التحرش داخل العائلة جريمة يدفن صوت ضحيتها

التحرش داخل العائلة جريمة يدفن صوت ضحيتها

قصة فتاة تعرضت للتحرش من أحد أقاربها وكيف تحول الخوف من الفضيحة إلى سجن نفسي طويل الأمد.

هذه القصة رغم خصوصيتها ليست حالة فردية بل واحدة من بين آلاف القصص التي لم تروَ بعد وما زالت تدفن خلف جدران الصمت والخوف.

 القصة تسلط الضوء على تجربة ريم، فتاة ليبية قاصر تبلغ من العمر 15 عامًا، تعرضت للتحرش من قريب لها من الدرجة الأولى، وكيف أدى الصمت ورفض الأسرة للاعتراف بالجريمة إلى حصار نفسي طويل.

  • كتبتها /بيّه  خويطر

في كل مرة يقال فيها إن العائلة هي الحصن، تسقط هذه القصة ذلك الادعاء ففي بيوت كثيرة لا يأتي الخطر من الشارع بل من الداخل من شخص يحمل صفة القرب ويمارس الأذى تحت غطاء الثقة بينما يطلب من الضحية الصمت حفاظا على سمعة العائلة. هذه قصة فتاة ليبية تعرضت للتحرش الجنسي من قريب لها من الدرجة الأولى ولم تواجه الجريمة بالإنكار فقط بل بحصار طويل من التكذيب والعنف والمنع والتشويه إلى أن تحول الصمت إلى سجن والكلام إلى تهمة.

حين لا يكون البيت ملاذا.

قالت ريم بصوت متردد كنت أحس بالخوف في كل زاوية من بيتي كنت أعلم أن الخطر ليس خارجه، بل بداخله، وأضافت أن المهاجم كان شخصًا يفترض أن يكون مأمونًا، لكنه استغل صفة القرب للقيام بأفعال مؤذية، ومطالبة بالصمت باسم حماية سمعة العائلة.

تحرش متكرر خلف الأبواب المغلقة.

وفقًا لرواية ريم لم يكن التحرش حدثًا عرضيا، قالت في البداية حاولت أن أقنع نفسي أنه سيقف، ثم حاولت تجاهله  لكن كل مرة تتكرر فيها الأفعال كان الصمت يصبح ثقلا أكبر على نفسي.  وأوضحت أنه كل مرة كانت تتوقع أن يتوقف لكن مع تكرار الفعل لم يعد أمامها خيار سوى المواجهة بالكلام.

إبلاغ قوبل بالإنكار.

عندما أخبرت ريم والدتها بما حدث قالت إنها واجهت صدمة مختلفة، لم تصدقني وحاولت إقناعي أنني أتخيل وأن حديثي سيجلب مشاكل كبيرة للعائلة. وأضافت حاولت مرة ثانية ثم ثالثة  وفي كل مرة كان الصمت يُفرض عليّ باسم الستر ولم الشمل. وأضافت أن الإنكار أصبح سياسة مفروضة لا مجرد موقف.

التبليغ صار جريمة.

ذكرت ريم أن محاولتها للإبلاغ عن التحرش واجهت مقاومة عنيفة منعت من الخروج وتعرضت للضرب المبرح والتهديد وكان الهدف واضحا لإبقاء الجريمة داخل الجدران،  وأوضحت أن الأسرة لم تكتفِ بكتم الحقيقة بل حولت المحاولة نفسها إلى جريمة في نظرها.

من ضحية إلى متهمة.

قالت ريم بدل أن يُسأل الجاني لماذا فعل وُجّهت إليّ اتهامات بملابسي وطريقتي في التعامل  شعرت أن الجريمة تحولت إليّ أنا ،  وأشارت إلى أن الشعور بالذنب والفشل أصبح يرافقها يوميًا، بدل مواجهة الفاعل الحقيقي.

حقيقة حاولوا دفنها.

تابعت ريم حديثها عن صديقتها التي تعرضت لنفس التحرش من نفس الشخص وقالت إن صديقتها قررت أن تخبر عائلته وطلبت دعمها لكن المفاجأة كانت صادمة فقد تم اتهام صديقتها بأنها تحاول اللعب على عقل ريم وإثارة المشاكل، ووُصفت بأبشع الصفات واعتُبرت منفتحة بطريقة غير لائقة وطُلب من ريم قطع علاقتها بها فورا.

 وأشارت ريم أن الرسالة كانت واضحة في تهديدها بأن كل من يتحدث عن الموضوع سيشوه سمعته.

الهروب المستحيل.

تقول ربم حاولت أكثر من مرة أن أغادر المنزل لكن كانوا يعيدونني بالقوة وكل مرة يصبح العقاب أشد ضرب وحبس ومراقبة مشددة، ثم منع من الدراسة، وكسر آخر شعور بالحياة.  وأوضحت أن كل محاولة للهروب كانت تزيد شعورها بالعجز والاختناق.

محاولة أخيرة لكسر الصمت.

في لحظة يأس، كتبت ريم قصتها على مواقع التواصل دون ذكر اسمها، وقالت كنت أبحث عمن يصدقني أو حتى يتعاطف معي لكن الردود كانت صادمة  حيث تم اتهامها  بمحاولة هدم قيم الأسرة الليبية ، وقال آخرون إنني سبب كل شيء باعتبار أن الفتاة إذا لم تحمِ نفسها مباح كل تصرف يهدم نفسيتها ، وعندما علمت الأسرة بما كتبته صودر هاتفها  وكُسر ، مؤكدة كسر الجهاز  بمثابة كسر صوتي.

