إطلالة من شرفة للجرح

إطلالة من شرفة للجرح

  • الأمجد بن أحمد ايلاهي

شابِكًا أصابعي خلف عُنقي، مادّا ساقيَّ على راحتهِما بقدر طولهما ، مُسنِدًا ظهري إلى انبساط الرّمل . أرفعُ بصري عموديّا لأراكِ نيزكًا، أو غيمة، أو فكرة في السّهوِ . كم لاءمت الصحراء روحي تمامًا !

أطِلُّ على كل شيء من شُرفة للجرحِ القديم . قُرصانٌ مزّقَ النّظامُ والمُنتظمون أشرعتي . وانقلبَ عَليَّ بَحّارَتي في الوهنِ. بتروا ساقي وفقأوا عينيَّ اليسرى . وها قد جرّني الموجُ إليكِ دونَ قصدٍ في الأذيّة . ولا أريدُ منكِ اليومَ سوى خشبًا مكانَ البترِ. وقطعة جلدٍ من ثورة المذبوحين، لأخفيَ القبحَ الذي ألحقوهُ بيُسرايَ وقٌبّعتي . يعلمُ الغيمُ المُكدّس في السماء كأكياس الطحين، مخاوفي. وقد أتعبُ جدا في بناء سفينتي وحدي . لا يركبها أزواج ولا فرادى وليست مهيأة لِحملِ غيري إليكِ. تشظّت الأفكار في رفرات الطّيرِ، فتذكَرتُ طفولتي، ونسيتُها مُتعمّدًا.

في الأرض البعيدة عنكِ ، تَتَكيّفُ الصّحراء وفقًا لأمزجتي . تُداعبني بحبّات رمل يذرُّها النسيم على راحَتيَّ . أو تفتحُ شباكَها المقابل لأوجاعي لتحضنَني . كنتُ هُناكَ وسط ملايين البشر بِغُربتينِ !. أنا الآن وحدي ولكن، استحضرُ من أحبُّ فقط. و أسجُنُ خلف المحيط ملايينَ البشر . وأشكرُ الآلة المربوطة إلى رأسي والتي تسمّى ” الذاكرة “.

النّاسُ فكرةٌ هُلامِيَّةٌ جوفاء. يَكْذبُونَ بقوّة مائة حصان ويُصَدّقُون، هكذا بلا حسيب ولا رادعٍ . ويقابلونَ أكاذيبهم بالحقيقة، ولا يخجلون . فوجوه الخشبِ، لا تَصدأ !. أنا لا أعرفُ أبدًا هؤلاء المتكلّمين كثيرا بلا فائدة . أحترمُ السكاكينَ في القدس أكثر، رغم كراهيتي للدماء لكنّها، تعملُ بلا ضوضاء ولا ثرثرة .. النّاس حصاة في كلية الثورة وفي مجرى العقول .. لا أعلمُ أيّ سوء أصاب خيالي وإلاّ، ما كنتُ ذكرتهم حتى !..

أعودُ بِبَصري إلى السّماء مُطيلاً النَّظرَ، علّي أرى ما يملأ هذا الفراغ . غُرابٌ يَشقُّ الأفق إلى يمين الصُّورة . وغيمة تدفعها الرّيح ناحية اليسار. كنتُ دائِما أسألُ لماذا يتجهُ الغيمُ في كل مرّة صوبَ اليسار ؟ .. حينها فقط ذكرتُكِ ، كنتُ ألوّنُ لوحةً للأطفال فيها رسومٌ مُتحرّكة . وكلّما ظهرت ملامح مَا، أسمعُ ضحكاتهم وتصفيقهم وقفزاتهم هنا وهناك. الأطفالُ طيّبونَ طالمَا يشاهدونَ الصُّور المُتحرّكة . أنا، لم أفعل ذلكَ مُطلقًا . روحي كانت أكبرَ من عُمري بكثير . يَحدُثُ أن يولدَ الإنسان بروحٍ أكبر من عمره بكثير!.

أعاوِدُ التّحديقَ عند نِقاط التّلاشي . أين تُقبِّلُ الأرضُ جبينَ الشّمسِ للمرّة الأولى .وأينَ تّحمَرُّ وجنة الشّفق الأخير. ليتشكّلَ غُروبٌ خرافيُّ المِزاجِ من شُرفة هذا الجرحِ القديمِ. أشحنُ بُندقيتي جيّدا بالأسئلة . أصوّبُ وأطلق في اتجاهات عِدّة، ولا أحظى بإجابة واحدة . سوى أنّ أسئلتي تُربكُ غرابًا ناحية اليمينِ. وتُبطئ الغيم من جهة اليسار. كنتُ أحبُّ أشياء كثيرة قبلَ أن يجرّني الموجُ إليكِ بساق واحدة وعينٍ مُفردة.

شـــارك الخبر علي منصات التواصل

صحيفة فــــسانيا

صحيفة أسبوعية شاملة - منبع الصحافة الحرة

شاركنا بتعليقك على الخبر :