مقال تحليلي بقلم د. سلمى مسعود عداس.
مدخل تحليلي: الإعلام بوصفه بنية معرفية للدولة من منظور علم الإعلام والاتصال لا يمكن قراءة المشهد الإعلامي بمعزل عن طبيعة البنية السياسية والاجتماعية التي ينتج داخلها. فالإعلام ليس مجرد وسيلة لنقل الخبر، بل هو نظام معرفي يسهم في تشكيل الوعي الجماعي وإعادة إنتاج السلطة الرمزية داخل المجتمع. ومن هذا المنطلق يصبح تحليل الإعلام الليبي في العقد الأخير مدخلاً لفهمى التحولات العميقة التي عرفتها الدولة الليبية منذ عام 2011.
لقد انتقل الإعلام الليبي خلال فترة وجيزة من نموذج إعلام الدولة الموجه إلى نموذج تعددي ظاهري،
لكنه سرعان ما تحول إلى حالة من الانقسام الحاد. وهذه المفارقة تطرح سؤالاً أساسياً في دراسات الإعلام السياسي: هل أدت التعددية الإعلامية في ليبيا إلى توسيع فضاء الحرية أم إلى تفكك المجال العمومي؟
الإعلام الليبي قبل الثورة: بنية التوجيه السياسي قبل عام 2011 كان الإعلام الليبي جزءاً من منظومة السلطة السياسية، حيث خضع لرقابة مؤسساتية صارمة جعلته أقرب إلى ما يعرف في الأدبيات الإعلامية بنموذج الإعلام التعبوي أو الإعلام الموجه.
لم يكن ممكناً نشر مادة إعلامية خارج الإطار السياسي الرسمي، وكانت الصحافة تعمل ضمن حدود مرسومة سلفاً تحدد طبيعة الخطاب الإعلامي ومضامينه.
من الناحية المؤسسية وفر هذا النموذج قدراً من الانضباط في الخطاب الإعلامي، لكنه في الوقت ذاته حرم المجال الإعلامي من أهم عناصره الحيوية، وهي الاستقلالية النقدية.
وهكذا ظل الإعلام الليبي لفترة طويلة أسير وظيفة واحدة هي نقل خطاب الدولة أكثر من تمثيل المجتمع.
مرحلة ما بعد الثورة: تعددية بلا إطار مؤسسي.
مع سقوط النظام انهارت البنية الرقابية القديمة، وظهر عدد كبير من القنوات والصحف والمنصات الإعلامية في وقت قصير. في الظاهر بدا المشهد وكأنه انتقال إلى التعددية الإعلامية، غير أن غياب المؤسسات المنظمة للعمل الإعلامي وارتباط بعض الوسائل الإعلامية بمراكز قوة سياسية أو عسكرية أدى إلى نشوء حالة يمكن وصفها علمياً بالتعددية الفوضوية.
في هذه المرحلة لم يعد الإعلام مجرد وسيط بين المجتمع والسلطة، بل أصبح أحياناً فاعلاً مباشراً في الصراع السياسي. وتحولت بعض المنابر الإعلامية إلى أدوات لإنتاج السرديات المتنافسة بدلاً من البحث عن الحقيقة المشتركة.
مقارنة بالإعلام الدولي: الفارق المؤسسي لا التقني.
عند مقارنة الإعلام الليبي بالإعلام الدولي لا ينبغي الاكتفاء بالمقارنة التقنية أو الاقتصادية. فجوهر الفارق يكمن في البنية المؤسسية والمعايير المهنية.
الإعلام الدولي يعمل ضمن منظومة واضحة من القواعد المهنية مثل التحقق من المعلومات، والفصل بين الخبر والرأي، واحترام أخلاقيات المهنة. كما أن المؤسسات الإعلامية الكبرى تخضع لآليات مساءلة قانونية ومهنية تضمن الحد الأدنى من المصداقية.
في المقابل يفتقر المجال الإعلامي الليبي إلى مؤسسة تنظيمية قوية تضع قواعد واضحة للممارسة الإعلامية. ونتيجة لذلك أصبح الخطاب الإعلامي في بعض الحالات أقرب إلى الخطاب السياسي المباشر منه إلى العمل الصحفي المهني.
