تحقيق/ د. سلمى مسعود.
في السنوات الأخيرة، تكررت على صفحات التواصل الاجتماعي في مدن ومناطق الجنوب الليبي منشورات تحمل صور أطفال مفقودين أو تائهين، مصحوبة بنداءات استغاثة من الأهالي أو المواطنين الذين عثروا عليهم في الشوارع والأسواق والأماكن العامة.
وبين لحظة اختفاء الطفل ولحظة العثور عليه، تعيش الأسر ساعات من القلق والخوف والترقب، وسط مخاوف من المخاطر التي قد يتعرض لها الأطفال أثناء غيابهم عن ذويهم.
ورغم أن العديد من هذه الحالات تنتهي بالعثور على الأطفال وإعادتهم إلى أسرهم، إلا أن تكرارها في أكثر من مدينة ومنطقة جنوبية يطرح تساؤلات جدية حول أسباب الظاهرة، ومدى توفر آليات الحماية والوقاية، ودور الأسرة والمؤسسات التعليمية والأجهزة الأمنية في الحد منها.

وتبرز هذه التساؤلات في ظل غياب إحصائيات رسمية دقيقة توضح حجم الظاهرة، مقابل تزايد الاعتماد على مواقع التواصل الاجتماعي كوسيلة أساسية للإبلاغ والبحث عن الأطفال المفقودين.
كما تتزايد المخاوف من الآثار النفسية والاجتماعية التي قد تتركها هذه التجارب على الأطفال وأسرهم، فضلاً عما قد يواجهه الطفل الضائع من مخاطر مختلفة خلال فترة غيابه.
يسعى هذا التحقيق إلى تسليط الضوء على ظاهرة ضياع الأطفال في الجنوب الليبي، من خلال رصد الحالات المتداولة، والاستماع إلى شهادات الأهالي وآراء المختصين والحقوقيين والجهات المعنية، والبحث في الأسباب الكامنة وراء تكرار هذه الحوادث، ومدى الحاجة إلى إجراءات أكثر فاعلية لضمان حماية الأطفال وتعزيز سلامتهم.
من فاطمة إلى عشرات الأطفال الضائعين.. هل أصبح أطفال الجنوب في دائرة الخطر؟
ولا تزال قضية الطفلة فاطمة، التي هزت الرأي العام في الجنوب الليبي خلال نوفمبر 2024، حاضرة بقوة في أذهان الأهالي كلما انتشرت أخبار عن طفل مفقود أو تائه.
فاطمة، وهي طفلة تبلغ من العمر نحو تسع سنوات وتعاني من اضطراب طيف التوحد، اختفت بعد خروجها من أمام منزل أسرتها بمدينة أوباري، لتبدأ رحلة بحث واسعة شارك فيها الأهالي والجهات الأمنية ومئات المتابعين عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وبعد أكثر من أربع وعشرين ساعة من القلق والترقب، انتهت عملية البحث بالعثور عليها ضحية جريمة مروعة هزت مشاعر الليبيين.
وكشفت التحقيقات اللاحقة، بحسب ما أعلنته الجهات المختصة آنذاك، عن تفاصيل صادمة أعادت طرح أسئلة جوهرية حول حماية الأطفال، خاصة الفئات الأكثر هشاشة، ومدى قدرة المجتمع والمؤسسات على توفير بيئة آمنة لهم.
وأصبحت قضية فاطمة نقطة تحول في نظرة كثير من الأسر إلى حوادث اختفاء الأطفال، إذ لم يعد يُنظر هذه الحوادث باعتبارها مجرد حالات ضياع عابرة، بل كمؤشر على مخاطر حقيقية قد تهدد الأطفال وتستوجب التعامل معها بأقصى درجات الجدية والسرعة.
ومن هنا تكتسب ظاهرة ضياع الأطفال في الجنوب الليبي أهمية خاصة، ليس فقط بسبب تكرار الحالات، بل بسبب ما يمكن أن تخفيه بعض هذه الوقائع من أخطار تجعل من حماية الأطفال مسؤولية جماعية تقع على عاتق الأسرة والمجتمع والمؤسسات المعنية على حد سواء.

