أشرف البولاقي جدية المعنى وخفة الروح حين يعود الألم ويبقى الأصدقاء

  أشرف البولاقي جدية المعنى وخفة الروح حين يعود الألم ويبقى الأصدقاء

  • الجميلي أحمد

في مدن الجنوب الصغيرة والكبيرة يولد أحيانا أشخاص يشبهون الساحات العامة يتسعون للجميع ويمنحون العابرين دفئا لا يُشترى وكان أشرف علي  عبداللطيف البولاقي وشهرته أشرف البولاقي  واحدا من هؤلاء لم يكن حضوره عاديا ولا صداقته عابرة كان إذا دخل مجلسا صار هو محوره لا بصوت عال ولا باستعراض بل بخفة ظل ذكية وروح تعرف كيف تلمس القلوب قبل الآذان كان يمزح فتظنه يلهو ثم يفاجئك بعبارة جادة تقيم المعنى في مكانه الصحيح كأنه يخبئ الحكمة داخل ضحكة

عرفته في قنا حين كنت في بداياتي أتعلم الطريق بينما كان هو يعمل في ثقافة قنا ويعيش المشهد الثقافي من الداخل هناك لم يكن موظفا يؤدي عملا بل كان بيتا مفتوحا للشعراء وملاذا لكل من يحمل ورقة مرتعشة عليها قصيدة أولى كان حاضنا حقيقيا للمواهب يستقبل النص كما يستقبل ضيفا عزيزا يناقشه ويحتفي به ويشير إلى عثراته دون أن يجرح صاحبه

كان عاشقا للتراث العربي قارئا شرسا يلتهم الكتب التهاما ويستدعي الشواهد من ذاكرة يقظة وإذا تحدث عن بيت شعر شعرت أنه يتكلم عن صديق قديم يعرف طباعه وأسراره ومع ذلك كله ظل المرح عنوانه يحب النكتة وينتظر من يسمعها منا بلهفة طفل اكتشف لعبة جديدة ثم يعود فجأة إلى نبرة جادة فتدرك أن الضحك عنده وسيلة فهم لا وسيلة هروب

بيننا ما بين الأصدقاء من أسرار صغيرة صنعتها الأيام حتى قالت أمه رحمها الله لزوجته أم هند إن بين أشرف والجميلي سرا عميقا يا أم هند ولم يكن السر سوى تلك الصداقة التي تجعل أحدنا عذرا للآخر حين يهرب القلب إلى حبيبته وكنا نتبادل الأدوار ببراءة ونمضي كأننا نحرس أحلام بعضنا البعض

وحين جئت إلى القاهرة بقيت المسافة مجرد جغرافيا عابرة كان بيتي بيته ومكتبي مكتبه وربما فرقتنا مشاغل الحياة واختلفنا في الرأي كما يختلف الأصدقاء الكبار لكن صورته وهو يضحك بجدية العارف ويحتضن المواهب الجديدة ويصغي قبل أن يتكلم ظلت ثابتة في القلب لا تزحزحها الأيام

أكتب عنه اليوم لأنني عشت معه منذ أكثر من عشرين عاما بتعب داهمه وكنت شاهدا على بعض تفاصيله ثم قرأت له هذه الأيام وهو يكتب عن عودة ألم ظهره من جديد فشعرت أن الذاكرة تفتح أبوابها دفعة واحدة وأن الصداقة لا يوقظها سوى القلق الصادق على من نحب فكان هذا المقال تحية محبة ودعاء خفي بأن يبقى أشرف كما عرفته روحا مرحة  وقلبا أوسع من الألم وأقوى من كل وجع ..كتبت قبل وفاته

شـــارك الخبر علي منصات التواصل

صحيفة فــــسانيا

صحيفة أسبوعية شاملة - منبع الصحافة الحرة

شاركنا بتعليقك على الخبر :