حتى مقارنة بالإعلام الأقل تطوراًالمفارقة أن بعض البيئات الإعلامية التي توصف بأنها أقل تطوراً من الناحية التقنية لا تزال تحافظ على حد أدنى من المعايير المهنية.
فحتى في تلك السياقات توجد قواعد ضمنية تحكم نقل الخبر وتفرض قدراً من المسؤولية المهنية.
أما في بعض النماذج الإعلامية الليبية الراهنة فقد أصبح المجال الإعلامي مفتوحاً أمام خطاب
يتجاوز الحدود المهنية، حيث يختلط الخبر بالرأي، والتحليل بالدعاية، والوقائع بالاتهامات.
الإعلامي الحقيقي: بين الجرأة والمسؤولية المعرفية.
من منظور علم الإعلام لا يمكن تعريف الإعلامي الحقيقي بمجرد ظهوره في وسائل الإعلام. فالمعيار الحقيقي يكمن في امتلاكه الشجاعة المهنية المقترنة بالمسؤولية المعرفية.
الجرأة في الإعلام لا تعني الإثارة أو الخطاب الانفعالي، بل تعني القدرة على قول الحقيقة استناداً إلى المعرفة والتحقق. الإعلامي الحقيقي هو الذي يطرح الأسئلة الصعبة ويبحث عن الوقائع خلف الضجيج السياسي.
إن الجرأة المهنية في العمل الإعلامي ليست مجرد موقف شخصي، بل هي شرط أساسي للحفاظ على وظيفة الإعلام بوصفه أداة للرقابة المجتمعية.
بين الإعلام المهني والإعلام الدعائي
في مقابل الإعلام المهني ظهر نمط من الخطاب الإعلامي يمكن وصفه بالإعلام الدعائي أو ما يسميه بعض الباحثين الإعلام التعبوي غير المهني.في هذا النموذج يتحول الصحفي إلى مروج لخطاب سياسي أو أيديولوجي، وتصبح وظيفة الإعلام تعبئة الجمهور بدلاً من تنويره.
الإعلام المهني يسعى إلى بناء معرفة عامة قائمة على الوقائع، أما الإعلام الدعائي فيسعى إلى إنتاج انفعالات جماعية تخدم مصالح محددة. ولهذا فإن الفرق بينهما ليس مجرد فرق في
الأسلوب، بل فرق في الوظيفة الاجتماعية للإعلام.
أثر الفوضى الإعلامية في المجتمع.
الفوضى الإعلامية لا تبقى داخل المؤسسات الإعلامية فقط، بل تنتقل إلى المجتمع نفسه. فعندما تتعدد الروايات الإعلامية المتناقضة دون وجود مرجعية مهنية يصبح الجمهور
أسير مصادر إعلامية تعزز قناعاته المسبقة.
وهنا يفقد الإعلام دوره التقليدي كمساحة للحوار الوطني، ويتحول إلى ساحة للصراع الرمزي الذي يعمق الانقسام الاجتماعي والسياسي.
ليبيا بعد عقد إذا استمرت الفوضى الإعلامية.
إذا استمرت الفوضى الإعلامية في ليبيا دون إصلاح مؤسسي حقيقي، فإن العقد القادم قد يشهد تشكل جيل كامل نشأ في بيئة إعلامية منقسمة.وسيتشكل الوعي السياسي لهذا الجيل عبر روايات معارضة للواقع، الأمر الذي قد يجعل بناء مشروع وطني جامع أكثر صعوبة.
فالدول الحديثة لا تقوم فقط على المؤسسات السياسية، بل تقوم أيضاً على مجال إعلامي مسؤول يساهم في بناء الوعي الجماعي.
خاتمة: الحاجة إلى إعادة تأسيس المجال الإعلامي.
إن إعادة بناء الدولة الليبية تقتضي بالضرورة إعادة بناء المجال الإعلامي على أسس مهنية واضحة.