خالد… طفل خرج من منزله ومن يعد إليه بعد
إذا كانت قضية الطفلة فاطمة قد انتهت بجريمة هزت الرأي العام، فإن قصة الطفل خالد سيدي القاسم لا تزال مفتوحة على كل الاحتمالات، بعدما اختفى في ظروف غامضة دون أن يعثر له على أثر حتى لحظة إعداد هذا التحقيق.
في صباح الأحد 8 يونيو 2026، كان خالد، وهو طفل رباه خاله وزوجته
منذ سنوات بعد انتقال والديه إلى دولة الجزائر، يلعب فوق سطح المنزل
مع شقيقته التوأم في مدينة أوباري.
وبحسب رواية ذويه، خرجت زوجة خاله، التي تولت رعايته منذ طفولته،
لقضاء بعض الاحتياجات، بينما كان خالد وشقيقته على سطح المنزل.
وفي لحظة نزول شقيقته إلى داخل المنزل، خرج خالد إلى خارج البيت
ومنذ تلك اللحظة انقطعت أخباره تماماً.
وصرح أحد أقارب الأسرة إلى أن والدي خالد يقيمان في الجزائر، وأن خاله تكفل بتربيته منذ صغره، ليعيش داخل منزل خاله وزوجته باعتبارهما من يتوليان رعايته
اليومية.
وبحسب المعلومات التي حصلت عليها «فسانيا»، شوهد خالد للمرة الأخيرة في محيط المنزل، كما عُثر على آثار أقدامه، وتتبعها الأهالي حتى الجهة الجنوبية من المنطقة ، قبل أن تنقطع بشكل مفاجئ، دون العثور على أي دليل آخر يكشف
وجهته أو مصيره.
ومنذ اختفائه، أطلقت الأجهزة الأمنية في أوباري عمليات بحث واسعة، شارك فيها رجال الأمن، والمتطوعون، وسكان المدينة، وحتى النساء، فيما شُكلت مجموعات خاصة لتنسيق عمليات البحث، وامتدت أعمال التمشيط إلى الأحياء
والمزارع والوديان والمناطق الصحراوية المحيطة، لكن دون جدوى.
ورغم مرور الأيام، لم تسفر عمليات البحث عن أي معلومة تقود إلى الطفل، لتبقى قضيته واحدة من أكثر القضايا غموضاً في الجنوب الليبي.

ويصف كثير من سكان المدينة المشهد بقولهم إن خالد “كأن الأرض
ابتلعته”، في إشارة إلى اختفائه الكامل دون أن يترك خلفه أثراً.
اختطاف طفلة في سبها يكشف المخاطر التي تهدد الأطفال خارج منازلهم.
وفي واحدة من القضايا التي تعكس المخاطر التي قد يتعرض لها
الأطفال، أعلنت مديرية أمن سبها عن تمكنها من إنقاذ طفلة تبلغ من
العمر 12 عاماً بعد تعرضها للاختطاف.
ووفقاً لبيان المديرية، ورد بلاغ إلى مركز شرطة حي عبدالكافي صباحاً
يفيد باختفاء الطفلة، لتباشر على الفور وحدات التحري والبحث التابعة للمديرية عمليات البحث وجمع المعلومات.
وأسفرت التحريات الميدانية عن تحديد مكان وجود الطفلة والعثور عليها بعد ساعات من اختفائها.
وأشار البيان إلى أن الطفلة كانت في حالة صدمة شديدة وخوف وارتعاش، كما ظهرت عليها آثار اعتداء جسدي، الأمر الذي استدعى نقلها إلى الجهات المختصة لتأمينها وتقديم الدعم اللازم لها.
وبحسب مديرية الأمن، ساعدت إفادات الطفلة في تحديد هوية المشتبه به، حيث تمكنت وحدة التحري من إعداد كمين محكم أسفر عن القبض عليه. وبعد مواجهته بالأدلة والشهادات، اعترف بارتكاب جريمة اختطاف الطفلة تحت
الإكراه، قبل أن تتم إحالته إلى النيابة العامة لاستكمال الإجراءات القانونية بحقه.
