراءة أصبحت متدنية كما ان النظام التعليمي الذي تزايدت عِـلَـله وتراجع عطاؤه، ساهم بشكل كبير في انصِـراف الناس عن القراءة بشكل عام وقراءة الصحف بشكل خاص وتخلّـى رجال التعليم عن رسالتهم، بل إن المُـثير للقلق في الواقع الليبي أن هذه النُّـخبة التي يُـعوَّل عليها في عقد مصالحة بين الناس والصحف الورقية عزفت بدورها عن القراءة وانصرف المعلِّـمون إلى مشاريع مدرة للدّخل تدعم أجورهم، وتوقّـف أغلب الأساتذة الجامعيين عن التأليف والبحث العِـلمي.. الخ”، هذا ممّـا يجعلنا نشكّ إن كانت نهاية النّـفق وشيكة خصوصا أن فراغ الشباب امتلأ بالمخدِّرات والمغامرات في بعض الحالات، مما يُـلقي بمزيد من ظِـلال القلق على المستقبل”.

تراجُـع الصّحف لصالح الإنترنت

يقول فتحي علي العيساوي”ثمة حقيقة لا ينكُـرها عاقِـل، ألا وهي ان معظم الصحف تُـعاني من ركودٍ ملحوظ في الشِّـراء  وبخاصة في ليبيا وذلك بسبب الثورة المعلوماتية في الشبكة العنكبوتية فلم تعُـد الصحيفة هي المصدر الأوحد للخبر بل أصبح الإنترنت وسيلة أسرَع فضلا عن أنه يُـتيح مجالا أوسع للبحث ومعرفة ما يحدُث في العالم كله لحظة بلحظة، وهو ما جعل مُـعظم الشباب من المثقفين يعزُفون عن شِـراء الصحف والمجلات فهناك بديل لا يمثل تكلفة مادية كبيرة، إضافة لكونه أسرع وأفضل، وهو الإنترنت”.

الصحف وسيلة قديمة لا تتناسب والعصر

وتقول عائشة عمر منفدة برامج “أن انتشار الفضائيات أثّـر بالسّـلب على انتشار الصحافة الورقية ربّـما كانت الفضائيات بما تُـمثله من عوامِـل جذْب كالصورة والحركة والحوار التفاعلي ومشاركة الجمهور نفسه في صُـنع الإعلام من خلال الاتصالات أو الرسائل القصيرة فضلا عن وجود بعض القنوات المتخصِّـصة التي تُـعايِـش الخبر لحظة بلحظة من أسباب عُـزوف البعض عن مطالعة الصحف ولكن بنسبة ضئيلة” معتبرة أنه بالنسبة للمثقّـفين فسيظلّ للكِـتاب المطبوع والرغبة في اقتنائه  سحره وجاذبيته”.
واستطردت قائلة “الكِـتاب المطبوع يتعرّض لمنافَـسة كبيرة من التلفاز بمحطّـاته الفضائية والبرامج العِـلمية التي يبثّـها ناهيك عن الشبكة العنكبوتية وعالم الأقراص المُـدمجة والتي أضْـحت اليوم من الوسائل التربوية المفيدة، من الناحية الحضارية، في الحصول على الثقافة والمعلومة بطريقة أجمل وأسلَـس وأكثر قبولا لدى الأفراد بأذواقهم وقابليتهم المتعدِّدة للاستيعاب من الكِـتاب الذي يرى الكثيرون أنه قد أصبح وسيلة قديمة لا تُـناسب العصر وتحتاج إلى إعادة نظر من النّـاشرين المؤلِّـفين والتربَـويين”.

وأخيرا…
لما لا تدخل صحفنا الليبية الوطنية سوق المنافسة العالمية وما هو السبب في غياب جريدة ليبية دولية؟ هل السبب هو غياب الإمكانات أم الكفاءات ؟ أم لانعدام الخيال الصحفي المبدع؟ لماذا لم تتطور الصحف الوطنية والمحلية ؟ ولم تظهر عندنا بعد الصحف المجانية ؟ أبسبب الأمية ؟ أم لضيق ذات اليد ؟ ستبقى الصحافة  الليبية مرآة عاكسة لتطلعات مجتمع يحاول ان يصوغ تجربته الاجتماعية والسياسية والثقافية الجديدة وفق معطيات حديثة معتمداً على إرادته الكامنة مستحضراً ارثه الثقافي العريق لتشكيل صورة الغد المشرق الذي ستساهم الصحافة الوطنية الحرة في رسم ملامحه بالتأكيد لصنع حياة أفضل  .

استطلاع :وهيبة الكيلانى:حنان المغيربي

شـــارك الخبر علي منصات التواصل

صحيفة فــــسانيا

صحيفة أسبوعية شاملة - منبع الصحافة الحرة

شاركنا بتعليقك على الخبر :