أم تعرف وتسكت.

أكدت ريم والدتي كانت تعرف كل شيء، لكنها اختارت التبرير بدل المواجهة، واعتبرت الجاني غير سوي وبسبب تعاطيه للمخدرات  لا يلام.

 وأوضحت أن الخوف من الوصم الاجتماعي كان أقوى من حماية ابنتها.

الزواج كطريق للنجاة.

قالت ريم تحت هذا الضغط المستمر، لم أجد أمامي سوى الموافقة على الزواج من أول شخص يتقدم، ليس رغبةً مني بل هروبا من البيت الذي أصبح سجنا وجحيما ،  وأوضحت أن الزواج لم يكن حلما ، بل وسيلة للهروب من واقع لم يعد يطاق.

خوف دائم وغضب مكبوت

أكدت ريم رغم  مرور السنوات،  ما زلت أجد نفسي أعود إلى تلك الزوايا التي كنت ألجأ إليها كلما شعرت بالخطر  كأن الخوف أصبح جزءًا مني، والبيت لم يعد مكانًا آمنا أشغر بخوف دائم وغضب مكبوت. وأضافت كل زاوية تذكرني بما حدث، وكل صمت مفروض يزيد ثقلًا على قلبي.  حتى الآن أشعر أن الصدمة لم تغادرني،  رغم ذلك أحاول تحويل الألم إلى وعي وأشارك في ندوات حول التحرش داخل الأسرة.

 وأضافت أحكي، لكم اليوم  لكني لم أتعافَ ولن أنسى ولن أسامح ولن أغفر.

الرأي القانوني.

أكد المستشار القانوني عقيلة

 المحجوب أن التحرش الجنسي جريمة يعاقب عليها القانون

 الليبي حتى داخل الأسرة، وأن منع الضحية من التبليغ أو ممارسة العنف عليها أو التستر على الجاني يُعد مشاركة غير

 مباشرة في الجريمة. وأضاف المحجوب: “القانون لا يعترف بمبررات الستر أو الخوف من الفضيحة. الجرائم الجنسية لا

 تسقط بالسكوت أو التبرير، وأي إجبار للفتاة على الزواج تحت الضغط أو العنف يُعد انتهاكًا صارخًا لحقها في الاختيار”.

وأوضح المحجوب أن قانون

 العقوبات الليبي، وفق المادة

 407، ينص على معاقبة كل من يرتكب جريمة بالقوة أو التهديد بالسجن حتى عشر سنوات،

 وتطبق العقوبة نفسها على القاصر. وإذا كان المتحرش من أقارب الدرجة الأولى، تضاعف العقوبة لتتراوح بين خمس

 وخمس عشرة سنة، لما يمثله الفعل من خيانة للثقة واستغلال مباشر للسلطة الأسرية. وشدد على أن التبليغ حق أصيل

 للضحية، وحمايتها واجب قانوني، وليس خيارًا اجتماعيًا.                                التحرش يأتي من المقربين 90%

أكدت الباحثة الاجتماعية عائشة

 بن يحمد أن أسباب التحرش متعددة، وقد ترتبط بالبيئة الاجتماعية والثقافية، بما في ذلك وجود رفاق سيئين، وانتشار ثقافة تبرر التحرش. وقالت بن يحمد: “قد تكون هناك أسباب نفسية واجتماعية لدى الجاني، مثل تعرضه للتحرش في الماضي، أو الإهمال الأسري، أو غياب توجيه الأطفال حول الحدود الجسدية”.

 وأضافت: “حوالي 50% من حالات التحرش تقع على يد غرباء، 30% من معارف الدرجة الثانية أو الثالثة، لكن الأخطر، 90% من حالات التحرش تكون من أشخاص مقربين من الدرجة الأولى، وهو ما يفسر صعوبة الإبلاغ وتعقيد الصدمة”.

الصمت والإنكار ضربات مزدوجة تقتل الضحية نفسيا.

وأوضحت بن يحمد أن عدم تصديق الضحية يمثل صدمة موازية للفعل نفسه، ويؤدي إلى اضطرابات نفسية عميقة، شعور دائم بالذنب، فقدان الثقة بالنفس، وإحساس بالعزلة.

وأضافت الإنكار يمنح الجاني شعورًا بالحصانة ويشجعه على تكرار الفعل والتحرش له آثار اجتماعية، إذ يتحول الجاني إلى مصدر رفض وعزلة، ويؤثر على قدرته على بناء علاقات صحية داخل الأسرة والمجتمع”.

أما صحيًا، فقالت بن يحمد الضحايا قد يعانون من اضطرابات النوم، القلق المزمن، والخوف من المستقبل والزواج، وقد تظهر أعراض جسدية خطيرة مثل فقدان السيطرة العضلية أو الإصابة ببعض الأمراض المنقولة جنسيًا. وأضافت الآثار النفسية تشمل الانكسار، فقدان تقدير الذات، وأفكار سوداوية قد تصل للتفكير بالانتحار، خصوصًا عند غياب الدعم الأسري والخوف من الفضيحة”.

هذه القصة ليست استثناء  كل مرة يُدفن فيها صوت ضحية داخل الأسرة، تمنح الجريمة حياة أطول ، والتحرش داخل العائلة جريمة والسكوت عنها ليس حيادًا، بل امتدادًا للأذى.

تم إنتاج هذه المادة الصحفية بدعم من صحفيون من أجل حقوق الإنسان JHR

شـــارك الخبر علي منصات التواصل

صحيفة فــــسانيا

صحيفة أسبوعية شاملة - منبع الصحافة الحرة

شاركنا بتعليقك على الخبر :