وتبرز هذه القضية جانباً آخر من المخاطر المرتبطة باختفاء الأطفال، إذ لا تنتهي جميع الحالات بالعثور على الطفل سالماً، بل قد يتعرض بعضهم لاعتداءات وانتهاكات تترك آثاراً نفسية وجسدية عميقة، ما يعزز المطالب بضرورة تطوير آليات الحماية والتوعية والوقاية لحماية الأطفال في الجنوب الليبي.

التسرب المدرسي… بوابة لاستدراج الأطفال واستغلالهم
لا ترتبط مخاطر الأطفال في الجنوب الليبي بالضياع فقط، بل تمتد إلى ظاهرة أخرى لا تقل خطورة، وهي تسرب الأطفال من المدارس، وما قد يترتب عليها من استغلالهم في أنشطة إجرامية.
وفي هذا السياق، كشف مدير إحدى المدارس الابتدائية الواقعة وسط مدينة سبها، في حديثه لـ«فسانيا»، عن واقعة وصفها بالمقلقة، بعدما لاحظ تكرار تسرب عدد من التلاميذ من المدرسة خلال اليوم الدراسي.
وقال إن شكوكه بدأت عندما شاهد أحد التلاميذ السابقين، الذي انقطع عن الدراسة منذ فترة وأصبح يعيش حالة تشرد، يعود إلى محيط المدرسة بمظهر مختلف، مرتدياً ملابس جديدة، ويحرص على التواصل مع بعض التلاميذ داخل المدرسة.
وأضاف أن إدارة المدرسة لاحظت أيضاً أن بعض الأطفال الذين يتغيبون أو يهربون من المدرسة يعودون وهم بحوزتهم مبالغ مالية، وهو ما أثار الريبة ودفع الإدارة إلى استدعائهم والاستفسار عن مصدر تلك الأموال.
وبحسب مدير المدرسة، اعترف عدد من الأطفال، بعد محاورتهم، بأن الشخص المذكور كان يستدرجهم إلى منزل في أحد أحياء مدينة سبها، حيث يجمع عدداً من الأطفال ويستغلهم في أعمال التسول والسرقة، وغيرها من الأنشطة غير المشروعة، مقابل منحهم مبالغ مالية.
وأوضح أن إدارة المدرسة سارعت إلى إبلاغ الأجهزة الأمنية والتواصل مع أولياء الأمور، الأمر الذي أسهم في كشف الشبكة واتخاذ الإجراءات اللازمة بحق المتورطين.
وتكشف هذه الواقعة عن جانب آخر من المخاطر التي قد يتعرض لها الأطفال، إذ قد يتحول التسرب المدرسي إلى مدخل تستغله شبكات إجرامية لاستدراج الأطفال واستغلال هشاشتهم، وهو ما يبرز أهمية تعزيز المتابعة داخل المدارس، وتكثيف التعاون بين المؤسسات التعليمية والأجهزة الأمنية والأسر لرصد أي مؤشرات مبكرة قد تعرض الأطفال للخطر.
من الضياع إلى الغموض.. قصص لا تُروى بعد عودة الأطفال
وبحسب مراجعة عدد من المنشورات المتداولة على صفحات التواصل الاجتماعي خلال الفترة الماضية، يتضح أن حالات اختفاء الأطفال أو العثور على أطفال تائهين ليست حوادث نادرة في مدن الجنوب الليبي، بل تتكرر بصورة لافتة في

أكثر من منطقة.
وتشير الحالات التي تم رصدها إلى العثور على أطفال في الشوارع العامة، وأمام الصيدليات، وبالقرب من المدارس، وعلى الطرق الرئيسية، وفي مناطق بعيدة عن أماكن سكنهم، فيما انتهت بعض الحالات بالعثور على الأطفال بعد ساعات أو
أيام من البحث، بينما بقيت تفاصيل ما حدث لهم خلال فترة اختفائهم مجهولة في معظم الأحيان.
ورغم تكرار هذه الوقائع، يلاحظ غياب المعلومات المتعلقة بملابسات الاختفاء، إذ غالباً ما ينتهي الأمر بإعلان العثور على الطفل دون الكشف عن كيفية اختفائه، أو المكان الذي قضى فيه فترة غيابه، أو الظروف التي أحاطت بعودته إلى أسرته. كما أن أغلب العائلات تفضل عدم الحديث للإعلام أو للرأي العام بعد انتهاء الأزمة، وهو ما يحد من إمكانية فهم الأسباب الحقيقية وراء هذه الحالات.
وفي المقابل، لا تحظى بعض الوقائع باهتمام واسع إلا عندما تنتهي بصورة مأساوية، كما حدث في عدد من القضايا التي أثارت الرأي العام، حيث لم تُكشف الكثير من التفاصيل إلا بعد وقوع جريمة أو العثور على الطفل ضحية اعتداء أو قتل.

هذا النمط من الصمت المجتمعي والتكتم الأسري يجعل من الصعب الوصول إلى صورة واضحة حول حجم الظاهرة وأسبابها الحقيقية، ويطرح تساؤلات حول مدى وجود حالات أخرى بقيت تفاصيلها مجهولة ولم تصل إلى الجهات المختصة أو وسائل الإعلام.
ويؤكد متابعون أن فهم ظاهرة اختفاء الأطفال لا يقتصر على إحصاء الحالات فقط، بل يتطلب معرفة ما يحدث خلال فترة الغياب، والأماكن التي يُعثر فيها على
الأطفال، والظروف التي أحاطت باختفائهم، وهي معلومات لا تزال غائبة في معظم الحالات التي يتم تداولها داخل مدن الجنوب الليبي.
كثير من الجرائم ترتكتب تحت غطاء الشرعية.
بلاغات على الإنترنت… وغياب في السجلات الرسمية.
اعتمدت صحيفة فسانيا في هذا التحقيق على رصد وتحليل المنشورات المتداولة عبر صفحات الأخبار المحلية ومجموعات التواصل الاجتماعي خلال الفترة الممتدة من يناير 2024 حتى يونيو 2026، والتي تضمنت بلاغات عن أطفال

مفقودين أو تائهين في مدن الجنوب الليبي، إلى جانب مراجعة البيانات
الصادرة عن بعض الجهات الأمنية، وإجراء مقابلات مع مختصين في
الجوانب الأمنية والحقوقية والنفسية والإرشاد الأسري.
وأظهر الرصد تكرار عشرات البلاغات المتعلقة باختفاء الأطفال أو العثور
عليهم في مدن الجنوب الليبي، حيث انتهت معظم الحالات بالعثور على الأطفال بعد ساعات أو أيام، بينما بقيت بعض القضايا، مثل قضية الطفل خالد سيدي القاسم، دون معرفة مصيرها حتى تاريخ إعداد هذا التحقيق.
كما كشف التحقيق أن كثيراً من الأسر تلجأ، فور اختفاء الطفل، إلى نشر صوره وبياناته عبر مواقع التواصل الاجتماعي طلباً لمساعدة المواطنين، قبل التوجه إلى الجهات الأمنية أو دون استكمال إجراءات الإبلاغ الرسمية، الأمر الذي يحد من وجود قاعدة بيانات دقيقة تعكس الحجم الحقيقي للظاهرة.
وتعزز هذه النتيجة ما أكدته رئيسة قسم حماية الطفل والأسرة بمديرية أمن سبها، التي أوضحت أن القسم لم يتلقَّ أي بلاغات رسمية عن أطفال مفقودين خلال العامين الماضيين، رغم استمرار تداول بلاغات فقدان الأطفال على صفحات التواصل الاجتماعي.
وهو ما يشير إلى وجود فجوة واضحة بين الواقع المتداول مجتمعياً وما يُوثق في السجلات الرسمية.
كما حاولت صحيفة فسانيا الحصول على بيانات أو إحصاءات رسمية
توضح عدد حالات اختفاء الأطفال في مدن الجنوب الليبي خلال الفترة
من 2024 إلى 2026، إلا أنه لم يتسنَّ الحصول على قاعدة بيانات أو
إحصاءات منشورة يمكن الاستناد عليها، وهو ما يعكس غياب منظومة
موحدة لتوثيق حالات الأطفال المفقودين، ويجعل من الصعب قياس حجم الظاهرة بدقة.
طارق لملوم: الأرقام الرسمية لا تعكس الحجم الحقيقي للظاهرة.

يرى الباحث الحقوقي ومدير مركز بنغازي لدراسات الهجرة واللجوء، طارق لملوم، أن حالات ضياع الأطفال في الجنوب الليبي لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد حوادث فردية متفرقة، مشيراً إلى أن تكرار هذه الوقائع يستوجب التعامل معها كظاهرة اجتماعية تتطلب تدخلاً مؤسسياً منظماً.
وقال لملوم، في تصريح لـفسانيا، إن معظم الحالات تنتهي بالعثور على الأطفال خلال ساعات أو أيام، إلا أن تكرارها بصورة لافتة في عدد من المدن والمناطق الجنوبية يفرض ضرورة دراسة أسبابها ووضع آليات فعالة للحد منها.
وأوضح أن الجلسات واللقاءات التي نظمها المركز حول قضايا حماية الأطفال أظهرت أن ضعف الرقابة الأسرية وخروج الأطفال دون مرافقة وعدم إدراكهم للمخاطر من أبرز العوامل المرتبطة بحالات الضياع، إضافة إلى غياب آليات
التبليغ السريع والتنسيق بين الجهات المعنية في بعض الحالات.
وأضاف أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت اليوم الوسيلة الأولى التي يلجأ إليها الأهالي عند فقدان أطفالهم، الأمر الذي يعكس من جهة سرعة انتشار المعلومات، لكنه يطرح من جهة أخرى تساؤلات حول فعالية قنوات التبليغ الرسمية ومدى ثقة المواطنين بها.
وفيما يتعلق بالإطار القانوني، أكد لملوم أن التشريعات الليبية تتضمن
نصوصاً خاصة بحماية الطفل، إلا أن التحدي الأساسي يكمن في التطبيق
العملي وتطوير آليات التدخل والاستجابة السريعة عند تلقي بلاغات اختفاء الأطفال.
ودعا إلى إنشاء آلية محلية ووطنية للاستجابة السريعة لبلاغات الأطفال
المفقودين، وتفعيل التعاون بين الأجهزة الأمنية والمؤسسات التعليمية والمجالس المحلية ومنظمات المجتمع المدني، إلى جانب إطلاق حملات توعية تستهدف الأسر
والأطفال للتعريف بمخاطر الضياع وكيفية التصرف في حالات الطوارئ.
وحول الفجوة بين ما يتم تداوله عبر مواقع التواصل الاجتماعي وما يظهر
في السجلات الرسمية، أوضح لملوم أن العديد من الأسر لا تقوم بتسجيل
بلاغات رسمية، وتكتفي بالنشر عبر الإنترنت، كما أن بعض الحالات يتم
حلها بسرعة قبل استكمال الإجراءات القانونية، الأمر الذي يجعل الأرقام الرسمية غير معبرة بشكل كامل عن الحجم الحقيقي للظاهرة.
وختم بالقول إن معالجة هذه القضية يتطلب إنشاء نظام موحد لتوثيق ومتابعة حالات الأطفال المفقودين، بما يضمن الحصول على بيانات دقيقة تساعد على فهم الظاهرة ووضع الحلول المناسبة للحد منها.
رجعة القذافي: المشاكل الأسرية وضعف آليات التبليغ من أبرز أسباب ضياع الأطفال.
أرجعت رجعة القذافي، رئيسة قسم حماية الطفل والأسرة بمديرية أمن سبها، جانباً من حالات ضياع الأطفال إلى المشاكل الأسرية التي تؤثر على الاستقرار النفسي للأطفال داخل منازلهم.
وقالت القذافي إن الخلافات الأسرية وحالات الطلاق بين الأب والأم قد تترك آثاراً نفسية على الطفل، تدفعه أحياناً إلى مغادرة المنزل دون إدراك للمخاطر التي قد يتعرض لها، ما يؤدي إلى ضياعه أو فقدان أثره.
وأوضحت أن الجهات الأمنية تتعامل مع بلاغات الأطفال المفقودين بجدية كبيرة، حيث تعمل فرق البحث والتحريات بدقة ومهنية من أجل تحديد مكان الطفل والعثور عليه في أسرع وقت ممكن، إضافة إلى ملاحقة المتورطين في أي جرائم قد تكون مرتبطة باختفاء الأطفال واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم.

وأضافت أن الأطفال خلال فترة ضياعهم قد يكونون عرضة لمخاطر متعددة، من بينها التشرد والتعرض للعنف بمختلف أشكاله.
مشيرة إلى أن قسم حماية الطفل والأسرة لم يرصد حالات موثقة من هذا النوع
ضمن الملفات التي تابعها بشكل مباشر.
وأكدت القذافي أن الحد من الظاهرة يتطلب تكثيف الحملات التوعوية المشتركة بين أقسام حماية الطفل والأسرة والمؤسسات التعليمية، بهدف رفع مستوى الوعي لدى الأسر والأطفال وتعزيز إجراءات الوقاية والحماية.
وفيما يتعلق بالفجوة بين الحالات المتداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي وما يصل إلى الجهات المختصة، أوضحت أن أحد أبرز التحديات يتمثل في القصور في
آليات الإحالة والتبليغ، لافتة إلى أن القسم لم يُفعّل بالشكل المطلوب داخل المديرية حتى الآن، الأمر الذي ينعكس على حجم البلاغات الواردة إليه.
وأضافت أن غياب خط ساخن فعال ومباشر يربط بين المراكز الأمنية والجهات المختصة بحماية الطفل يسهم في ضعف التبليغ وعدم وصول بعض الحالات إلى القنوات الرسمية، مؤكدة أن تطوير منظومة الإبلاغ والاستجابة يعد من الخطوات
الضرورية لتعزيز حماية الأطفال والتعامل السريع مع حالات الاختفاء والضياع.

فرج بن عيشة: الأسرة هي خط الدفاع الأول في حماية الأطفال من الضياع.
يرى المختص في الإرشاد الأسري فرج بن عيشة أن التمييز ضروري بين
خروج الطفل بشكل طبيعي من المنزل وضياعه، موضحاً أن الضياع يحدث عندما يفقد الطفل القدرة على العودة إلى منزله أو يجد نفسه
في مكان لا يعرفه، وقد يرتبط ذلك بصغر السن أو بظروف صحية مثل اضطراب طيف التوحد أو بعض الاضطرابات الذهنية، فضلاً عن عوامل بيئية أخرى.
ويؤكد بن عيشة أن المسؤولية الأولى تقع على الأسرة، من خلال توجيه
الأطفال، وتحديد الأماكن والأوقات المسموح لهم باللعب فيها، ومرافقة
الأطفال الصغار الذين لا يمتلكون القدرة الكافية على إدراك المخاطر.
ويضيف أن الأطفال، خاصة في المراحل العمرية المبكرة وحتى سن
العاشرة، يحتاجون إلى متابعة مستمرة، وإلى التوجيه بالحزم
والهدوء دون تخويف.
ويشير إلى أن الخلافات الأسرية والطلاق والعنف داخل المنزل تترك
آثاراً نفسية عميقة على الطفل، إذ تضعف شعوره بالأمان والانتماء
للأسرة، وقد تدفعه إلى قضاء وقت أطول خارج المنزل أو الهروب من
الأجواء المتوترة.
ومع استمرار هذه الأوضاع، قد تظهر على الطفل مشكلات سلوكية مثل العدوانية، وضعف التحصيل الدراسي، والتغيب عن المنزل لفترات طويلة، والبحث عن الانتماء خارج الأسرة.
ويلفت بن عيشة إلى أن انشغال بعض الآباء والأمهات بوسائل التواصل الاجتماعي أسهم في إضعاف التواصل داخل الأسرة.
موضحاً أن وجود الوالدين في المنزل لا يكفي إذا غاب الحوار والاهتمام والمتابعة
اليومية.
ويقول إن الطفل يحتاج إلى الشعور بالحب والاحتواء والاهتمام، وإلى أن يسمع كلمات التقدير ويشعر بأن وجوده مهم داخل الأسرة، لأن ذلك يعزز ثقته بنفسه ويقوي انتماءه لبيئته الأسرية.
ويؤكد أن الوقاية تبدأ من بناء علاقة صحية بين الأسرة والطفل، وتعليمه
قواعد السلامة، مثل عدم مرافقة الغرباء، وعدم قبول الهدايا أو الذهاب مع أشخاص لا يعرفهم، وإبلاغ والديه فور تعرضه لأي موقف يثير الخوف أو الشك، مع ضرورة أن يشعر الطفل بأن أسرته ستكون مصدر حماية ودعم، لا مصدر عقاب أو لوم.
واختتم بن عيشة بالتأكيد على أن حماية الأطفال مسؤولية مشتركة تبدأ من الأسرة، ثم المدرسة، فالمجتمع، مشدداً على أن الاستثمار في التوعية الأسرية وتعزيز التواصل داخل المنزل يمثلان أهم وسائل الحد من ظاهرة ضياع الأطفال
وحمايتهم من مختلف المخاطر.
الأخصائية النفسية سالمة ياقا:
تجربة الضياع قد تترك آثاراً نفسية طويلة الأمد على الطفل.
تؤكد الأخصائية النفسية سالمة ياقا أن تعرض الطفل للضياع أو الاختفاء، حتى وإن كان لساعات قليلة، قد يترك آثاراً نفسية وسلوكية تختلف من طفل إلى آخر بحسب عمره وطبيعة التجربة التي مر بها.
وتوضح ياقا أن الطفل قد يعاني بعد هذه التجربة من مشاعر الخوف الشديد والقلق وفقدان الإحساس بالأمان، وقد تظهر عليه تغيرات سلوكية مثل البكاء المتكرر،
والعدوانية، والكذب، والسرقة، إلى جانب التوتر واضطرابات النوم والتعلق المفرط بأفراد أسرته بعد عودته.
وتشير إلى أن التأثير النفسي يكون أشد لدى الأطفال الأصغر سناً، بينما
يواجه الأطفال المصابون باضطراب طيف التوحد أو ذوو الاحتياجات الخاصة صعوبة أكبر في فهم ما يحدث حولهم أو طلب المساعدة، ما يجعلهم أكثر عرضة للآثار النفسية والمخاطر أثناء فترة الضياع.
وتضيف أن من أبرز المؤشرات التي قد تظهر على الطفل بعد عودته الخوف من الابتعاد عن أسرته، والقلق، والكوابيس، والانطواء، والتهيج العصبي، والتراجع في الأداء الدراسي، إضافة إلى شعوره بعدم الطمأنينة كلما استعاد تفاصيل التجربة.
وتنصح الأخصائية الأسر باحتواء الطفل فور العثور عليه، وطمأنته، والاستماع إليه بهدوء دون ممارسة أي ضغط أو لوم، مع تجنب تكرار الحديث عن الواقعة بطريقة تزيد من توتره، ومراقبة حالته النفسية، والاستعانة بمختص إذا استمرت
الأعراض أو تفاقمت.
وتلفت ياقا إلى أن الآثار النفسية لا تقتصر على الطفل وحده، إذ تعيش الأسرة، وخاصة الأم، حالة من الخوف والقلق والصدمة خلال فترة اختفاء طفلها، وقد تستمر هذه المشاعر حتى بعد عودته، خاصة إذا كانت تجربة الاختفاء طويلة أو
غامضة.
وفيما يتعلق بالوقاية، تشدد على أهمية توعية الأطفال بعدم الابتعاد عن ذويهم، وتعليمهم كيفية طلب المساعدة عند الحاجة، وتعزيز الرقابة في المدارس والأماكن
العامة، مؤكدة أن الحد من الظاهرة يتطلب تعاوناً بين الأسرة والمؤسسات التعليمية والأجهزة المختصة، إضافة إلى دور فاعل لمنظمات المجتمع المدني والمساجد في نشر الوعي وتعزيز ثقافة حماية الأطفال.

ماذا كشف التحقيق؟
كشف هذا التحقيق أن ظاهرة ضياع الأطفال في الجنوب الليبي ليست مجرد حوادث فردية، بل وقائع تتكرر في أكثر من مدينة ومنطقة، في ظل غياب قاعدة بيانات رسمية توثقها.
كما بين الرصد أن صفحات التواصل الاجتماعي تحولت إلى الوسيلة الأولى التي تلجأ إليها الأسر للإبلاغ عن فقدان أطفالها، في وقت لا تصل فيه كثير من هذه الحالات إلى الجهات المختصة.
وأظهرت شهادات المختصين أن مواجهة الظاهرة تتطلب أكثر من الاستجابة الأمنية، إذ تبدأ من الأسرة، مروراً بالمؤسسات التعليمية والمجتمع المدني، وصولاً إلى إنشاء منظومة وطنية موحدة لتوثيق حالات الأطفال المفقودين والاستجابة
السريعة لها.
خاتمة.
تكشف حالات الأطفال المفقودين في الجنوب الليبي عن واقع يتجاوز مجرد منشورات تُنشر على مواقع التواصل الاجتماعي ثم تُطوى صفحاتها بعد العثور على الطفل.
فخلف كل صورة لطفل مفقود، تعيش أسرة ساعات أو أياماً من الخوف والانتظار، بينما تبقى كثير من الأسئلة دون إجابة: كيف اختفى؟ أين كان خلال فترة غيابه؟ وما الآثار التي تركتها تلك التجربة على حياته وأسرته؟
ورغم الجهود التي تبذلها الأجهزة الأمنية والمتطوعون والمواطنون في البحث عن الأطفال، إلا أن غياب قاعدة بيانات رسمية، وضعف آليات التبليغ، وعدم توثيق معظم الحالات، يجعل من الصعب الوقوف على الحجم الحقيقي للظاهرة وأسبابها.
وتظهر آراء المختصين الذين استطلعت «فسانيا» آراءهم أن حماية الأطفال لا تقتصر على دور الأجهزة الأمنية، بل تبدأ من الأسرة، وتمر بالمدرسة، وتستدعي مشاركة مؤسسات المجتمع المدني ووسائل الإعلام والجهات المختصة في بناء
منظومة وقائية تقوم على التوعية والاستجابة السريعة والتنسيق الفعال.
وبين مأساة الطفلة فاطمة، والغموض الذي لا يزال يحيط بمصير الطفل خالد، والحالات الأخرى التي انتهت بالعثور على الأطفال بعد ساعات أو أيام من اختفائهم.
يبقى السؤال مفتوحاً: هل ستظل هذه الوقائع مجرد أخبار عابرة تتكرر بين
الحين والآخر؟ أم ستكون دافعاً لبناء منظومة حقيقية لحماية أطفال الجنوب الليبي قبل أن يتحول اختفاء طفل جديد إلى مأساة أخرى؟
ويبقى الأمل أن يتحول هذا التحقيق من مجرد توثيق لظاهرة مقلقة، إلى خطوة تدفع نحو بناء منظومة أكثر فاعلية لحماية أطفال الجنوب الليبي، حتى لا تتحول كل صورة لطفل مفقود تُنشر على مواقع التواصل الاجتماعي إلى مأساة جديدة كان
يمكن منعها.














